جبال القلمون وسهولها أرض المعارك المقبلة - وسام كنعان ، أنس زرزر


بعد القصير، تتجه الأنظار إلى المنطقة الشمالية، أي حلب، لكن الطريق إلى عاصمة الشمال تمرّ من مرتفعات القلمون، وخاصة أنها تمثل شريطاً حدودياً مع لبنان، وتقع معظم بلداتها على الطريق الدولي الذي يصل دمشق بحلب .

وسام كنعان, أنس زرزر

عوامل كثيرة ومتنوعة، فرضت نفسها بقوة على فصول الحرب السورية المستمرة، وأثرت في طبيعة المواجهات المسلحة، وعمليات الاقتحام والسيطرة التي نفذتها المعارضة المسلحة. لعل أبرزها وأكثرها تأثيراً في مجريات الأحداث، الطبيعة الجغرافية الصعبة، التي فرضت نفسها بقوة على تحركات «الجيش الحر» في مجمل العمليات العسكرية التي يقوم بها، كما فرضت أيضاً على الجيش السوري نوعاً محدداً من التكتيكات العسكرية. ربما هذا ما يفسر النقلة النوعية التي حصلت في مجريات الأحداث والمواجهات المسلحة خلال معركة القصير، وفقدان المعارضة المسلحة بخروجها من هذه المدينة، منطقة تعد منفذاً لتهريب السلاح والمقاتلين. الضربة القاسية التي تلقتها المعارضة المسلحة، جعلت مقاتليها يبحثون سريعاً عن ملجأ آمن، وقاعدة جديدة للتجمع وتنظيم الصفوف مجدداً. لا سبيل للوصول إلى مدينة حمص، لكونها قد عادت إلى حضن الجيش السوري، الذي أحكم سيطرته على مجمل المناطق والبلدات الريفية المحيطة بها، قبل الدخول في معركة القصير.

أما بحيرة قطينة، التي كانت تعد عاملاً جغرافياً مساعداً وساتراً طبيعياً، فقد تحولت إلى عائق يقف في وجه هروبهم نحو المناطق الريفية التابعة لمحافظة طرطوس شمالاً، المحصنة أيضاً بوحدات عسكرية وقوة الدفاع الوطني الشعبية. المهرب الوحيد الباقي هو الاتجاه نحو المناطق الجنوبية، على الطريق المحاذية لسلسلة لبنان الشرقية وما تحويه من هضاب وتلال، ومن ثم المرور بالمدن والبلدات البعيدة عن وجود ثكن ووحدات الجيش السوري، وصولاً إلى هضبة القلمون والبحث عن بيئة حاضنة.

ربما هذا ما يبرر الأحداث التي شهدتها بلدة جيرود في الأيام الأخيرة (أنظر «الأخبار»، العدد ٢٠٢٤، ١٠ حزيران ٢٠١٣)، التي أدخلت معركة القصير وتداعياتها المفتوحة الحرب السورية في مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز تأمين الحدود اللبنانية الطويلة، التي كانت ولا تزال واحدة من المنافذ المهمة لتهريب السلاح لدخول مقاتلي المعارضة المسلحة الأراضي السورية. صعوبة المهمة تكمن في طبيعة الحدود السورية اللبنانية من الناحية الطبيعة الجغرافية الصعبة والمتداخلة، والممتدة على مسافة طويلة جداً، تبدأ من منطقة الزبداني المرتفعة والمتاخمة للهضبة الشمالية الشرقية لجبل الشيخ، تليها مباشرة منطقة سرغايا التي تشتهر تاريخياً بعمليات تهريب البضائع من داخل الأراضي اللبنانية، ثم سلسلة من المناطق والبلدات الحدودية، مثل عسال الورد، ومعلولا، ورنكوس، وحوش عرب، وصولاً إلى يبرود، رأس المعرة، والسحل القريبة من النبك، ومن ثم قارة والبريج التي تمتد بعدها مسافة واسعة خالية من المناطق السكنية، وصولاً إلى مدينة القصير.

تأمين مجمل هذه المناطق من الناحية العسكرية والأمنية، يحتاج إلى خطة محكمة قد تستنفد طاقات وقوى عسكرية، لكنها تضمن تأمين الحدود الغربية الفاصلة مع الأراضي اللبنانية. ويبدو أمر تأمين هذا الخط هو الأولوية بالنسبة إلى الجيش السوري، ليس لأنه خط حدودي مع لبنان فحسب، بل أيضاً لأن بعض تلك المناطق مثل قارة – النبك – يبرود – دير عطية تقع مباشرة على طريق أوتوستراد دمشق – حمص، الذي من الممكن تعطيله، والذي يعرّض أي تعزيزات متجهة نحو حلب لخطر استهدافها أو تعرضها لكمائن خطرة من قبل المعارضة. من جهة أخرى، تتصل هذه المناطق المرتفعة بمناطق هضبة القلمون (الناصرية وجيرود والرحيبة) والمتصلة ببؤرة توتر، وهي الضمير، وهذه الأخيرة تتصل بعدرا ودوما وصولاً إلى بلدات الغوطة الشرقية، التي يحاصرها الجيش وينفذ فيها عمليات عسكرية يومية. الأمر قد يدفع تنظيمات المعارضة المسلحة عند ارتفاع وتيرة عنف معركة مرتفعات القلمون المتوقعة، لنقل المعركة إلى هضبة القلمون، التي لم تشهد حتى الآن مواجهات عنيفة أو أحداثاً دامية باعتبارها حاضنة للاجئين والنازحين من مختلف المناطق السورية، معتمدة على من يستطيع التراجع من الغوطة الشرقية وصولاً للضمير ومن ثم الرحيبة، أو نزولاً من مرتفعات القلمون، في قارة ويبرود والنبك التي تصلها بهضبة القلمون طريق جبلية معروفة باسم حاجولة، وربما يكون سهلاً على المعارضة المسلحة إيصال تعزيزات إلى تلك المناطق من بلدة القريتين (يتجمع فيها عدد كبير من مقاتلي الجيش الحر) ومتصلة بهضبة القلمون من خلال عدة طرق صحراوية، لكن التجربة الأخيرة لدخول عناصر الجيش الحر على نحو مفاجئ إلى جيرود، ورفض الأهالي رفضاً قاطعاً احتضانهم، أو قبول وجودهم بينهم وابرام اتفاقية بين الجيش والمعارضة المسلحة تنص على بقاء هذه المنطقة على الحياد، وتضمن عدم اشتعال أية مواجهات داخلها، ومن ثم إحاطة تلك المنطقة بوحدات عسكرية مختلفة (لواء 20 واللواء 155، ومقر الفرقة الثالثة في القطيفة على بعد 20 كم من جيرود) ومعظم تلك الثكن تقع على أماكن مرتفعة، إضافة إلى طبيعة المنطقة الصحراوية والمكشوفة كلياً، كل ذلك يجعل الأمر مستبعداً عن لجوء المعارضة لهذه المعركة كمرحلة مقبلة.

بموازاة ذلك، يؤكد متابعون للشأن السوري في حديثهم مع «الأخبار» أنّه لو تمكن الجيش السوري فعلاً من السيطرة على سلسلة جبال القلمون والمناطق الواقعة على امتدادها، فهذا يعني تمكنه من إغلاق الحدود السورية مع لبنان، لكن السيطرة عليها ستحفز بعض القوى الغربية والعربية التي تدعم المعارضة السورية المسلحة، على دفع العجلة نحو انفجار لبنان وإغراقه مجدداً في حرب أهلية طاحنة، قد تكون المواجهات فيها عنيفة جداً هذه المرة، بعد امتداد الجماعات السلفية، ودعمها بالمال والسلاح من قبل السعودية وقطر، وبعد التأجيج الذهبي والطائفي المتعمد ضد حزب الله، إثر إعلانه المشاركة في معركة القصير. أما السبب الذي قد يدفع بالغرب، وبعض الجهات العربية للعمل على تفجير الوضع في لبنان، فيما لو أحكم الجيش السوري قبضته على الحدود الفاصلة معه، فهو عدم القدرة بعد ذلك على الاستفادة من لبنان كساحة لدعم المعارضة في سوريا، وذلك بحسب المحللين ذاتهم.

الاخبار


 

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 14-06-2013