تعالج مقالة الكاتب فاروق وادي موقفي الأستاذ عبد الباري عطوان والفنانة أمية جحا من الأزمة المصرية وانحيازهما للإخوان المسلمين والرئيس مرسي

من جحا إلى عطوان: خاتمة الأحزان - فاروق وادي


كاريكاتير في صحيفة فلسطينيّة، بريشة فلسطينيّة، أثار لديّ حزناً دفيناً. لا أقول ذلك لأنني أعتقد أن مهمّة الكاريكاتير الوحيدة تنحصر في أنه يستثير لدينا البسمة والبهجة والضّحكات. ولكن لأن انحياز الفنان الأعمى إلى السُّلطة، مُطلق سُلطة، هو كارثة (فكيف إذا كانت سلطة فاشيّة)، وضدّ من؟ ضدّ زملائه من الفنانين والمثقفين والمبدعين!

اسمحوا لي أن أتجرأ لوصف كاريكاتير الفنانة "أميّة جحا" المقصود، مع طلب المغفرة إن نسيت أو أخطأت: مصر تبدو كامرأة محجّبة (ليست بهيّة بطرحة وجلابيّة)، تنكمش على نفسها باكية، تذرف الدّمع. وهي تحتمي من السِّهام الموجهة نحوها، متخذة شكل ريشة الفنان ويراع الكاتب.

وما بين السِّهام وجسد مصر، يقف مرسي نفسه ليمثِّل، بجسد مفتوح الذراعين، الدِّرع الواقي الحامي لمصر من أولئك الأوغاد الذين يستهدفونها بأدواتهم المسمومة القاتلة. يتلقى البطل المغوار الطعنات عوضاً عنها، غير عابئ بالدماء النازفة من جسده، الذي لا ينجو فيه شبر واحد من طعنة قلم أو استهداف ريشة.

ليس في قراءة اللوحة أدنى جهد منّا أو اجتهاد. فالفنّانة تعفينا من عبء ذلك، إذ تكتب اسم مصر على جسد المرأة، واسم مرسى على جسد البطل الواقف حامياً حماها من شرّ الثقافة والإبداع!

من حقّ الفنّان أن ينحاز إلى أي اتجاه سياسي. وإذا كان تاريخ الإبداع يروي عن مثقفين وفنانين ومبدعين انحازوا في أزمنتهم إلى الفاشيّة، فلم يتجنبوا مصير السقوط، إلاّ أن ممارسة التضليل لا تعرف الغفران.

أميّة جحا ترى الدماء النّازفة من مرسي، ولا ترى الدماء التي نزفت من جسد جيكا والشيخ عماد عفّت ومحمد الجندي والحسيني أبو ضيف زميلها في الصّحافة.. وآخرين، ومن سبعين وردة سقطت مضرّجة على مدرجات بور سعيد. ولا تكتفي صاحبة الكاريكاتير بأن تغمض عينيها عن القاتل، بل إنها تجهد لتحويله إلى ضحيّة.

في زمن تصدر فيه "أخبار الأدب" حاملة على غلافها صورة لخيرت الشّاطر (الذي نراهن أنه لم يقرأ كتاباً أدبياً واحداً)، ويتسلّم فيه حقيبة الثقافة المصريّة شخص ليست له علاقة بالثقافة، ليقرر بأريحيّة أنه لا يقلّ شأناً عن طه حسين وثروت عكاشة ويوسف السباعي، تصبح نوادر جحا ونكاته مثيرة للحزن.. والدّمع.. والأسى!

***

لا نبتعد عن الموضوع كثيراً، ولا عن فنّ الكاريكاتير الذي كفّ عن أن يكون ضاحكاً، ونحن نتحدّث عن عبد الباري عطوان، الذي كفّ عن أن يكون غاضباً!

كان أجمل ما في عبد الباري غضبه، الذي لم يكن يظهر فقط في افتتاحياته لـ "القدس العربي"، ولكن أيضاً في ظهوره التلفزيوني البهيج الذي يفشّ خُلق مواطن عربي أضناه الصّمت المريب وتراجع الأنظمة العربيّة حيال القضايا القوميّة، وتقاعسها، وتقصيرها، حتى لا نقول خياناتها المُعلنة!

ويبدو أن قيادة قطر للأمّة لم تترك مكاناً للغضب، رغم القاعدة الأميركيّة الجاثمة على رمالها الذهبيّة، والمكتب التجاري الإسرائيلي المقام كخرزة زرقاء تردّ العين وتنجي من عذاب أليم. ورغم العبث الصبياني القطري في شؤون الأشقاء، الذي لا يُلفت بعض الأنظار. وكلها من سفاسف الأمور التي لا تدعو إلى غضب خفّ سطوعه، وخبا بريقه.

عبد الباري ظهر مبتهجاً على شاشة الـ On tv في برنامج "مانشيت"، في أوّل ظهور له على شاشة مصريّة. ومن لا يبتهج إذ يعود إلى أرض الكنانة بعد عقدين من الغياب الإرغامي. والأهم أن يعود في ظلّ "الأحباب". فبعد أن أفرط الرّجل في حديث لا ينتمي إلى السياسة، بل إلى هديل الحمام والألفة والألاف، بثّ فيه حبِّه للمرشد وللإخوان عامّة، قال إن الحكم على الرئيس مرسي لا يصحّ إلاّ بعد أربع سنوات! بمعنى أن تقويمه لا يجوز شرعاً إلاّ بعد أن يكون "التمكين" قد حقّق مراده و"الأخونة" قد أُنجزت تماماً.

ولأن الكتابة تبدو أكثر وضوحاً، فقد تحدّث عبد الباري في أولى افتتاحيّاته بعد عودته من مصر (8 و 9 حزيران الجاري) عن لقائه "المختلف" مع مرسي، مطمئناً أحباب الأحباب بأن انقلاباً عسكرياً لن يحدث ضدّ الإخوان هناك.

لكن عبد الباري رأى في مصر ما يريد. رأى مرسي "الديمقراطي" الذي يتكلّم بودّ وعقلانيّة عن المعارضة وقياداتها (التي تمكر له). وتحدّث عن أولوياته التي "تتلخّص في الإنتاج الزراعي وإعادة إحياء الصناعات الثقيلة كالحديد والصّلب، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في القمح، وتحسين الخدمات الصحيّة، وتعزيز قدرات القوّات المسلّحة" (الله أكبر فوق كيد المعتدي!). ورأى سهام جحا التي تُطلقها المعارضة عليه، ممثّلة بالتحريض الإعلامي والسياسي ضدّه، والمصممة على إطاحة النظام والحيلولة دون إكمال الرئيس مرسي لولايته الرئاسيّة الأولى. فهم ".. لا يريدون أن يستمعوا إلى أي وجهة نظر تقول إن عمر الرجل في السلطة لا يزيد عن سنة، وهي ليست كافية لإصدار أحكام نهائيّة قاطعة"!!

حقاً إن السنة لا تكفي لإصدار أحكام نهائية قاطعة ولكنها أكثر من كافية لتقديم إشارات، مجرّد إشارات، عن مسارات مرسى والإخوان وإنجازاتهم على طريق التصنيع، والإصلاح الزراعي، والاكتفاء الذاتي، وبناء الجيش، وكلّ الخزعبلات التي عدّدها عبد الباري ولم يرها مصريّ يملك عينين. حتّى أنه تطوّع في الحديث عن "النهضة" (أي والله النهضة)، وهي المفردة التي نسيها الإخوان أنفسهم وكفّوا عن ترديدها، خجلاً، منذ أن تعرّت نهضتهم الموعودة تحت بريق السلطة وشهواتها التي لم يلمحها صاحبنا.. إطلاقاً.

***

حديث عطوان وتغزُّله بالإخوان، يدفعنا لأن نقول، وبالأسى نفسه: تباً لهذا الزّمن الذي بتنا فيه نَحِنّ إلى عبد الباري وإطلالته الغاضبة، قلماً وحضوراً متلفزاً، بعد أن استكان للهدوء وللطمأنينة المخادعة، التي ترى في قطر زعيمة للأمّة، وفي مرسي بطلاً مخلِّصاً لها!

من جحا الذي نوقن أنه سيكون، بعد التمكين، ممنوعاً من الظهور والمشي في الشوارع، لأن الضحكة وخطوط الكاريكاتير ستدخل مناطق التحريم، إلى غضب عبد الباري عطوان، الذي يبدو أنه بات عملة نادرة على شاشاتنا وصفحات جرائدنا، نرجو أن يكون ما جرى وما كان.. خاتمة الأحزان!

wadi49@hotmail.com

فاروق وادي

 

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 14-06-2013