سمير القنطار لـ"الميادين نت": كنت أعلم أنّ التحرير قادم


عبدالله ذبيان


كانت عينا سمير القنطار تشعّان تصميماً خلال حديثه مع "الميادين نت". فالرجل ما فتئ يقلق الإسرائيليين بعد ما يزيد عن ثلاثة عقود ونيّف في سجون الإحتلال لم يغب فيها عن القضية الفلسطينية ولا عن لبنان، بلده الأم، حيث المقاومة عملت وأنجزت تحريراً وانتصارات.

سمير القنطار لـ "الميادين نت": الخروج من الميدان يشكّل هزيمة بالنسبة لي"

يوصّف سمير القنطار الذكرى الـ 65 للنكبة ويعتبرها "سبباً لما يجري اليوم من أحداث وهي التي شكّلت نقطة تغيير في تاريخ العرب أدّت إلى تغييرات في السياسة الإجتماعية والسياسية والعسكرية، فكلّ مسارنا الشخصي مرتبط بها، وهي بالنسبة للمدافعين عن أمتهّم تعتبر محطة دائمة للسعي لإزالة آثارها وشطبها من قاموسنا اليومي المتداول".

"وللأسف فإن المتابع لمجرى الاحداث يدرك أننا اليوم في مرحلة أخطر من المرحلة التي حدثت، فيها النكبة، فإذا كنا وقتها نعاني من الغزو الصهيوني العسكري المادي المباشر على الأرض، فإن القضية اليوم تتجسّد في محو الذاكرة الجماعية، وتعميم ثقافة غريبة جداً تتناغم مع النكبة ولا تمحي آثارها. وهذا ما يترجم يومياً عبر نشر ثقافة موائمة لمنطق النكبة عبر الحديث عن الكيان الإسرائيلي وكأنه كيان طبيعي وصولاً إلى اعتباره جاراً ومحاولة المسّ بالمقاومة والتهكم عليها، وهذا ناجم عن انفصام بالشخصية لدى المواطن العربي، مما جعله أمام خيارات ثلاثة: إما الهروب إلى الأمام وتبني ثقافات وحضارات أخرى وإدارة الظهر لحضارته، أو الهروب إلى الوراء عبر التطرف الأعمى وهذا ما نلاحظه في "القاعدة" وأفكارها. ويبقى الخيار الثالث وهو الذي نتبناه ويقوم على مواجهة الواقع والعمل على تغييره"، يقول سمير القنطار.

ويضيف: "الأسير هو اكثر من يلامس النكبة لإنه يعيش أقصى تفاصيلها فهو داخل الأسر وهو يبعد عن عدوه سنتميترات، لذا كنا نقف وقفات لتجديد الهمة والعزم وكنا نصرّ على إحياء هذه المناسبات والتذكير بها من خلال كتابة التعاميم التي توّزع على المعتقلين داخل السجون ومن خلال تنظيم إضرابات الطعام، وأهم شيء أنّ نتذّكر على الدوام أنه يوم لتجديد العهد والعمل على إزالته" .


"لم أكن وحيداً في السجن"
 

عميد الأسرى لـ "الميادين نت": "حوّلت عامل الوقت في السجن إلى سلاح بيّدي"

ونعود مع سمير إلى حيث كان في ربيعه الثاني عند اعتقاله في نيسان 1979، فيستسرسل:" كنت صغيراً في الـ 16 من عمري وكان هذا بالنسبة لي بمثابة "طلوع لآخر درجة دفعة واحدة.... أيّ أقصى درجات المواجهة، وهذا كان اختباراً لنفسيتي وشخصيتي وقناعاتي، وجعلني أكتشف أكثر معنى الصمود والتضحية والعطاء وجعلني أتعرّف على رفاق وأخوة مجاهدين أكبر مني عمراً وخبرة، فاستفدت من تجربتهم".

يضيف: "من المهم القول أن للعدو خبراء نفسييّن ومهندسين في مجال "الهندسة الإنسانية" وهم يعملون على محاولة ترويض الأسير وكسر معنوياته، فأنا مثلاً حكمت بالسجن 542 عاماً للتأثير النفسي على معنوياتي كي يؤدي هذا إلى الإنهيار والإعدام البطيء، فكان قراري أن أتغلّب على هذا بتحويل عامل الوقت إلى سلاح بأيدينا لمقارعة المحتل. وكنا نرسل ونعبّر عن ذلك الى الخارج شحذاً للهمم عبر "كبسولات" صغيرة من ورق الدخان نكتب عليها بخط صغير ونرسلها مع ذوي الأسرى الفلسطينيين لتصل إلى لبنان".


"كنت على يقين أنّ التحرير قادم"


سمير القنطار لـ "الميادين نت": عندما علمنا بتحرير معتقل "الخيام" شعرنا بفرح عارم

ويستذكر القنطار معنا مرحلة تحرير الجنوب اللبناني في شهر أيار/ مايو من العام 2000 فيقول: "كنت على يقين أن التحرير قادم وأن العدوّ قد هزم، حيث كّنا نقرأ الهزيمة في عيون السجّانين و بتنا مدركين أنّ الأمر أمسى مسألة وقت، وأذكر يومها أننا كنّا في إضراب شامل عن الطعام لتحسين أوضاعنا المعيشية وعادة ما لاتتوفر لدى المضرّب عن الطعام وسائل الإتصال، لكن بعض الشباب كاتوا معفييّن من الإضراب بقرار مركزي من قيادة الأسرى، فكنا نعرف ما يجري عبر الراديو (مطلب إدخال الراديو تحققّ بعد إضراب عام 1994) أو عبر الإعلام الإسرائيلي، وهي كانت بالنسبة لنا لحظات فخر وتفوّق على السجان، وعندما سمعنا عن إقتحام سجن الخيام، شعرنا بحالة فرح عارمة وداعبنا أمل أن يأتي يوم ويتحرر سجن نفحة وكافة السجون الأخرى ولسان حالنا يقول إن المستحيل أمسى قريباً. قمنا بإحياء المناسبة داخل السجن تحت أعين السجّان الذي كان غاضباً وهو حاول منعنا من ذلك عبر رشقنا بالغاز لكننا كنّا مصرّين على التحدي، ولعلها لحظات لا تنسى عندما كنا نرى الجنون في عيون جنود الإحتلال وهم يرمقوننا بنظرات تنم عن هزيمة داخلهم".


"العدو كان "جانن" في تلك الأمسية"


سمير القنطار: ضباط العدو كانوا "جانين" لدى متابعتهم مؤتمر السيّد نصرالله حول أسر الجنديين.

ولعل ذروة النشوة والفرح التي راودت عميد الأسرى قد تجلّت يوم 12 تموز 2006 عندما أسر حزب الله الجنديّين الإسرائيليين لمبادلتهما بسمير القنطار ورفاق له في سجون الإحتلال، وهنا يطلق القنطار العنان لذاكرته ويسهب أيمّا إسهاب مع نظرات فيها عزة واعتداد: "12 تموز 2006 كان اليوم الأجمل في حياتي. العدو رفض إطلاق سراحي في العمليات السابقة وخاصة في عملية 2004 .... مما ولّد نوعاً من التحدي بيني وبين السجّان لإنه يعتبر أنّ إستثنائي من عمليات التبادل سيقفل الباب نهائياً على إطلاق سراحي والتالي سأمكث في السجن إلى الأبد، وفي نقاش مع ضباط العدو كنت أقول لهم إنني سأطلق في أيّ لحظة، وأن المقاومة ستأسر جنوداً وسيطلق سراحي، فكانوا يستهترون بهذا الكلام، وعندما حصلت "عملية الغجر" أواخر 2005 لأسر جنود إسرائيليين وفشلت قالوا لي "أنظر لقد فشلوا ".. لكنني كنت أقول لهم إنّ المقاومة ستنجح إن طال الوقت أو قصر".

"في 12 تموز لم تراودني فرحة شخصية فقط، بل فرحة إنتصارنا كنهج مقاومة في وجه العدو، وهنا أذكر جيداً وجوه ضباط وجنود العدو القاتمة وكان الإسرائيلي "جانن" عند سماع كلمة الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله التي كانت تصدح في أروقة السجن وقاعة التلفزة وتنقل مباشرة إلى العبرية. وأذكر أن الضّباط والجنود إستردوا بعضاً من أنفاسهم وانتعشوا ليلاً بعد بدء غاراتهم وحربهم، لكنني كنت أقول انتظروا فالمقاومة في لبنان ليست مراهقة وارتجالية ومسلوخة عن شعبها وبيئتها وهي إلى ذلك متماسكة واحترافية"، يقول القنطار.

يعود عميد الأسرى المحررين بالذاكرة إلى لحظات إطلاق سراحه في تموز/ يوليو 2008 فهو كان يحدّق في عيون سجّانيه في نظرات لم تبارحه منذ اعتقاله في نيسان/ ابريل عام 1979 وكأنه يقول لهم بصمت معبّر ها قد تحررّت رغم أنوفكم.."

"عند خروجي طلب منيّ كتابة كلمة لأتلوها أمام الملأ والإعلام فأصرّيت على الكلام العفويّ، والجملة التي قلتها بأني "خرجت من فلسطين لأعود إليها. كانت معبّرة عن قناعاتي وهي جزء من فكري الذي أستمر فيه حتى اليوم مع أنّ الكثيرين نصحوني بالراحة لكنني قلت لهم إنّ الخروج من الميدان الآن هو إعلان هزيمة... وها أنا أكمل المسيرة والحمدلله".


"فلسطين تستحق بذل الدماء"


سمير القنطار: " فلسطين تستحق منا جميعاً بذل الدماء"

وعن فلسطين والانقسام فيها يقول القنطار إنها تستحق أن تبذل في سبيلها الدماء. "فلسطين تستحق إلاّ يتنكّر لها الكثير من الفلسطينيين كما هو حاصل اليوم، والسلطة الفلسطينية البائسة تمكنّت من غسل العقول واستبدال الثورة بالسلطة والنظام بالأمن وأصبح هنالك خلط في المفاهيم فأمسى النضال شبهة وحامل البندقية المقاومة مدمّر للحلم الفلسطيني وهذه مصطلحات خطيرة حاولوا تعميمها لا في فترة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات لكنّه كان رجلاً يحترم نفسه، واليوم في عهد (الرئيس الفلسطيني) محمود عباس استطاعوا تحقيق ذلك. وأنا أدعو الشعب الفلسطيني إلى وعي الأمر والعودة إلى تاريخه المناضل وتجاوز القيادات البائسة في غزة أو في الضفة، فالشعب الفلسطيني شعب النضالات والمقاومة ولا يجوز ان يترك لهؤلاء التحكّم برقابه. حتى السلطة غزة نفسها تعيش في "غيتو" ومصّدقة انها "دولة" وسلطة وكيان وهي تسهم مع عباس في تعميم نفس الثقافة. فأي كيان مغلق هو هذا المنضبط بقواعد إقليمية - دولية يخضع لها بعد كلّ جولة، الشعب الفلسطيني كتلة واحدة لا تتجزأ وعندما تستباح القدس يجب أن تكون غزة معنية. وما يحصل أنّ غزة تقاتل على محور واحد وحيدة والضفة غير معنية بقتال غزة. نعم هنالك شباب مقاومون في غزة لكن للأسف فإنّ معركتهم انحصرت فيها".

ونعرّج مع عميد الأسرى المحررين على موضوع الإقتراح العربي الأخير فيعبّر بمرارة المناضل: "لا أستغرب طرح موضوع تبادل الأراضي لإن معظم هذه الأنظمة متآمرة على القضية الفلسطينية وعلى ضرب المقاومات من خلال تدجين بعض القوى التي كان فيها نفس المقاومة .. وبالتالي فهم يشّربون الرأي أفكاراً تصبح مع الوقت أمراً واقعاً وهذا جزء من حالة مستمرة منذ عقود".


"الربيع العربي كارثة حقيقية"

سمير القنطار: "الربيع العربي كارثة حقيقية"

يوّصف القنطار "الربيع العربي" بـ "الكارثة الحقيقية لإنه جاء واستنزف الطاقات التي كان يجب أنّ تقوم بالثورات الحقيقية ... وهي للأسف إستنزفت في تغيير شكليّ، بحيث ذهب بأشخاص معيّنين وجاء بآخرين، لكنهم في النهج والجوهر لا يختلفان بل على العكس، ففي أيام (الرئيس المصري المخلوع) حسني مبارك كان السلاح يدخل بسهولة أكثر إلى غزة، واليوم حسب معلوماتي فإن السلاح أصبح يكلّف أضعاف أضعاف ما كان عليه في السابق، وهذا دليل على طبيعة هذا "الربيع" الذي بدأ عفوياً وطبيعياً لكن الممسّكين به أخذوه إلى حيث يريدون، وفي ظلّ غياب القوى القومية الصحيحة عن الساحة أفسح المجال لقوى إنتهازية مستعدة للتحالف مع "الشيطان" للوصول إلى السلطة وبالتالي فإن "الربيع العربي" يكشف لنا ضحالة الوعي في الشارع العربي.


"سقوط سورية يعني سقوطنا جميعاً"


سمير القنطار: "انجازات الجيش السوري الأخيرة هامة"

يقطع علينا الطفل "علّي" شبل سمير القنطار الجلسة فيضفي عليها شيئاً من البراءة في ظل الحديث السياسي بامتياز قبل أن ننهي حديثنا عن الأزمة السورية، فعميد الأسرى الذي لا يبارح دمشق والمدن السورية وقد كان منذ أيام في لقاء مع رئيس الحكومة السورية د. وائل الحلقي، يعتبر "أن سقوط سورية يعني سقوطنا جميعا".. حتى المكان الذي نجلس فيه هنا سيسقط". ويعتبر القنطار أنّ الإنجازات العسكرية التي يحققّها الجيش السوري ضدّ مسلّحي المعارضة هامة وتمهّد السبيل للمرحلة القادمة: "إنتصار سورية الذي بات قريباً على المشروع المعادي الذي يستهدف إخضاعها سياسياً ومحاصرة المقاومة هو حلقة جديدة نحو ولادة حرية الوطن العربي وتغّيير وجه العالم ودفع جديد لثقافة الصمود والمقاومة ورفض الاستسلام والخنوع".

خلال المقابلة مع "عميد الأسرى المحررين" لم ألمس أيّ تحفّظ على أيّ سؤال ولكن عند ولوجي مسألة مشاركته الفعلية على الأرض في المقاومة الشعبية في الجولان العربي المحتلّ، ابتسم ابتسامة الرجل المخضرم الذكّي الواثق من نفسه وقال: من قال لك هذا؟؟ معتذراً بلباقته المعهودة وبدماثة أخلاقه، مفضّلاً عدم الإفصاح عن شيء من هذا االقبيل لكن عينيه كانتا تلمعان وفي لمعانهما أكثر من جواب، وتعبير عما في مكنوناته (....) وهو أردف ردّاً على سؤال عما يتواتر عن عمليات إطلاق صواريخ على الجولان العربي المحتل بقوله: "لا تعليق لي على هذا، لكني أرى أن المقاومة لا تكون بإطلاق صاروخ من هنا أو هناك، وإذا تمادى العدو في عدوانه فانا أقول: إنتظروا خطوات عملية ونوعية ستفاجىء المعتدي، فلدى سورية الكثير من الأوراق وهي بلد مقاوم ممانع، على الرغم من محاصرته منذ سنوات، وقد قاومت الضغوطات الأميركية بما فيها العسكرية، وهي تتعرض لضربات لإضعاف شوكة المقاومة اللبنانية"، وأضاف "أن الرئيس بشار الأسد قدّم دعما للمقاومة اللبنانية، إلى درجة فتح مخازن السلاح السورية أمامها، فكيف لايكون جميع المقاومين معها؟

وفيما يصف القنطار "النأي اللبناني بالنفس" عما يجري في سورية "كذبة كبيرة"، يقول في التهديد الإسرائيلي بحرب على لبنان وسورية "إن إسرائيل لو كانت تقدر على شنّ حرب لما تأخرت". وعن نذر حرب إقليمية يؤكد "أنّ سورية دولة مركزية في العالم لذا فقد انقسم العالم بشأنها، وأيّ حرب ستعلن على محور المقاومة في المنطقة ستكون نتائجها وخيمة على المعتدي".
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 22-05-2013