الى حجاج "اوشفيتز" من الفلسطينيين و العرب والمسلمين .. - بقلم نضال حمد

قبل أيام نشرت خبرا عن عزم مجموعة من الأئمة العرب والمسلمين ومنهم فلسطينيين لم أتأكد شخصيا من اسمائهم لكني تأكدت من مشاركة فلسطينين ضمن الوفد المذكور، وأكد ذلك ايضا موقع اوشفيتز الرسمي . إلا أن موقع اوشفيتز لم ينشر سوى أسماء البعض وبالذات القادمين من الولايات المتحدة الأمريكية.  لكن مواقع الكترونية عربية في أوروبا نشرت نقلا عن صحيفة هآرتس الصهيونية في وقت سابق أسماء بعضهم.

تجدر الإشارة الى ان موقع الصفصاف الإخباري الثقافي العربي النرويجي كان قبل سنوات قليلة فضح زيارة سفير السلطة الفلسطينية في وارسو آنذاك خالد غزال برفقة السفير الصهيوني في بولندا الى معسكر اوشفيتز. وتبين لنا ان غزال وغيره يعملون بتوجيهات من قياداتهم التي تمارس التطبيع مع الصهاينة وتعممه على العرب والمسلمين. كما هناك بعض السياسيين والمثقفين والإعلاميين الفلسطينيين من فلسطين المحتلة 1948 زاروا هذا المعسكر عدة مرات وكتبنا عن ذلك في سنوات سابقة 2003 و 2009 و2010 .

جاء في موقع الإعلامية الفلسطينية كوثر سلام من فيينا أن المشاركين من فلسطين هم : ( “بركات فوزي حسن” من حركة “فتح” في “جامعة القدس” في “أبو ديس” شرقي القدس المحتلة, والتي يرأس مجلس أمنائها السيد “أحمد قريع”, “أبو علاء” مهندس “إتفاقية باريس الإقتصادية” وممول شركات الباطون لبناء المستعمرات الصهيونية, ونائبه د. محمد اشتيه, ممثل حركة فتح, كما يشاركهم في عضوية مجلس الأمناء عدد من المتنفذين في رقاب الشعب الفلسطيني في حركة فتح منهم: “محمد زهدي النشاشيبي”, “د. منيب رشيد المصري”, “د. سمير شحادة التميمي”, “د. رشيد الخالدي”, “د. أنيس القاق”, “د. جواد ناجي” وآخرون, فيما من الأردن: “محمد ريان” من كلية الشريعة في الجامعة الأردنية عمان, والأمام “عبد الرحمن إبداع”, الأمين العام للدعوة والإرشاد في الأردن. و من السعودية: “ماجد أ. عشقي”, من جامعة الملك عبد العزيز في جدة. ).

صحيفة هآرتس قالت انهم سيزورون اوشفيتز في الرابع والعشرين من الشهر الجاري لكن الزيارة وبحسب موقع اوشفيتز باللغتين البولندية والانجليزية تمت في الثاني والعشرين من ايار- مايو الجاري . زارت خلالها مجموعة من الأئمة ورجال الدين المسلمين، ومن المعلمين والناشطين، من دول إسلامية وعربية مختلفة، وكذلك ممثلون عن دويلة سلطة رام الله الفلسطينية تحت الاحتلال الصهيوني. زارت المجموعة المتحف التذكاري لضحايا النازية من اليهود في معسكر اوشفيتز الرهيب في بولندا. مواقع وأماكن يهودية أخرى في بولندا وألمانيا. وذلك من ضمن برنامج أعدته خصيصا لهم إدارة المعسكر بالتنسيق الكامل مع وزارة الخارجية الأمريكية، حيث تعتبر هذه الزيارة،الدراسة، جزءا من برنامج خاص شاركت في تنظيمه وزارة الخارجية الأمريكية بحضور ثلاثة ممثلين عنها. وتهدف الزيارة إلى مكافحة معاداة السامية وإنكار المحرقة.

تمت الزيارة المذكورة بمرافقة أمريكيين على رأسهم  المبعوث الامريكي الخاص لرصد ومكافحة معاداة السامية، إيرا فورمان، والحاخامات والعلماء الأمريكيين والمبعوث الخاص للرئيس الأمريكي للتعاون مع منظمة التعاون الإسلامي رشاد حسين.

الزوار
الذين جاءوا من الدول الإسلامية والعربية ومن فلسطين المحتلة لتعلم كيفية مكافحة إنكار المحرقة، وكذلك مكافحة معاداة السامية. والذين أعربوا عن حزنهم وتعاطفهم الكبيرين مع الضحايا اليهود، متجاهلين تماما الحديث عن الفلسطينيين ومعاناتهم والمذابح والمجازر الصهيونية بحقهم.  كأن المذبحة المستمرة ونكبة الشعب الفلسطيني ونهب ومصادرة أرضه المحتلة، وتدنيس ومحاولة تدمير مقدساته في القدس من المسجد الأقصى الى قبة الصخرة لا تعني هؤلاء الزوار لا من قريب ولا من بعيد. مع أن معظم هؤلاء جاءوا من الدول العربية والإسلامية مثل المملكة العربية السعودية، البوسنة، الهند، إندونيسيا، الأردن، المغرب، نيجيريا، السلطة الفلسطينية، تركيا  بالإضافة لممثلين عن مسلمي الولايات المتحدة الأمريكية. وقد زاروا الأماكن الهامة في المتحف والمعسكر، واطلعوا على تفاصيل الدعاية الصهيونية لاستغلال المذبحة. وسوف يعودون الى بلادهم ومساجدهم ومدارسهم وجامعاتهم ليقدموا لأطفالنا وشبابنا الرواية الصهيونية للهولوكوست.

موقع اوشفيتز الالكتروني قال على صفحته الرسمية أن رشاد حسين اعتبر هذه  الزيارة رسالة قوية جدا موجهة إلى المجتمع المسلم في العالم، لتتحدث من ناحية أخرى عن ما حدث هنا، ومن ناحية أخرى هي أيضا إشارة إلى أولئك الذين يشككون في المأساة الكبيرة التي حدثت في هذا المكان.

أما الأمام محمد ماجد من الولايات المتحدة : قال لا توجد كلمات يمكن أن تصف المحرقة، وخصوصا عندما كنت في المكان الذي يشعر فيه الإنسان بالناس فوق رأسه يبكون، وبمئات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال الذين قتلوا  بطرق لا يمكن تصورها. والدرس المستفاد هنا بالنسبة لنا جميعا، المسلمين واليهود والمسيحيين، هو أننا يجب أن نبذل كل جهد ممكن لضمان أن تكون الانسانية أفضل. وينبغي على جميع الزعماء الدينيين والسياسيين زيارة هذا المكان قبل أن يبدؤوا أعمالهم.

الزيارة في ألمانيا وبولندا
شملت أيضا: زيارة لمعسكر الاعتقال "داخاو" السابق، والأماكن المرتبطة بتاريخ اليهود البولنديين في مدينتي وارسو وكراكوف البولنديتين وكذلك والحي اليهودي في وارسو أو ما كان يعرف بغيتو وارسو. التقى الضيوف أيضا مع الناجين من المحرقة ومع ممثلين من أتباع الديانات الأخرى، بما في ذلك الحاخام مايكل شودريتش.

وجدير بالذكر أن زيارة مماثلة لنفس المكان جرت في أيلول - سبتمبر سنة 2010 , وكان من ضمنها كذلك ثمانية من أكثر الأئمة المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية نفوذا ومن ضمنهم رشاد  حسين، الذي يبدو انه المحرك لمثل هذه الزيارات. أصدرت تلك المجموعة في حينه بيانا سجلت فيه رسالة قوية الى الذين يحاولون إنكار المحرقة جاء فيها بحسب موقع اوشفيتز الرسمي : "نحن ندين أي عمل من شأنه أن يتعارض مع الحقائق التاريخية ونعلن أن مثل هذا الإنكار، وأية محاولة لتبرير هذه المأساة تتعارض مع قوانين الشريعة ."

كل هذا الكلام عن عدم الاستهتار بضحايا النازية من اليهود وأيضا من غير اليهود صحيح. ويجب عدم إنكار وقوع اليهود ضحية للهمجية النازية وللفاشية العنصرية الأوروبية في ذلك الحين وفي الحرب العالمية الثانية.  لكن من حق الباحثين والمؤرخين أن يبحثوا عن الحقائق وتقديمها للجمهور كما هي. كما من حقنا ومن حقهم كبشر رفض القتل والإرهاب والهمجية والوحشية في كل مكان من العالم، بدءا من معسكر اوشفيتز وليس انتهاء بفلسطين المحتلة حيث يُمارس الإرهاب اليهودي الصهيوني بشكل مستمر منذ اكثر من 65 سنة. فالإرهاب اليهودي الصهيوني الذي استفاد من النازية وقام بتطوير إرهابها وممارسته على الشعب الفلسطيني بلا هوادة، وبلا توقف، وبدون رحمة، وبلا محاسبة أو التفاتة حقيقة من قبل المجتمع الدولي، وكذلك من قبل يهود العالم، من حق البشر التعرف عليه وفضحه وإدانته ومحاسبة القائمين عليه ومن يساندهم. ومن حقنا كبشر رفض تبني فكرة صهيونية عمدت الى تزوير حقائق ما حدث وتضخيمها ووضعها في رؤوس الناس بكل العالم رغما عن إرادتهم. ورفض قوانين أمريكا والغرب التي تلاحق كل من يشكك بأرقام وتعداد الضحايا اليهود ومن يبحث عن الحقيقة. والبث عن الحقيقة لا يعني الإنكار، إذ ليس من حق احد إنكار ما حصل لليهود والأوروبيين بكافة تلاوينهم الدينية والعقائدية أبان الحرب العالمية الثانية.

ذكرتني زيارة هذا الوفد الى اوشفيتز بزيارة يتيمة قمت بها الى موقع تريبلينكا في بولندا وكان ذلك سنة 1986. أي بعد أربع سنوات من خروجي حيا وجريحا من مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين في بيروت سنة 1982 . حيث 1هب ضحيتها آلاف الأبرياء. حينها  كتبت في دفتر زوار معسكر تريبلنكا حيث قتل النازيون مئات آلاف الأوروبيين ومنهم اليهود والشيوعيين والغجر والمثليين ..الخ .. كتبت في تعليق بالدفتر : أنني آتي الى هنا كناجِ من مجزرة صبرا وشاتيلا، حيث تركت ساقي وبعض أهلي ورفاقي، وحيث دُفنت عائلات كاملة من جيراني وخلاني، من الطفل الوليد الى العجوز المبتور الساق، ومن الطفلة الصغيرة الى العجوز الطاعنة في السن. وحيث كان الدم الفلسطيني والعربي مستباحا من قبل اليهود الصهاينة وأعوانهم في لبنان.. كل الوحشية والرعب والإرهاب الذي مورس على أهالي مخيمي صبرا وشاتيلا كان فعلا صهيونيا  مدبرا، تم أيضا بأدوات فاشية وعنصرية محلية لبنانية تمثلت بالقوات اللبنانية، قوات أو عصابات آل الجميل وجعجع وحبيقة وأبو أرز والمقبور سعد حداد وجيشه الجنوبي العميل للصهاينة.  

كتبت أيضا في دفتر زورا معسكر تريبلينكا ما يلي :

 أهالي وأبرياء مخيمي صبرا وشاتيلا من المدنيين والعزل ذبحوا ونحروا وقتلوا بأيدي احفاد هؤلاء اليهود المدفونين في معسكرات اوشفيتز وتريبلينكا في بولندا.. هؤلاء الضحايا اليهود هم ضحايا الإرهاب الأوروبي، والنازية الألمانية والفاشية والعنصرية الأوروبية. أما الفلسطينيون والعرب في لبنان ومصر وسورية والأردن فهم ضحايا أحفاد هؤلاء الضحايا. حيث ارتكبت العصابات المسلحة اليهودية التي قدمت من أوروبا الى فلسطين المحتلة مئات المذابح والمجازر والتطهير العرقي في فلسطين المحتلة، التي جعلها هؤلاء بإرهابهم ومحارقهم في فلسطين العربية، وبتزوير دولي ونفاق عالمي بدلا من فلسطين جعلوها تسمى " إسرائيل". لكن مثلما أن حق هؤلاء الضحايا اليهود هنا في بولندا لم يضع فإن حق الضحايا الفلسطينيين والعرب أبدا لن يضيع، ويجب محاسبة كل قاتل يهودي صهيوني كما حوسب ومازال يحاسب كل قاتل ألماني نازي.  وهذا الأمر يبقى مفتوحا الى يوم الدين. وسيرثه الفلسطيني عن أجداده وآبائه  ليستمر في ملاحقة هؤلاء ومحاسبتهم عاجلا أم آجلا. لأن العدالة الإنسانية يجب أن تشمل كل ضحايا الإرهاب والعنصرية والفاشية في العالم.  وليس فقط فئة مختارة ومعينة منهم.

 طبعا تعليقي أعلاه لم يعجب المسئول عن المكان. لكنه لم يجرأ على قول أية كلمة. لا أعرف أن كان التعليق بقي في الدفتر أم انه انتزع منه كما انتزع هؤلاء اليهود الصهاينة الشعب الفلسطيني من أرضه وشردوه في بقاع الدنيا قاطبة. 

لم أفكر كثيرا بهذا الرجل ولا بالدفتر، بل تركته ومضيت أجرع من كأسي وادخن سيجارتي ( كنت يومها مازلت مدخنا) نافثا دخانها على جهات المقبرة الأربع. مضيت مشحونا بالكبرياء لأنني عربي فلسطيني يقول لليهود الصهاينة وصهاينتهم الأوروبيين والعرب الذي يجب أن يسمعوه في كل لحظة.. وهو أنهم قتلة ومجرمين مثل النازيين، ولا بد من محاسبتهم أسوة بحسابهم هم للنازيين.

 مضيت خارج أسوار مقبرة تريبلينكا وأنا أتذكر أحبتي الذي مضوا شهداء على درب تحرير فلسطين وقيامة الأمة.

مضيت وأنا أفكر بيوم محاسبة هؤلاء ولا بد انه قريب ..

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسيةية