حبر وملح - ملح الصداقة - زاهي وهبي


ثمة أناس يورثونك كل جميل. يغادرون الفانية وأثرهم الطيب حاضر أنّى أقاموا أو عبروا. محمود درويش لم يورثنا فقط شعراً جميلاً، بل أيضاً أصدقاء جميلين يشبهون القصائد التي كتبها، أصدقاء كلما اجتمعوا كان صاحب «جدارية» بينهم كأنه لم يمض بعد إلى حضرة غيابه، أو كأنه لا يزال يكتب قصيدته التي ما أراد لها أبداً أن تنتهي.

أمس كنت في عمّان، العاصمة التي عاش فيها محمود ردحاً وكتب فيها بعضاً من أنضج شعره وقصائده. على بعد أمتار من شقته المتواضعة في ضاحية عبدون، منزلٌ متواضع آخر لصديقِ عمرٍ هو شريكُه في لعبة النرد، المحامي غانم زريقات -سبق أن كتبت هنا في هذه الصفحة أن درويش كان يناديه أميغو وصار من بعده أميغونا جميعاً-، وهو منزل يتسع لألف صديق ولا يضيق البتة بأحد، تقطنه أسرة جميلة، مَن يعرفها يعرف لماذا تعلَّقَ بها «لاعب النرد» حتى أمست له عائلة بديلة.

منزل زريقات أشبه بمضافة مفتوحة للكثيرين من زوار العاصمة الأردنية، التي تعيش هذه الأيام قلقاً مضاعفاً بفعل المذبحة السورية المجاورة وتداعياتها على دول الجوار، فضلاً عن مخاطر مشروع الوطن البديل، الذي لا يبدو أنه طوي في أدراج النسيان، مضافاً إليهما قلق الأزمات الداخلية التي تعصف ببلد لم يعرف بعد سبيلاً إلى استقرار حكومي أو برلماني، ولا يزال يشهد في السنة الواحدة أكثر من حكومة، وأحياناً أكثر من برلمان. فمن كثرة تغيير الحكومات أو تعديلها، بات من «النادر» أن تجد أردنياً لم يتولَّ حقيبة وزارية، حتى بات الأردنيون يتندرون على أنفسهم بلقب «معالي الشعب الأردني»، إشارةً إلى كثرة مَن كانوا أو صاروا وزراء، فالأردني إما وزير سابق وإما وزير لاحق!

في منزل زريقات التقينا: ريم بنّا الآتية من الناصرة حاملة صوتها المدافع عن قضية شعبها ووطنها وصراعها المتواصل مع مرضين خبيثين: الاحتلال والسرطان، أميمة الخليل القادمة مثلي من بيروت مزنرة بالموسيقى والغناء دفاعاً عن المظلومين والمضطهدين في كل أصقاع الدنيا، جواد بولس الآتي من القدس المحتلة مثقلاً بهموم الأسرى في سجون الاحتلال وبالدفاع عنهم ليل نهار أمام محاكم إسرائيلية باطلة، لكنها -للأسف- قادرة على زج الآلاف في السجون والمعتقلات الأشبه بمعسكرات الاعتقال النازية، ترافقه زوجته الجليلية جمانة، التي لولا الاحتلال لكانت عبرت إلينا في الجنوب اللبناني بدقائق معدودات، لكن ماذا نفعل إذا كان الاحتلال اللئيم يجبرنا على السفر مئات وآلاف الكيلومترات للقاء أحبتنا من أبناء الجليل الفلسطيني، الذين ظلمناهم وظلمهم العرب كثيراً، فقط لأنهم تمسكوا بأرضهم وظلوا في بلادهم شوكةً في خاصرة الكيان الغاصب.

في تلك الجلسة الحميمة إلى مائدة إيلين، زوجة غانم، دارت الأحاديث حبقاً يبعث في البال عطوراً لا تمحوها الأيام، وكان حاضرها الغائب محمود درويش، اذ يصعب جداً على أصدقاء مَن ترك الحصان وحيداً، اللقاءُ من دون أن يكون درويش حاضراً بذكراه الطيبة، بمواقفه النبيلة والجريئة، بطرافته ونزقه ومزاجه الشعري المغاير، وبقصائده التي تتجلى وتتعتق مع مرور الوقت، حتى ليخال المرء أنه لم يمت بعد، أو أن أصدقاءه لم يتقبلوا هذا الموت، الذي نشأنا ونحن نردد أنه حق.

لماذا أكتب عن صداقات ربما تبدو شخصية بعض الشيء؟ لأن هذا النوع من العلاقات الإنسانية هو أكثر ما نحتاجه في هذه المرحلة الرديئة من تاريخ العرب الحديث، حيث كثير من الصداقات تتضعضع وتتزعزع بفعل أيديولوجيات مغرضة لا تقيم وزناً للكائن البشري، ولا تراه سوى بيدق صغير في لعبة الأمم، أو بفعل غرائز وعصبيات طائفية ومذهبية تنخر جسد الأمة وتجعله جسداً مريضاً واهناً عصياً على القيامة والنهوض. مرحلة نحتاج فيها أبسط أشكال اللقاء والحوار مهما كانت شحيحة أو متواضعة... نخب رفاق الأمس والغد المُعلّق على خشبة الأمنيات، سنشربُ هذي الكأس، صداقةً كاملة الدسم ولا خشية من حسّاد وسُمنة».
 

الحياة

 

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 04-05-2013