نساء من مجموعة «صوت الحق» الإسلامية المتشددة خلال دورة تدريبية في حلب في 17 شباط الماضي (رويترز)


الجهاديون الأوروبيون والطريق إلى الجنّة... عبر سوريا! - رشا أبي حيدر
 

لم يمر عام على اندلاع الثورة، حتى أصبحت سوريا، ساحة معركة تستقطب مقاتلين من مختلف دول العالم، عربية كانت أو غربية، انضموا إلى مجموعات وكتائب مسلّحة، هدفهم المعلن إسقاط نظام بشار الأسد او دخول الجنة!

وعلى غرار الدول العربية التي شهدت الثورات طيلة العامين الماضيين، سجّلت سوريا أرضاً خصبة لجهاديين أوروبيين، يتنامى عددهم فيها يوماً بعد يوم، في وقت تأخرت فيه الحكومات الأوروبية عن تدارك الخطر الذي ينتظرها عند عودة مواطنيها من ارض الجهاد... إذا عادوا.

وساهمت وسائل الإعلام الغربية والفرانكوفونية بشكل كبير في «التأثير على مشاعر المسلمين في الغرب وغير المسلمين منهم من خلال بث صور ومشاهد حول ما يحصل في سوريا، خصوصاً بعد سقوط حي بابا عمرو في حمص في العام 2012، حيث صوّرت وسائل الإعلام تلك المشاهد على أنها مجازر طائفية، سواء أكانت صحيحة أم غير صحيحة»، بحسب ما يشرح الباحث الفرنسي في «المعهد الفرنسي للشرق الأوسط» رومان كاييه في حديث مع «السفير».

وانطلاقاً من هنا، «بدأ المسلمون الأوروبيون وغير المسلمين يتوجهون بكثافة إلى سوريا»، بحسب كاييه، المتخصص في الدراسات الإسلامية والذي يحضر أطروحة الدكتوراه بعنوان «المهاجرون الجدد ـ السلفيون الفرنسيون»، والذي يشير إلى أنه «بعد تلك المشاهد، قامت مجموعة سلفية بحرق مسجد للطائفة الشيعية في بروكسل، وكان بمثابة رسالة تهديد ورد على ما حصل في سوريا».

ويقول كاييه إن غالبية المقاتلين الأوروبيين هم من أصل مسلم، وبعضهم اعتنق الإسلام منذ سنوات بفعل صداقات في المدرسة أو غيرها من العوامل.

أما أسباب اندفاع هؤلاء للقتال في سوريا، وخصوصا بالنسبة إلى الأوروبيين السلفيين منهم، فيردها كاييه إلى أربعة أسباب. أولاً، «يكنّ السلفيون العداء لنظام الأسد، معتبرين أنه أسوأ نظام عربي في الشرق، يليه تونس، لأنه نظام علماني، وهم لديهم مشكلة مع الأنظمة العلمانية، خصوصا الأوروبية منها، التي ترفض الحجاب».
ثانياً، من خلال ثقافتهم ونظرتهم للعالم العربي، يعتبرون أن «الغالبية السنية مضطهدة ومقموعة من قبل أقلية علوية».

ثالثاً، إن «السلفية ممنوعة في سوريا كما في تونس من بين كل بلدان الشرق الأوسط، ووحدها الصوفية مسموحة»، بالإضافة إلى أنهم «لم ينسوا مجزرة حماه». لذلك فهم يعتبرون أن «الطريقة الوحيدة لاستعادة كرامتهم هي عبر قلب النظام».

وحول المشاركين في القتال، يقول كاييه إن «منهم من ذهب بهدف المغامرة» و«منهم من كان فعلاً مجاهداً سابقاً»، مثل كينيث سورنسون (30 عاماً)، الملقب بأبي عائشة الدنماركي، وهو من «أهم الجهاديين، وقد مكث في لبنان ومن ثم مصر التي رفضت إعطاءه (ترخيص) إقامة بعد ثلاث سنوات، فذهب للقتال في ليبيا وترك عائلته هناك، ليتوجه إلى سوريا ويموت فيها في آذار الماضي».

لا يتبنّى كل السلفيين فكرتي الجهاد والتكفير، فهناك عدد كبير منهم ضد فكرة الجهاد، كما تم الإعلان عن فتاوى عدة تحرّم ذلك، مثل فتوى ياسر برهامي في مصر وغيرها من الفتاوى.

ويتحدث كاييه لـ«السفير» عن توزّع مجموعات سلفية منظمة في الدول الأوروبية، ومن بينها «الشريعة لبلجيكا»، و«الشريعة لبريطانيا»، و«الشريعة لهولندا»، وهي «مجموعات منظمة ومنتشرة ولديها علاقات واسعة، ترسل المجاهدين بسهولة إلى سوريا، عبر تركيا»، و«بعضهم من كان جهادياً سابقاً لديه علاقاته الخاصة مع تنظيمات مختلفة». أما في فرنسا، فهناك مجموعة «»فرسان العزة»، المتأثرة بمحمد مراح، الذي قتل عدداً من اليهود في فرنسا في العام 2012 باسم تنظيم «القاعدة». هذه المجموعة التي نشأت في العام 2010 في فرنسا، محظورة اليوم، لكن «لو لم يتم حظرها لكان سيكون نشاطها بمثابة نشاط الشريعة لبلجيكا».

وفي مقابل ذلك، يروي كاييه، كيف أن السلفي البلجيكي ايلياس زواج، وهو من السلفيين الذين هم ضد فكرة الجهاد والتكفير، ذهب في نيسان الماضي إلى سوريا «ليأتي بالشبان البلجيكيين ويمنعهم من الجهاد، حيث اتصل بوسائل الإعلام عند وصوله، لكن سرعان ما تم اختطافه على يد مجموعات إسلامية هناك وهو لا يزال مفقوداً حتى اليوم». في اليوم ذاته، في 16 نيسان العام 2013، تم القبض على عشرات العناصر من مجموعة «شريعة لبلجيكا».

ويلفت كاييه هنا إلى انه «لم يتم اتخاذ أي إجراءات بحق من عاد أدراجه إلى فرنسا، لأنه لا توجد أدلة على أنهم كانوا يقاتلون إلى جانب جماعات إرهابية، مثل جبهة النصرة، كتيبة المهاجرين وغيرها من المجموعات التكفيرية»، في وقت لا تجد فيه الحكومة الفرنسية «أي مشكلة في القتال مع الجيش السوري الحر». كما يستبعد أن يعود الجهاديون الأوروبيون إلى ديارهم في وقت لاحق. وعلى غرار ما قامت به بلجيكا، التي ألقت القبض مؤخراً على عشرات الشبان الذين ينتمون إلى «الشريعة لبلجيكا»، لافتاً إلى أن «وقع الصدمة على الدولة البلجيكية هو أكثر منه على الدولة الفرنسية، علماً أن عدد المجاهدين الفرنسيين في سوريا يفوق عدد البلجيكيين منهم، وفي فرنسا لا تزال تطرح تساؤلات فقط من دون اتخاذ أي إجراءات».

وعن أعمار المجاهدين الذي يتوجّهون إلى سوريا، يشير إلى أن «غالبيتهم شبان في العشرينيات، حتى أن بعضهم أقل من 17 عاماً، تأثروا عاطفياً بالمشاهد التي رأوها عن سوريا».

من جهته، يقول العضو في المجلس البلدي لمدينة انتويرب في بلجيكا التي ذهب شبان عديدون منها إلى سوريا هشام المزايغ، لـ«السفير»، إن «شباباً عديدين اعتنقوا الإسلام مؤخرا قبل الحرب في سوريا وبعضهم قبل الربيع العربي»، لافتا إلى دور المجموعات والجمعيات خصوصاً «الشريعة لبلجيكا، التي كانت ولا زالت ناشطة جدا في نشر الدعوة التكفيرية».

ويضيف المزايغ، المستشار لدى «حزب اليسار التقدمي»، إلى أن تلك المجموعة «تستخدم الحالات الاجتماعية التي يعيش فيها أبناء العرب، تلتقي بهم خارج المساجد، وهم يستهدفون كل الشباب، في كل مكان، في الأماكن العامة والحدائق.. سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين»، كما أن عملية تجنيد هؤلاء تكون غالباً «في صفوف الشباب العاطل والمهمّش اقتصادياً واجتماعياً من قبل المنطقة المتواجد بها. وقد امتدت عملية التجنيد لتصل إلى الشباب الغربيين الذين اعتنقوا الإسلام في السنوات الأخيرة».

ويشرح المزايغ انه تمّ إطلاق «نداء للجهاد في سوريا منذ العام الماضي، من على منابر مساجد في مدينة انتويرب، من طرف الشيخ السعودي العريفي، الذي ألقى محاضرة حول أحوال المسلمين في سوريا والذبح الذي تقوم به قوات النظام بحق الأخوة السنة، ما أعطى تبريراً للعديد من أبناء الجالية من اجل جمع التبرعات وحتى الاستعداد للجهاد».

ليست حماسة الجهاديين الأوروبيين جديدة، فهي كانت موجودة في حربي أفغانستان والعراق، لكن وسيلة الوصول إلى تلك الدول كانت صعبة آنذاك، بحسب كاييه، «أما اليوم، فالأمر أسهل بكثير، بعدما فتحت الحدود التركية أمامهم، خصوصاً أن أي مواطن من أي بلد في الاتحاد الأوروبي لا يحتاج إلى تأشيرة للدخول إلى تركيا، ومن اسطنبول يسافر إلى أنطاكيا ومن هناك يتوجّه بسهولة إلى سوريا، سيّما أن معظم المراكز الحدودية بيد المعارضة»، هذا من جهة ومن جهة ثانية، عدم قمع الدول الأوروبية لهم من جهة ثانية، إضافة إلى أن «فرنسا ليست حليفة لسوريا وهي مع إسقاط النظام، على عكس ما كان الوضع عليه، عندما ذهب عشرات المقاتلين الفرنسيين مثلاً إلى العراق وأفغانستان وحاكمتهم عند عودتهم. حينها، كانت فرنسا حليفة للولايات المتحدة، كما كانت القوات الفرنسية العسكرية متواجدة في أفغانستان».

في سوريا اليوم، هناك مجموعات سلفية «جهادية» في ساحة القتال بشكل عام، لكن أبرزها وأهمها، بحسب كاييه، هي «جبهة النصرة» التي انقسمت بعد رفضها الاندماج مع تنظيم «القاعدة»، ويلحظ انخفاض العمليات العسكرية لجبهة النصرة بعد ذلك، وهناك «الجبهة الإسلامية السورية» و«حركة أحرار الشام الإسلامية». ولا توجد مجموعة محددة وواحدة فقط يقاتل معها المجاهدون الأوروبيون، الذين بعضهم «يطمح إلى البقاء في أرض الشام مثل سائر الجهاديين من منطلق عقائدي وإيديولوجي».

*السفير

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 28-05-2013