في ذكرى نكبة فلسطين: فلسطين ليست برسم البيع في السوق السوداء - بقلم جمعة ناجي

خمسة وستون عاما عجافا، هوان جديد على هوان قديم في قرن السراب الأكبر، قرن الهزيمة الأمر مذاقا في كل عصور الانحطاط في تاريخنا العربي .
خمسة وستون عاما و«نظامنا» عربا وأعرابا يمينا أيسر ويسارا أيمن وما بينهما يخفقون ورغم ولاءاتهم في استجداء و«ولاتهم» لكبح «اسرائيل» عن زحفها الاستيطاني على متن خرافتها حتى باتت الضفة الغربية أرض الرسالات ومهد الديانات معنونة «بيهودا والسامرة» والقدس باتت «أورشليم» ! أما العرب هناك «فبقايا غزاة في أكنافهم».

خمسة وستون عاما ونظامنا العربي البائس يخفق وعبر مبادراته وحلفائه في الضغط على الكيان «الاسرائيلي» ولو بإعادة لاجئ واحد أو نازح واحد...أسير فلسطيني أو عربي واحد...يخفق في كبح «اسرائيل» عن مواصلة العدوان على دول شقيقة «منه واليه» ولو حفاظا على ماء الوجه برغم كل المصالح الأمريكية والغربية لديه بل يخفق حتى في الحفاظ على هويته السياسية فيتحول كرمانة تنفرط حباتها تباعا فتواصل «اسرائيل»مشروعها دون خسائر سيرا إلى محطة أخرى.

خمسة وستون عاما عجافا وجرح فلسطين لم يداو ولم يندمل بل ازداد قروحا على قروح...تنادي ولا مجيب، يمضي شعبها «في طريق دائري لا أمام ولا وراء ، لا شمال ولا جنوب، يرحلون من السياج إلى الحديقة يرفعون اشارة النصر الجريحة لا أمام ولا وراء «كما قال درويش».

خمسة وستون عاما وبعيدا عن دور الشعوب الشقيقة المقدر في نبضنا وذاكرتنا سقطت عبر تلك العقود كل الأوهام في مطالبة هذا النظام العربي «دولا ومحميات». بالحروب أو المقاومة ، بالوحدة أو معاهدات الدفاع المشترك، بل حتى عن المطالبة باحتفاظ الرسميات العربية في مكتبات قصورها بسيرة صلاح الدين وملاحمه البطولية في القدس، أو دواوين طوقان والشابي ونيرودا...«لا بأس ان عثروا يوما على روائي، أو شاعر يمجد ويتغنى بالسلام المشبوب مع «اسرائيل» فيزين بديوانة مكتباتهم الخاوية...ان عثروا».
خمسة وستون عاما كل ما نرجوه ان جاز لنا الرجاء ان لا تستمر «المبادرات العربية » بما يضع «اسرائيل» على مئة بالمئة من خارطة فلسطين التاريخية الكنعانية» بعد أن وضعوها حتى الآن على ثمانية وسعبين بالمئة ونيف من خارطة فلسطين التاريخية» حتى لا نترقب ناطقا باسمها يوما ليعلن بعد ضياع فلسطين على يديها «الملك للّه وحده»!

خمسة وستون عاما بين خذلان المقاومة على أرض فلسطين واستشهاد عبد القادر الحسيني، وخذلان الصمود الفلسطيني واستشهاد ياسر عرفات الذي ضنّ عليه اشقاؤه حتى بمكالمة هاتفية تغذّي صموده في حصاره الرهيب على يد الاحتلال وقبل أن يموت بحسرته شهيدا منسيا من أشقائه واذ نفحص المشهد العربي حينها نردد ما قاله الشاعر :
ناداهم الجلاد هل من شافع
لبزر جمهر فقال كل لا لا !

خمسة وستون عاما والقيد لم يزل في معصم فلسطين ودرب الحرية مسدود مسدود، فالأشقاء مازالوا حائرين ..يكبرون..يستنكرون حتى تسقط القضية والقدس أرضا... يؤسسون مصنعا لتعليب وتصدير المبادرات الفاسدة «يتركون الحصان حرا وحيدا» يهرعون للقناص طلبا للسلم والاعتذار عما لم يفعلوه...أشقاء منهمكون يد تبيع الاقتصاد والاستقلال في السوق السوداء، وأخرى تعلن فلسطين برسم البيع في نفس السوق.

خمسة وستون عاما «اهرام» من القرارات والتوصيات في متاحف الرسميات العربية وهيئاتها...«كثبان» من القرارات في ادراج الأمم المتحد ووكالاتها ومحاكمها، لكن ذلك كله لم يحم ولو يرقة واحدة استهدفتها الغزوة الصهيونية في مياه فلسطين وعلى أرضها...لم تردع «اسرائيل» عن استيطان ولو كرم واحد استهدفته على أرض فلسطين...لم تكبح ولو مستوطنا واحدا عن اشعال الحرائق في زيتون فلسطين رمز السلام على أرض السلام...ومن يدري ربما باشر بعض «الأشقاء» منذ اليوم لحجز تذاكر النزهة على القطار الهوائي «الاسرائيلي» قيد التشييد للإستمتاع بنسيم القدس المحتلة بين جبل الزيتون وحائط البراق..

خمسة وستون عاما والمواطن الفلسطيني يعاني من طبعة عربية لتعذيب الاحتلال له يحاصر بصور «أخوية» شتى، يدفع به إلى غرف التوقيف، تغلق دونه الدروب والأبواب اذ يسعى للعمل في دول شقيقة لتعزيز صمود أهله على أرض وطنه فيرفض ويدفع للعمل في المستوطنات بحثا عن رزق أطفاله بعد أن ضن عليه الأشقاء إلا من فتات قد يسد الرمق وقد لا يسد.
واذ يسافر، يسافر قلقا مهموما في مطارات وموانئ «بعض الاشقاء» فالفلسطيني لغز يجب فحصه وتفكيكه قبل السماح بوصوله أو مغادرته...يعامل في تأشيرته دون أدنى مراعاة لمعاناته أو الضنك الذي يعيشه وضيق ذات يده أو حاجته للسفر ضرورة لا ترفيها.
لم يكن مفهوما ولا مبررا أن يفرض بلد عربي شقيق «قوانين» تعسفية على الفلسطيني تكاد تماثل قوانين «اسرائيل» تجاه العمال العرب خلف الخط الأخضر الوافدين من الضفة الغربية...يموت الأب فيمنع ابنه من تملك بيته، يحظر على الفلسطيني مزاولة أكثر من سبعين مهنة...الطبيب المشهود له بالكفاءة والجدارة يعمل عبر وسيط كممرض وبالتهريب، مهن تزاول في السوق السوداء فلا حقوق ولا ضامن ولا أمان وكل ذلك بدعوى الحفاظ على حق العودة في الوقت الذي تدفع به هذه الاجراءات التعسفية للهجرة والسفر بعيدا والموت بعيدا عن الوطن وحواف الوطن وليس ترقب لحظة العودة، ان مواصلة تعذيب الفلسطيني لا تحتمل سوى تفسير وحيد هو السعي لتركيعه للقبول بأي حل سياسي على حساب حقوقه الوطنية الثابتة وغير القابلة للتصرف كي يتخلص من عذاب ذوي القربى.

خمسة وستون عاما «وعرب» النكبة هم «عرب» اليوم، وصهاينة الأمس هم صهاينة اليوم، فعصابات السفاحين من الأرغون وشتيرن والهاغاناه هي اليوم أحزاب كاديما والعمل والليكود، لا فرق بين البيت الأحمر في حيفا حيث غرفة عمليات القتلة ضد أطفال فلسطين وعجائز فلسطين في أربعينيات القرن الماضي وبين الكنيست أو مجلس المستوطنات أو «وزارة الدفاع» في القدس المحتلة، ولا فرق أيضا بين جامعة الأمس العربية وجامعة اليوم فبينهما تغوص فلسطين عميقا في رمال الاحتلال والاستيطان وفي ثناياها يغوص الأمن والسلم الدوليين...ومستقبل ومصالح وكرامة أمة.

خمسة وستون عاما من النكبات والتغريبات...من بؤس المشهد العربي وميوعة المشهد الدولي تجاه قضيتنا، كافية هذه العقود كي تسارع الحركة الوطنية الفلسطينية لتضمد جراحها وتخلع كل رداء ايديولوجي لحساب مشروعنا الوطني التحرري فتلتئم لمواجهة الاحتلال وانهاء تلك الصورة المخزية أمام العالم والتي اساءت لشعبنا ونضالنا وارثنا الوطني لقد حان الوقت كي تعيد هذه الحركة ترتيب أولوياتها فتنبري موحدة لمواجهة المشروع الصهيوني وأساطيره وروايته الخرافية وقطعانه....فلا يعقل ان تستعرض الفصائل الفلسطينية عضلاتها في القدس ابان الانتخابات ثم يتوارى عديدها أمام هجمات المستوطنين على الأقصى كما نشاهد هذه الأيام..

ان السهل العربي قابل للاشتعال أمام الصلف الصهيوني والاذلال الذي يمارسه العدو الصهيوني على الكرامات الوطنية للشعوب العربية وسيادة أقطارها، من السودان إلى لبنان إلى سوريا...إلى مشروعه في تحويل العديد من العواصم العربية إلى مستوطنات اقتصادية واستخباراتية.
ان القوة الأخلاقية العالمية لنصرة شعبنا الفلسطيني قائمة ومتعاظمة خارج دوائر النفوذ والهيمنة الدولية المتحيزة بلا حدود «لإسرائيل» وشعبنا صامد ومنغرس في تربة وطنه رغم كل المعاناة والمرارات بل ويزداد احتقانا جراء ممارسات العدو ضد أرضه وعاصمته ومياهه وثرواته ومصادر رزقه، واذا كان من المتعذر التنبؤ بالهبات الوطنية «كيفا» وزمانا...فان شعبنا هو شعب الثورات والهبات والانتفاضات وان خبت حينا وانعرجت حينا، فان كل أسباب الانتفاضة قائمة ما دام الاحتلال قائما وما دامت فلسطين هي عين الاعصار ومفتاح الأمن والسلم الدوليين حيث تكمن قوتها الروحية وقيمتها الدولية ووزنها العالمي... ان لحظة من العتمة لا يجب ان تعمينا، وفلسطين خالدة لشعبها وأمتها وليست برسم البيع في السوق السوداء.



بقلم جمعة ناجي ديبلوماسي سابق وكاتب فلسطيني

*

 

 

 

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 08-05-2013