تركوها للموت البطيء - بقلم نضال حمد

في رسالة وصلتني قبل ايام وعادت ووصلتني يوم امس الاثنين الموافق الثالث عشر من أيار - مايو الجاري، أي ونحن على أعتاب ذكرى النكبة الفلسطينية الكبرى. جاء في الرسالة التي انتشرت كالنار في الهشيم على صفحات موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، ان الأسيرة المحررة رانيا السقا من رام الله، موجودة في مدينة لوكا الايطالية العريقة بإقليم توسكانا، وأنها تركت لحالها وان السفارة الفلسطينية التي أحضرتها للعلاج هناك تركتها لمصيرها المجهول ومع أمراضها الحصيرة نتيجة إصابتها بجراح ومن ثم نتيجة خمس سنوات في سجون الاحتلال الصهيوني. صدقوني انا لغاية الآن لا اعرف ان كانت رانيا تتبع لفصيل فلسطيني معين ام لا. وهذا آخر ما يهمني لان رانيا هي الأهم كجريحة وكأسيرة وكمحررة فلسطينية مناضلة بحاجة لمساعدتنا. 

قالت رانيا السقا التي امضت من عمرها 5 سنوات خلف قضبان الأسر في سجون الاحتلال، واستشهد شقيقها وابن عمها خلال اسرها لموقع شاشة نيوز الذي اجرى معها مقابلة مسجلة بالفيديو: "كلو كذب!!هم وصلوني للمرحلة هذي.. لو بحسوا كان حياة الانسان مش رخيصة عندهم هالقد " .

تعاني من مرض عضال - السرطان- ومن الوباء الكبدي المعدي ومن وعود القادة والمسئولين والسفارة الفلسطينية. السرطان والوباء الكبدي أسهل عليها من كذب ودجل ونفاق القادة والمسؤولين. رايت دموعها وحرقتها اثناء الحديث المسجل وتحاملت على حزني وألمي ولم استطع إمساك دمعات فلتت من عيني حلال مشاهدة اللقاء والاستماع لمعاناتها. لقد تركوها ولم يسرعوا في علاجها حتى انتشرت الأوبئة والأمراض في جسدها النحيل الذي تحمل 5 سنوات من عذابات الزنازين والسجون لدى أعداء الأمة.

تقول السقا انها متأكدة 100% لو ان الرئيس عباس يعرف بقصتها لكان ساعدها ولم يصمت. وبنفس الوقت تتمنى العودة الى السجن لتموت هناك شهيدة وتكون بالقرب من رفيقاتها ورفاقها الأسرى. مع العلم انها تصر على رفض العلاج في مستشفيات الاحتلال الصهيوني وتقول انهم السبب في كل أمراضها..

بعد ورود الرسالة اتصلت بمؤسسات وطنية فلسطينية فاعلة في ايطاليا للسؤال عن الموضوع وأكدت لي إحدى المؤسسات أنها تتابع وضع الأسيرة المحررة رانيا السقا وأنها اتصلت بها وزارتها. وأنا أثق بهذه المؤسسة مع معرفتي بان طاقاتها وإمكانيتها المنادية محدودة لكن علاقاتها في ايطاليا كبيرة وواسعة وتاريخية وتستطيع مساعدة رانيا في محنتها.

قصة الأسيرة المحررة، الجريحة رانيا السقا ليست الأولى ولن تكون الأخيرة في مسيرة شعبنا وكفاحنا الوطني من اجل تحرير فلسطين كل فلسطين من نهرها الى بحرها ومن رفح حتى الناقورة. فسجل معاناة شعبنا وبالذات مناضليه ومناضلاته من الأسرى والجرحى وعائلات الشهداء مليء بالمآسي وبالفضائح التي ستبقى وصمة عار تقبح وجه المسئولين عن ذلك. يكاد لا يخلو بيت فلسطيني ولا عائلة فلسطينية من وجود شهيد أو جريح أو أسير أو محرر ولكل شخص من هؤلاء معاناته مع الذين من المفترض ان يحرصوا على كرامة وحياة وتضحيات الفدائي، وعلى تكريمه بما يليق بتكريم الأبطال من أبناء هذه الثورة وبنات هذا الشعب المعطاء، شعب فلسطين الذي قدم الغالي والنفيس لأجل استمرارية الثورة والكفاح الوطني ومن اجل تحرير الأرض والإنسان، ولأجل عودة فلسطين حرة عربية مستقلة وذات سيادة، دولة لعشاق الحرية والحياة والاستقلال الحقيقي. دولة لأبناء وبنات الشهداء والأسرى والجرحى والمحررين والمناضلين الذين افنوا سنوات العمر على درب الثورة والكفاح.

وفي هذا المجال أيضا لا بد لنا ان نكون أوفياء وان نحرص على تكريم أبطال ثورتنا من أبناء وبنات الأمة العربية من المحيط الى الخليج، الذين بدورهم قدموا حيواتهم ومستقبلهم و اعز ما يملك الإنسان من أجل حرية فلسطين، لأن الثورة الفلسطينية كانت بوابة كل المناضلين العرب والتقدميين والشرفاء في العالم لسلوك درب التحرير والكفاح. فاستشهد من هؤلاء الأبطال الكثيرين وجرح واسر المئات منهم ومنهن أثناء المشاركة الأساسية والفعلية في ثورتنا ونضالنا.  بعض هؤلاء انتهت بهم الحياة معزولين متروكين مهجورين منسيين لا احد يلتفت لمعاناتهم ومعاناتهن.

 أهكذا تكافئ الثورة أبطالها؟

وهل هكذا يكرم شعبنا الفلسطيني أبطاله العرب والأممين؟..

 بالتأكيد ليس شعبنا المسئول عن تصرفات القيادات التي فرضت عليه أو اغتصبت حق تمثيله وتتكلم باسمه وتساوم وتهادن وتقامر بحقوقه وتضحياته ونضاله الوطني وبمستقبله على أرض فلسطين وفي مخيمات الشتات وفي المنافي الممتدة الى ما وراء البحار والمحيطات.  فهذا الشعب هو نفسه أيضا فريسة لوحوش استأسدت في النيل من لحمه ومن جسده الجريح. وهذا الشعب الذي لا يتعب ولا يكل ولا يستسلم ويصنع المعجزات لوحده وفي ظل ظروف محلية وإقليمية ودولية صعبة جدا ومعقدة وليست في صالحه. مازال يقاوم ويناضل ويفتدي فلسطين بأعز ما يملك. لأنه بجسده العاري يذوذ عن القدس ومقدساتها، ويواجه قطعان المستوطنين يوميا بالصدور العارية وبالجباه العالية، ويدافع عن حقه بالبقاء على أرضه، ويستبسل في مواجهة حملة مصادرة أراضيه واستيطانها وتهويدها.

يحصل كل الذي يحصل في ظل عجز واستسلام سلطة "اوسلوستان" ، التي وافقت على المبادرة القطرية العربية بتبادل بعض أراضي فلسطين المحتلة مع الاحتلال الذي يريد السيطرة على كل فلسطين بالرغم من كل التنازلات التي قدمتها قيادة السلطة في رام الله وقيادة ما يسمى منظمة التحرير الفلسطينية. وبالرغم من الخدمات الضخمة التي تقدمها السلطة للاحتلال عبر استمرار التنسيق الأمني معه.

هذه السلطة ومن خلفها من يغتصبون منظمة التحرير الفلسطينية ويدعون تمثيل شعب فلسطين وينطقون باسمه ويعقدون اتفاقيات العار والاستسلام باسمه أصبحوا عبئا ثقيلا على كاهل أهلنا في الضفة الغربية. كما أصبحت السلطة الرديفة في غزة عبئا شبيها على كاهل أهل القطاع من أبناء شعب فلسطين. مع الأخذ بعين الاعتبار الفارق بين المشروعين في سلطتي غزة ورام الله. ففي غزة هناك سلطة مستقلة لحركة حماس بالرغم من أنها محاصرة من الاحتلال وقبلت بالأمر الواقع وبهدنة طويلة المدى مع المحتلين بدون الإعلان عنها رسميا. كما أنها لا تستطيع التنفس بدون الرئة المصرية، هذه التي تلوثت أكثر وأكثر مع مجيء حكم الإخوان المسلمين بعد إطاحة نظام العميل حسني مبارك.

في ظل وضع فلسطيني مقسم ومجزأ ومفتت وضعيف وهزيل لا يمكن أن نجد مؤسسات تتابع قضايا المناضلين والمناضلات الجرحى والأسرى والمحررين والمحررات والشهداء وعائلاتهم.  وحتى يتم التغيير في فلسطين ستبقى هذه القضايا عالقة وبدون حلول جذرية.

ما هو المتوفر الآن أمام هؤلاء؟

 اما البقاء على هذا الحال وفي هذا الوضع البائس او البحث عن منافي جديدة بعيدا عن الوطن، حيث يقدم هؤلاء اللجوء في بلاد الغرب الاستعماري التي قدمت فلسطين هدية مجانية للحركة الصهيونية الفاشية العنصرية الاستعمارية. فهذا الكيان الدخيل الصهيوني الدموي يحرس بنفس الوقت مصالح الغرب في شرق المتوسط.

وبعيدا عن العواطف فإن الأنظمة الاجتماعية الموجودة في معظم بلاد الغرب تقدم خدمات جيدة وكبيرة للحالات المذكورة، فأنا شخصيا عشت هذا الأمر بعد اضطراري للهجرة واللجوء رغما عني الى أوسلو البعيدة وكان ذلك قبل أن تصبح أوسلو مفردة فلسطينية وعربية وشيء يومي في حياتنا السياسية والاجتماعية الفلسطينية.

اعتذر من القراء عن الحديث عن تجربتي هذه لكنها مفيدة في سياق الموضوع الذي نتحدث عنه. فأنا جريح حرب منذ سنة 1982كنت قد أصبت أثناء الدفاع عن مخيمي صبرا وشاتيلا في بيروت يوم المجزرة الشهيرة منتصف شهر أيلول - سبتمبر 1982، بعد إصابتي أصبح راتبي الشهري كجريح من مؤسسة رعاية اسر الشهداء والجرحى والأسرى في منظمة التحرير الفلسطينية ما يعادل 20 دولارا أمريكيا ثم تطور بعد سنين طويلة وأصبح 100 دولار أمريكي لا تصلني منذ نحو 13 عاما.  .

عندما وصلت الى النرويج طالبا اللجوء الإنساني وليس السياسي وهناك فرق بين اللجوء الإنساني واللجوء السياسي في الحصانة والحماية والمستحقات والمعاملة وحتى نوعية جواز السفر المؤقت الذي يحصل عليه اللاجئ بعد قبول طلبه ومنحه الإقامة. فاللاجئ السياسي يحصل على امتيازات أكثر بكثير من اللاجئ الإنساني.

 سألني المحقق في دائرة الهجرة عن إصابتي فأخبرته بما قلته أعلاه. يبدو انه كان من النرويجيين المتفهمين لقضيتنا والمتعاطفين معنا.

 فقال لي : 20 دولارا فقط لا غير .. كيف كنت تعيش؟

أجبته مثل كثيرين من بنات وأبناء شعبي الجرحى والأسرى. وكنت بهذا الرد أدافع عن ثورتي ظالمة أو مظلومة.

 فقال لي المحقق النرويجي بنبرة فيها حزن وكانت صارمة: لا تيأس سوف تحصل على الإقامة في النرويج وبعد ذلك سوف تفتح لك أبواب الجنة.

وبعد ان حصلت على الإقامة عرفت ما هي الجنة التي تحدث عنها المحقق النرويجي الذي لم التق به أبدا بعد تلك المقابلة. فقد تم التعامل معي كما التعامل مع أي جندي نرويجي أصيب في الحرب أو أثناء العمل والخدمة. واصبح من حقي كل عامين ان احصل على طرف صناعي جديد أي ساق بلاستيكية جديدة عملا بقوانين البلد. وصار عندي بيت وسيارة وتقاعد دائم وراتب شهري مدى العمر. وحصلت على لم شمل لزوجتي وطفلي. ومنحت الجنسية النرويجية.

 وكل هذه الامتيازات غيرت كثيرا في حياتي وأراحتني وأراحت قليلا عائلتي في مخيمي عين الحلوة. ولكنها لم تبدل في نفسي اي شيء سياسي فيما يخص قضية فلسطين والصراع مع العدو الصهيوني بل زادتني متانة وصلابة. فدخلت المعترك السياسي النرويجي ضمن الأحزاب والمؤسسات وافتتحت موقع الصفصاف، أول موقع الكتروني إخباري عربي ثقافي سياسي إعلامي من قلب أوسلو وضد اتفاقيات أوسلو ومع حق الشعب الفلسطيني بالمقاومة والعودة التي تعني تحرير فلسطين وعودة شعبنا الى كل فلسطين.

لم اسرد هذه القصة كي أشجع الأخت رانيا أو غيرها على اللجوء الى النرويج أو الغرب عموما، فبقاء هؤلاء في فلسطين وعلى أرضها خير من رحيلهم الى أية بقعة في المعمورة. لأن الصهاينة يتمنون رحيل الشعب الفلسطيني كله من فلسطين المحتلة ومن مخيمات الشتات الى الغرب كي تصبح فلسطين خالية من سكانها ويهودية كما يريدونها.وكي يبتعد اللاجئون عن حدود فلسطين.

وفي هذه المناسبة أقول أن الذين يحتلون مخيمات شعبنا في سورية ويحاصرونها أو الذين يقصفونها ويشردون سكانها يقدمون للصهاينة خدمة جليلة انتظروها 65 عاما على أحر من الجمر. وهذا ينطبق أيضا على الذين يحاصرون مخيمات الفلسطينيين في لبنان ويضيقون الحياة على اللاجئين الفلسطينيين هناك عبر قوانين عنصرية واضحة. وكذلك على الذين هجروا الفلسطينيين وشردوهم عن مساكنهم في العراق والكويت وبلدان عربية أخرى.

ان قضية الأسيرة المحررة الجريحة رانيا السقا يجب أن تكون أولا وأخيرا قضية للجاليات والمؤسسات والمراكز والتجمعات والجمعيات واللجان والاتحادات والفعاليات الفلسطينية في أوروبا. وعلى هؤلاء تبني هذه القضية وعدم الانتظار والتريث أو الإهمال لان السفارات والممثليات والمكاتب الفلسطينية في أوروبا لن تقدم لها شيئا. فهذه السفارات ليست لتمثيل الشعب الفلسطيني وإبراز قضيته ومعاناته بل هي شكلية ومهامها تنحصر في تقديم سياسة السلطة والسلام التي دمرت القضية الفلسطينية وهدمت الكيان الوطني للشعب الفلسطيني منظمة التحرير الفلسطينية التي بناها شعبنا بالدماء والتضحيات والكفاح الطويل.

 

شاهدوا المقابلة المصورة بالفيديو

http://www.youtube.com/watch?v=RMdbE_yTt5U&feature=player_embedded#!

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 14-05-2013