حين عبروا الجسر - مالك ونوس

 
الذين خافوا أن يدقوا جدران الخزان طيلة خمسين عاماً.. عبروا الجسر أخيراً. خرجوا من الخزان، لم يدقوا جدرانه.. كسروها وكسروا خوفهم. وانطلقوا فوق جسرٍ سيقودهم إلى غد شموسه تصنعها حناجرهم والقبضات. فمن فتحة صغيرة من الصندوق الذي أُغلِقَ عليهم لنصف قرن لاحت لهم أنوارٌ حسبوا أنها قد انطفأت، وحسبوا أن صندوقهم هو حياتهم ولا جسر يأخذهم بعيداً عن عتمته. لكن الجسر الوفي كان صادقاً إذ حملهم بعيداً عن العتمة.. هو الذي كان بئراً لأسرارهم وقصصهم وزفراتهم يتجمعون على جنباته يبثون له ما في قلوبهم من عشق ولوعة وعلى مسامعه تنزل كلمات الحب فيقوى بها ويثبت رجليه في الأرض أكثر، فيعدهم بانتظارهم عصر الغد ليستمع إلى القصة من جديد، لا يملها طالما بين سطورها عبرات جديدة وآهات ووعود.

أجمل ما سمّي به جسر دير الزور المعلّق هو "جسر العشاق". أفي بيئة يخالها الكثيرون تخاف كلام الحب عشاقٌ يتجمعون على الجسر أو ينتظرون أو يعودون خائبين يحرقهم لظى الشوق؟ ولطالما عشق الديريون الجسور لكن هذا كان عاشقهم لما ألهبوه من عشقهم فعاهدهم أن يبقى بينهم فلا يشيخ ولا تهن أرجله أو ينتحر في مياه الفرات التي تمرّ من تحته. فرغم أنه أنشئ منذ الثلاثينات (انجز بناؤه العام 1931) إلا أنه بقي منتصباً يلهم شعراء المدينة أبيات تتجمل بجماله، والرسامين لوحات تُبهى بأنواره، ويشغلُ ليالي المدينة بحكاياته وحكايات ناسه. ولإعطائه مزيداً من الرمزية عبره المتظاهرون منذ بداية الحراك في سوريا. وهو قاهر لا يعرف جبروته إلا من فرقت المياه بينه وبين أحبته على الضفة الأخرى. فبطوله الذي يقارب الخمسمئة متر كان يصل بين الضفتين اللتين تسميان بالدارجة "الشامية والجزيرة".

وقد شُرِعَ في بناء الجسر الفريد من نوعه في سورية والمنطقة عام 1925، حين أراد المحتلون الفرنسيون تسهيل نقل معداتهم العسكرية وتسريعه. فقرروا تركيب نسخة مما لديهم في جنوب بلادهم في مدينة دير الزور. وقاموا بتأسيسه بقواعد حجرية ضخمة أقاموا عليها أعمدة الجسر الأربعة التي تعتبر بمثابة أبراج تبلغ من الارتفاع 36 متراً تحمل أسلاكاً فولاذية تحمل بدورها الجسم الذي يبلغ عرضه أربعة أمتار. وخصص في الثمانينات للمشاة فقط للمحافظة عليه. ومع تدميره، الذي يتبادل طرفا الصراع المسؤولية عنه، تكون الجسور قد انضمت رسمياً إلى الأسواق الأثرية والمآذن والجوامع والآثار القديمة والكثير من مقومات التراث السوري التي أصبحت جميعها ضحايا أخرى للحرب في سورية.

بكى أهالي دير الزور في تسعينيات القرن الماضي الجسر المسمّى بـ "الجسر العتيق" الذي بُنيَ عام 1897 والذي انهار جراء توسعة مجرى النهر. لكن يبدو أنه قد كتب على أهل هذه المدينة بكاء جسورها. وأي دموع يمكن أن تشفي من ألم فراق جسر قتله الأخوة؟ بكى أهل الدير ذكرياتهم وبكوا رمزاً كان من مفاخر مدينتهم. وبانكساره أحرق قلوباً اجتمعت على جوانبه. لم يخن الجسرُ أصحابه.. ولم يخنه أصحابه، خانه من غار منه لكثرة ما سمع من قصص العشق ولم يَبُحْ.. خانه من لم يعرف عشقاً أو حباً أو آهةً.. من لا تعرف رأسه الذكريات.

حين اندحر الفرنسيون وغادروا البلاد أرادوا نسف الجسر كي لا يستفد منه من يأتي بعدهم، لكن رجلاً من أهالي المدينة ويدعى "محمد علي" أطفأ فتيل التفجير فبقي الجسر صامداً. ومن الصدف الغريبة أن من بنى الجسر، بناه كي يزيد من بسط سيطرته على البلاد فهل يكتب على من هدم الجسر التخفيف من سيطرته على البلاد أو فقدانها؟
 

***

 

خاطرة من أجمل ما قيل في دمشق

اتيت جلق مجتازا على عج فاعجبتني حتى اخترتها وطنا
لا يبرح الحسن يوما عن مرابعه كأنما الحسن من قدم بها افتتنا
عجبت ممن اتاها كيف يبرحها فهل يرى في سواها عن دمشق غنى
يكاد ينسى غريب الدار موطنه في ربعها ويعاف الأهل والسكنا

ان سامك الخطب المهول فأقلقا انزل بارض الشام وانزل جلقا
تجد المرام بها وكل مناك بل وترى بها عزا وتفصح منطقا
بلد سمت بين البلاد محاسنا ونمت بهاء واستزادت رونقا
لا ينبغي حث الركاب لغيرها هام الفؤاد بحسنها فتعلقا
هي صفوة الدنيا وشائع فضلها بالقدس والحرمين أضحى معلقا
هي جنة للطائعين معدة يتمتعون ولا يرون بها شقا


الشيخ عبد الغني النابلسي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 15-05-2013