التغريبة الفلسطينية مستمرة - المستشار رشيد موعد

في الخامس عشر من أيار عام 1948 حدثت كبرى جرائم العصر، حين أقدمت عصابات الهاغانا والأرغون وشتيرن، وهي من شتات يهود العالم المهاجرين إلى فلسطين، بالاستيلاء على ممتلكات مليون نسمة من العرب الفلسطينيين الذين طردوا من ديارهم وأراضيهم قسراً وبمؤامرة وتواطؤ.

جرى ذلك أمام سمع وبصر العالم المتحضر والمنظمات الدولية، وفي ظل هزيمة فادحة مُنيت بها الجيوش العربية السبعة التي دخلت الحرب الكارثية آنذاك تحت اسم «نصرة فلسطين» بقياة الجنرال البريطاني «كلوب باشا»، بعد صدور القرار رقم 273 تاريخ 11/5/1949 الذي قُبل بموجبه الكيان الصهيوني عضواً في الأمم المتحدة...

وقف دافيد بن غوريون أول رئيس لهذا الكيان مخاطباً تلك العصابات التي تكوَّن منها فيما بعد ما يسمى «جيش الكيان الاسرائيلي» قائلاً: «أهنئكم على قيام دولتكم، لكن أحب أن أقول لكم.. إن انتصاركم هذا لم يأت من قوتكم ... إنما من ضعف عدوكم».

وفي قول آخر لأحد قادة الصهاينة في هذه المناسبة: «إننا لم نهزم العرب في جميع حروبنا...إنما هزمنا جيوشهم التي انسحبت من الحرب بقرار»، وكان سبقهم في ذلك مؤسس الحركة الصهيونية «تيودور هرتزل» عام 1897 في أول مؤتمر صهيوني في بال- سويسرا- إذ وقف معلناً... «لقد بدأنا بوضع اللبنة الأولى لبناء الدولة اليهودية... وإذا قُدّر لنا وأخذنا القدس... فسوف أمحو وأزيل كل أثر لايمت إلى اليهودية بصلة».

كلام عنصري جاء قبل قرن ونيف من الزمن، وتتم ترجمته الآن على أرض الواقع بعد أن تحقق له ماكان يخطط له، تهويد القدس.. وتغيير معالمها.. بناء المستوطنات.. والسعي لطرد أهلها الأصليين.. كل ذلك ينبىء بما قاله هرتزل ... «محو كل أثر لايمت لليهود بصلة»، ما يحدث في فلسطين منذ خمسة وستين عاماً برهان قاطع على أن البشرية كلها تغوص في مستنقع اللاشرعية التي تهدد الوجود البشري برمته.

في 2 تشرين الثاني 1917 أعلن وزير خارجية بريطانيا آنذاك اللورد آرثر بلفور في كتاب وجههه إلى الزعيم الصهيوني «روتشيلد»:
«إن الحكومة البريطانية تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين» وعندما أعلنت الحكومة البريطانية تصريح بلفور هذا لم يكن لها أي سيادة أو حق آخر على فلسطين يُخوّلها أن تعترف بأي حق لصالح اليهود في تلك البلاد.

وكما أوضح الصحفي الانكليزي «مايكل آدمز» في صحيفة الغارديان البريطانية بتاريخ 3/11/1967: «إن وعد بلفور لم يكن له سند في أحكام القانون الدولي أو أساس.. وقد جاء متعارضاً مع الوعد السابق المعطى للعرب بحسب وثيقة «الشريف حسين ماكمهان» بعد دخولهم الحرب إلى جانب الحلفاء بأن يمنحوا الاستقلال والسيادة على أراضيهم بعد الحرب.. بل إنه ليس ثمة سبيل للوفاء به إلا على حساب العرب..».

وفي هذا التعارض يكمن «جوهر المشكلة الفلسطينية» ففي اليوم الذي وقّع بلفور تصريحه كان اليهود لايؤلفون سوى 8٪ من سكان فلسطين، وبذلك يكون تصريح بلفور الذي بُني عليه قيام الكيان الصهيوني مشوباً بالبطلان المطلق من الناحية القانونية، ولايستند إلى أي أساس مشروع في القانون الدولي.. وتعليل ذلك البطلان أن فلسطين وضعت في عام 1922 تحت الانتداب البريطاني بقصد تنفيذ أحكام المادة 22 من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص على أن «رفاهية وتقدم شعوب الأقاليم الموضوعة تحت الانتداب أمانة مقدسة في عنق الحضارة.. وأن وجود شعب فلسطين كأمة مستقلة اعْتُرف به مؤقتاً إلى أن يحين الزمن الذي تصبح فيه البلاد قادرة على الوقوف على قدميها».

كما أن القرار رقم 181 الصادر بتاريخ 29/10/1947 عن الأمم المتحدة المتضمن تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية هو أيضاً ليست له صفة شرعية، فهذا القرار لا يتفق مع العدالة ومبادىء الديمقراطية المصدرين الأساسيين لمصادر القانون الدولي، لأن تقسيم فلسطين أمر يعود تقريره إلى رغبة السكان العرب، وهم الأكثرية الساحقة، كما أن الأمم المتحدة غير مختصة أصلاً من الناحية القانونية في التوصية بتقسيم وطن توارثه سكانه العرب جيلاً بعد جيل على مدى آلاف السنين بينهم وبين قوم دخلاء جاؤوا من الشتات بوسائل غير مشروعة للهجرة إلى فلسطين.

لقد استولت العصابات الصهيونية بعد نكبة 15/5/1948 (الذكرى التي نحن بصددها) على ممتلكات العرب الفلسطينيين المنقول منها وغير المنقول، ويعد هذا التصرف أكبر سرقة جماعية حدثت في التاريخ، وحتى يخفي الصهاينة آنذاك معالم هذا العمل الإجرامي أطلقوا عليه تسمية «استيعاب الأملاك المتروكة من العرب».

إن قضية فلسطين منذ عام 1917 وإلى هذه الأيام تشير إلى كم هائل من التنكر الغربي والصهيوني للقانون الدولي والعدالة، ابتداءً من تصريح بلفور إلى فرض الهجرة اليهودية، إلى مشروع التقسيم، إلى قيام الكيان الصهيوني واغتصابه لمساحة 80٪ من مجمل الأراضي البالغة 900, 27 ألف كم2 وهي مساحة كامل فلسطين وسرقة أموالهم دون أية مراعاة لحقوق الإنسان.
وفي ظل هذه الوقائع لن يستقر سلام في المنطقة ما لم تصحح تلك الأخطاء التاريخية التي اقترفها العالم بحق فلسطين وشعبها حين اعترف بالكيان الصهيوني كدولة.

ولا يكون هذا التصحيح إلا على أساس مبادىء القانون الدولي والعدالة، وتطبيق قرارات الأمم المتحدة المتضمنة عودة اللاجئين وتعويضهم، لأن القانون الدولي يغيب حين تحضر القضية الفلسطينية ويحضر هذا القانون حينما تغيب تلك القضية.

*قاضي محكمة الجنايات السورية سابقاً
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 18-05-2013