ألمانيا تحيي الذكرى الثمانين لقيام النازيين بحرق آلاف الكتب
 

أحيت ألمانيا، الجمعة الماضي، الذكرى الثمانين لإحراق كتب لأدباء ومفكرين ألمان على يد النازيين، ونظمت مجموعة من الأنشطة الثقافية للرجوع لهذا الحادث والوقوف على أهم محطاته.

وقال رئيس البرلمان الألماني، نوربرت لامرت، الذي حضر الاحتفال في جامعة "هومبولت" في العاصمة برلين، إن ألمانيا لم تعد بعد إلى السمعة الفكرية الدولية التي كانت تتمتع بها قبل وصول النازيين للحكم، مشيرا إلى أنهم أحدثوا "قطيعة مع الحضارة".

واستشهد لامرت بقول الكاتب النمساوي اليهودي جوزيف روث الذي قال قبل أن يتولى النازيون الحكم: "إنهم سيحرقون كتبنا وكل ما يعنينا".

النيران التهمت 20 ألف كتاب

شهدت مدينة برلين الألمانية قبل 80 عاما واحدة من أكبر عمليات حرق الكتب خلال حقبة النازية، ففي مساء العاشر من أيار/مايو 1933، تجمع حوالي 70 ألف شخص في أحد ميادين برلين، وقامت مجموعة من الطلبة بنقل أكثر من 20 ألف كتاب لتحرق أمام عيون الجميع.

وقد شملت أحداث الحرق أيضا أكثر من 20 مدينة ألمانية، حيث امتدت إلى أعمال عدد من الكتاب الألمانيين المعروفين، الذين صنفتهم السلطة في ذلك الوقت على أنهم "ليسوا ألمانا".

ومن بين الكتب التي أحرقت مجموعة من أعمال كتاب ألمان مشهورين أمثال هينريش مان، وإريش ماريا ريماركيه، ويواخيم رينجلناتس، وكارل ماركس، وسيغموند فرويد، وبريتولت بريشت، وكلاوس مان، وليون فويتشفاغنر، وكورت توخلوسكي.

وقد ألقى زعيم الطلاب النازي البالغ من العمر وقتها 23 عاما، في برلين، خطابا مليئا بالكراهية قبل أن يبدأ بنفسه إلقاء أول مجموعة من الكتب في النيران المشتعلة وهو يقول: "ها أنا ألقي في النار كل ما هو غير ألماني. ما نفعله هو التصدي للروح غير الألمانية".

حرق الأفكار والروح "غير الألمانية"

لم تكن واقعة حرق الكتب في برلين هي الوحيدة من نوعها، ففي الليلة نفسها قام الطلبة في جميع المدن الألمانية التي بها جامعات، بحرق أعمال الأدباء الذين لا تتوافق أعمالهم مع أيديولوجيات هؤلاء الطلبة. وقبل عملية الحرق بأسابيع قام الطلبة بتجميع أعمال الكتاب والصحفيين من المكتبات العامة ومكتبات الجامعات، مبررين ذلك بأن هذه الكتب تحتوي على أفكار "غير ألمانية"، ما يجعل من كُتابها أعداء للنازية، واختار الطلبة أعمالا لكتاب اشتراكيين، ودعاة للسلام، ويهود.

ولم يستطع أي طرف وقف عمليات سحب الطلبة للكتب من المكتبات، فموظفو المكتبات ومعظم أساتذة الجامعات تركوا الأمر يمر أمام أعينهم دون اعتراض، حتى وإن كانوا ضد فكرة حرق الكتب.

استطاع الزعيم النازي أدولف هتلر أن يحتفظ لنفسه بالسلطة المطلقة بعد وصول النازيين للحكم مطلع عام 1933، ليبدأ بعدها رحلة السيطرة على العقول. ووجدت رابطة الطلاب الحل لهذا الأمر في نيسان/أبريل 1933، إذ خلصت إلى أن النازيين سيطروا على الدولة لكنهم لم يفعلوا الأمر نفسه مع الجامعات، ليبدأ رفع شعار "حركة ضد الروح غير الألمانية"، والتي وصلت ذروتها بحرق الكتب في العاشر من أيار/مايو. ولم تشارك القيادة النازية وقتها في هذه الفكرة التي تولى الطلبة التخطيط لها وتنفيذها.

كاتب يشهد حرق أعماله

تم نقل وقائع عملية حرق الكتب في برلين عبر الراديو، لتصل الفكرة إلى جميع الألمان في بيوتهم. وأطلق الطلبة الذين كان يرتدي معظمهم الزي الموحد لوحدات تابعة للحزب النازي، عبارات نارية قبل إلقاء كل مجموعة من الكتب في النار مثل: "ألق أعمال هاينريش مان، وإرنست جليسر، واريش كستنر في النيران من أجل الدولة والعائلة والتقاليد والعادات"، أو "معا ضد السقوط الأخلاقي".

وشهد كاتب قصص الأطفال الألماني الشهير إريش كستنر، شخصيا، عملية حرق الكتب في برلين. وسجل الكاتب الذي وصل لشهرة عالمية من خلال قصص الأطفال، ذكرياته عن هذا اليوم، فكتب: "كنت أقف أمام الجامعة بين طلبة يرتدون زي وحدة إس إيه، ويرفعون الأعلام، ورأيت النيران وهي تلتهم كتبنا".

"أينما تحرق الكتب، فسينتهي الأمر بحرق البشر أيضا"

عند منتصف الليل تقريبا، وصل جوزيف جوبيلز، وزير الدعاية النازي، والذي كان يقوم أيضا بتدريس علوم اللغة الألمانية، ليلقي كلمة سمعها من حضروا واقعة حرق الكتب، بالإضافة إلى مستمعي الراديو في المنازل.

ومن بين العبارات التي قالها جوبيلز في خطابه: "تنتهي الآن حقبة الفكر اليهودي الصارخ، فها هي الثورة الألمانية تفتح الطريق من جديد".

ورغم عبارات الحماس، إلا أن جوبيلز وهتلر أيضا كانا يشعران بالقلق من هذه الحركة التي قام الطلبة بتنظيم كافة تفاصيلها وحدهم، إذ خشيا أن يخرج هؤلاء عن سيطرة الحركة النازية في وقت ما، وربما كان هذا هو السبب وراء محاولات هتلر لاحقا إبعاد أنصاره قدر الإمكان عن التصرفات الهوجاء.

أثارت عملية حرق الكتب وقتها حالة من الاستياء والذهول، رصدتها الصحافة العالمية، إذ وصفت مجلة "نيوزويك" الأمريكية هذه العملية بأنها "هولكوست للكتب".

المفارقة أن الشاعر الألماني الشهير، هاينريش هاينه، والذي تعرضت أعماله للحرق أيضا، كان قد كتب جملة معبرة في عام 1812 وهي :"أينما تحرق الكتب، فسينتهي الأمر بحرق البشر أيضا". وصدقت عبارة هاينه بشكل كبير، فبعد أعوام قليلة من عملية حرق الكتب بدأت المحارق النازية والمعروفة بـ "الهولوكوست".

أدباء ملاحقون.. رقابة صارمة

وشهدت ألمانيا في عام 1933 حالة من التجريف الفكري غير المسبوق، إذ تحولت الدولة التي كانت توصف بين الدول بأنها بلد الشعراء والمفكرين، لمكان يجبر أصحاب المواهب على الهجرة. فالكثير من الكتاب أمثال توماس مان، وإريش ماريا ريماركيه، وليون فويشتفاجنر، وغيرهم، فضلوا الرحيل عن ألمانيا النازية. وأخذ بعض الكتاب في التصدي للنازية من الخارج مثل توماس مان، والذي تحدث للألمان عبر أثير إذاعة الـ "بي. بي. سي" قائلا: "التحذير هو الفعل الوحيد الذي يمكن لألماني مثلي أن يقدمه لكم اليوم".

أما من اختاروا البقاء في ألمانيا أمثال إريش كستنر، فتم منع أعمالهم من النشر، إذ شهد عام 1934 وحده فرض الرقابة الصارمة على أكثر من ثلاثة آلاف كتاب.

أما غالبية الألمان، ورجال الفكر، وأساتذة الجامعات، فلم يصدر منهم أي اعتراض على هذه الرقابة المفروضة على الكتب، بل إن بعضهم رحب بالأمر.

 

تاريخ النشر: 12/5/2013 - آخر تحديث: 19-5-2013
 

 

 

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 19-05-2013