"التعري" لأجل القضية، صرعة أم أسلوب نضال؟

يشدد د. أسعد أبو خليل* المعروف بمناصرته لقضايا النساء في معرض رده على سؤال لـ "سلاب نيوز" أنه: "مع حق الناس في إرتداء أو عدم إرتداء ما يريدون أو يردن. لكن إستيراد وسائل الإحتجاج من أكثريّة (أو أقليّة كما في هذه الحالة) من الغرب لا يروق لي، ولو كان في حمل الشموع أو في الرقص الهارلمي. يجب ان يكون الإحتجاج نابعاً من ثقافة ومزاج الناس، أي محليّاً. أما حق التعرّي فله علاقة بوضع المرأة" ويتساءل أبوخليل: "لماذا يكون تغطيّة أو تعرية المرأة شاغلاً للناس؟ والظاهرة صغيرة جداً في الغرب، وتقترب من الصرعة. لماذا نستوردها؟ ما الهدف؟ لا أعرف صراحة. أما إذا أرادت إمرأة ما أن تتعرّى فهذا لا يزعجني، ولا يزعجني حجاب المرأة إذا كان القرار في الحالتين ذاتيّاً. لكن ماذا سيقدّم أو يؤخر تعرّي المرأة؟ لو تعرت كل نساء فلسطين، هل سيؤثّر ذلك على الإحتلال مثلاً؟".

إذاً، ما هي هذه الظاهرة على "صغر" حجمها وكثرة تسليط الضوء عليها؟ ولماذا في الوقت الذي يشهد فيه عالمنا وعياً حقوقياً واضحاً، تساهم فيه عوامل عدة، ومنها، الإنفتاح وثورة الإتصالات المتمثلة بمواقع التواصل الإجتماعي التي تمتاز بمساحة من الحرية، إثيرت في الآونة الأخيرة بقوة قضية الإحتجاج بالتعري؟

الظاهرة قديمة كما يُروى، وتعود للقرن الثالث عشر مع إسطورة "الليدي غوديفا"، التي تقول "الأسطورة" أنها من أوائل من لجئن للتعري كوسيلة إحتجاج وذلك في حقبة حكم زوجها "الأمير ليوفريك" حاكم مقاطعة كوفتري في إنجلترا، والذي عرف بإستبداده وفرضه الضرائب الجائرة، حيث ناشدته زوجته الرحمة بشعبه فإشترط تلبية طلبها مقابل أن تتجرد من ملابسها وتطوف شوارع المدينة عارية ففعلت، وفي العودة إلى جذور التعري يحدث علماء الإناسة "الإنتروبولجيا" عن أن البشر عاشوا عراة، ثم غطوا أجسادهم وقاية من البرد والحرارة، والتعري لغوياً يعني عدم إرتداء الملابس وفضح الأجزاء الحميمة من الجسد، أما في الأديان فيقال أن "البشر" غطوا الأعضاء الحميمة "حياءً"، وفي حين نجد رسومات لحواء وآدم في عصر اليهودية والمسيحية "عاريين"، حافظ الفن على إظهار صورة "مريم" المحتشمة مع غطاء للرأس، أما في اليهودية ديناً فالتعري يعني العيب والفضيحة (سفر حزقايل)، وفي العهد الجديد، تكررت وصايا يسوع المسيح بالإحتشام والتستر، فيما دعا الإسلام بوضوح إلى الإحتشام، محدداً شروطه لكل من الرجل والمرأة.

هذا ووجد في التاريخ "معسكر عراة" يقول أصحابه عن تعريهم بأنه "عودة إلى الطبيعة"، إضافة إلى تعري الأفراد لأسباب منها "فني" وتذرع أصحابها بفلسفات قديمة تقول بأن "الجسد لوحة فنية".
مجدداً عادت قضية التعري إلى الضوء، محدثة جدلاً ونقاشاً بين مؤيد ورافض، خاصة مع ظهور مجموعة نسوية أوكرانية اعتمدت "التعري"، كوسيلة إحتجاج للفت نظر الصحافة والإعلام والرأي العام.

"فيمن" وإشتقاقها اللغوي يعني "المرأة"، هي مجموعة نسوية تأسست في أوكرانيا العام 2008، يبلغ عدد ناشطاتها ما يفوق ال 700 فتاة، مؤسستها "آنا غوستول" 29 عاماً، "فيمن" كما تقول مؤسستها أتت ضد هدر حق المرأة في أوكرانيا، ولأن أوكرانيا تفتقد إلى الناشطات السياسيات والإجتماعيات والحكومة لا تضم في صفوفها نساء، كما جاءت تنديداً بالدعارة، السياحة الجنسية، والتحرش الجنسي، وبهدف إدانة الشعور بالتفوق الذكوري، أما في ما يتعلق بطريقة الإحتجاج فقد اعتبرت غوستول بأنها طريقة لافتة تثير الجدل إنطلاقاً من تجربة إختبرتها الجمعية عقب نشر صورة فتاة عارية في مجلة أوكرانية معروفة أدت إلى خلق بلبلة واسعة ساهمت في إيصال مطالب المجموعة.

المجتمع العربي الذي يعد من المجتمعات المحافظة المتدينة بالأغلب شهد إنخراط فتاتين عربيتين في الحراك الإحتجاجي عبر التعري، بداية مع المصرية علياء المهدي التي تعرت في العاصمة السويدية إستكهولم، إعتراضاً على أسلمة الدستور المصري في عهد محمد مرسي كما أعلنت، وذلك في ديسمبر الـ 2012، ثم إنضمت إليها التونسية أمينة تبلر(19 عاماً)، ونشرت صورها عارية على مواقع التواصل الإجتماعي، بمناسبة عيد الإستقلال في تونس، إحتجاجاً على أوضاع المرأة بعد الثورة،يشار إلى أن أمينة كشفت أنها فرت من منزل والديها بعد تعرضها للضرب والتعذيب، وإجبرت على الخضوع إلى فحص كشف العذرية ووصفت الفحص بالتجربة الفظيعة ضد حريتها، وأكدت على مواصلتها الكفاح من أجل حقوق النساء ومن اللافت أنها أدانت إحراق رايات إسلامية من قبل ناشطات في باريس، بالمقابل إدعت والدتها أن أمينة تخضع لعلاج نفسي منذ 6 سنوات، فساندتها المخرجة التونسية "نادية الفاني" مخرجة فيلم "لا الله يا سيدي"، كما تعاطفت ناشطات فيمن مع حرية أمينة فقمن بنشر صورهن عاريات الصدور وكتبنا عبارة "حرروا أمينة"، وحاولت 3 ناشطات عاريات الصدور مقاطعة مؤتمر صحافي للرئيس التونسي المرزوقي في باريس في 12 نيسان الماضي وصحن "أطلقوا سراح أمينة".

قضية أمينة أحدثت جدلاً في المجتمع التونسي، إذ أن القانون التونسي يجرّم التعري ويعتبره نيلاً من الآداب العامة وعقوبته 6 أشهر، ووزيرة شؤون المرأة والأسرة في الحكومة التونسية الحالية الدكتورة سهام بادي أكدت منع "فيمن" من العمل القانوني في تونس، والملحق الصحافي لديها ماهر سويلم صرّح بأنه لا إشكالية في حرية تعبير في العالم الإفتراضي إلا انه من اللازم تطبيق القوانين في أي مظاهرة أو إحتجاج، بدورها رئيسة جمعية تونسيات وجدت بأن ظهور التونسيات عاريات يعكس أزماتهن النفسية، وإعتبرت أن المشاكل لا تحل بالعنف بل بالحوار والنقاش، مشيرة إلى أن ما حصل تجاوز الحريات وعزت الأمر إلى إرهاصات الثورة، ونبهت إلى محاولة ربط القضية بالصراع الأديولوجي بين الإسلاميين والعلمانيين في تونس، ومؤسسة جمعية تونسيات رأت في طريقة إحتجاج أمينة إساءة إلى المرأة التونسية وصنفته على أنه حالة شاذة، كما استنكرت رئيسة جمعية "نساء تونسيات" فعل أمينة وإعتبرته صورة مشوهة للمرأة في تونس، وكان لجمعية "الأمر بالمعروف والنهي عن النكر" رأي متشدد عبر عنه عادل العلمي، الذي دعا إلى جلد أمينة مئة جلدة وعرضها على طبيب نفسي، كما رفعت دعوى تقدم بها المحامي فتحي العيوني، مطالباً بفتح تحقيق بحق "ألفاني" لمساندتها أمينه بتهمة المجاهرة بما ينافي الحياء والإعتداء على الأخلاق الحميدة. يذكر أن صفحة "فيمن تونس" تعرضت للقرصنة وإستبدلت صور النساء العاريات بصور سلفية وأدعية تحث على الصلاة.

توسل التعري في الإحتجاج قابله نشاط مضاد قامت به عدد من الجمعيات، حيث نشطت في إيران على سبيل المثال حملة "سيدات مسلمات ضد فيمن"، إحدى الناشطات في الحملة قالت بأن نشاط فيمن يأتي إستهدافاً للدول الإسلامية، خاصة إيران وتونس ومصر، لأنها دول ذات حكم إسلامي، وطالبت الحملة النساء بنشر صورهن محجبات أو منقبات أو حتى دونهما مع رسالة تقول "لنا صوتنا ونأتي بأشكال مختلفة ونعارض الطريقة التي يصورنا فيها الغرب"، كذلك وفي خطوة لافتة أصدر مغني الراب المغربي "الشيخ سار" أغنية "أنا الحرة .. أنا العفيفة" حث فيها الفتاة على العفة في سلوكها والتحلي بالثقة في النفس وتقول أغنيته" أنا ماشي آلة إشهارية تبيعو بيا إعلانات/ أنا ماشي آلة جنسية كاتلييوفيا الرغبات/ آنا ماشي سلعة تبيعو وتشربو فيا بدريهمات مشيراً إلى أنها رسالة لدعاة الحرية كون الحرية هي العفة بالأساس.

في لبنان لم نشهد حالة إحتجاج عبر التعري حتى الآن، ويختلف الناشطون والناشطات اللبنانيات حول توسل التعري للإحتجاج، فالصحافية سناء خوري (جريدة السفير اللبنانية) تقول بأنها مع أيّ وسيلة سلميّة يختارها الإنسان للتعبير عن نفسه حتى لو كانت التعرّي، وترى أنّ التعري من أقدم وأرقى الوسائل للتعبير عن الاحتجاج واستفزاز السلطة، رغم أنّ البعض قد يستخدمه على شكل "كليشيه"، في المقابل نجد أن الناشطة عصمت فاعور، تعارضها وتعتبرها ظاهرة متطرفة في التعبير عن الرأي، وأن هذا السلوك يعطي ذريعة أكبر للمتحجرين ، حيث أن هذا السلوك يعطي الذريعة للمتحجرين بتضييق الخناق على المرأة أكثر و اكثر كما يعطيهم الحجة باتهام دعاة الحرية و الديمقراطية بأن مفهومهم للحرية والديمقراطية هو الإنفلات التام، وتضيف بأنها شخصياً ليس لديها المانع في أن تتصرف المرأة كما تريد فلها كامل حريتها الشخصية، و لكنها تجد أنه وفي مجتمعاتنا تسيء هذه الظاهرة إلى النضال المستمر لتحرير المرأة.

*أستاذ السياسة في جامعة كاليفورنيا وكاتب في جريدة الأخبار اللبنانية
* فرح أبي مرشد

 

الرأي

 

 

 

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 20-05-2013