إسماعيل شمّوط - بقلم الفنانة تمام شمّوط - الأكحل

في القاهرة في شهر شباط فبراير من العام 1954 كان لقائي الأول مع إسماعيل شمّوط، بعد أن حصلت على منحة دراسية من كلية المقاصد في بيروت لدراسة الفن، بترشيح من رائد الفن التشكيلي اللبناني مصطفى فروخ رحمه الله.

أعلام من فلسطين



لم أحسب بدقة حساب مصاريف السكن الداخلي مما اضطرني للاتصال بالدكتور فوزي الغصين مسؤول المنح الدراسية الفلسطينية لدى جامعة الدول العربية. وكان الرد أنه لا منح لثلاث تخصصات دراسية: لا للأزهر، لا للفنون ولا للحقوق. ولما فشل في إقناعي بتغيير دراستي، اقترح عليّ أن أشارك الشاب إسماعيل شمّوط في معرضه الذي سيقام عن فلسطين، بما أنه بحوزتي أربعة عشرة لوحة عن فلسطين، علماً بأن هذا الشاب في سنته النهائية بالجامعة.

جاءني إسماعيل حاملاً رسالة تعريف من الدكتور فوزي (شاب أسمر نحيل شعره الأسود الكثيف ينهدل على جبينه، له شارب أسود غليظ) قرأت الرسالة، وبدأت بالأسئلة: كيف يمكنني أن أرى لوحاتك، حتى أتأكد من مستواك الفني؟ قلتها بغطرسة الفتاة ذات الثمانية عشر ربيعاً إذ كنت اكتسبت حضوري الفني في بيروت بالاشتراك بعدة معارض.

رد عليّ وحبات العرق تتساقط من بين خصال شعره الغزير قائلاً: لوحاتي في غرفتي التي أسكن.

قلت: وهل يمكنني الإطّلاع عليها؟

قال: نعم ولكنني أسكن لوحدي.

قلت بجرأة: حتى لو! (وكنت أحدث نفسي لماذا كل هذا الخجل).

اتفقنا على اليوم والساعة وذهبت مع الشاب ذي اللثلاثة والعشرين عاماً. دخلنا الغرفة المتواضعة جداً جداً، لوحاته المكدّسة تفترش سرير نومه تتصدرها لوحة "إلى أين"، "وسنعود"، و"مذبحة دير ياسين"، و"جرعة ماء" وغيرها الكثير. ذهلت من مستواه الفني. وهنا بدأت أنا التي أتصبب عرقاً خجلاً من نفسي.

تم الاتفاق على المشاركة بالمعرض الذي تم افتتاحه بتاريخ 4/7/1954 في قاعة نادي الضباط بالزمالك وكانت مظاهر الملكية ما زالت

التراث والمجتمع (46)، شتاء 2007



قائمة.

افتتح المعرض الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بحضور جميع أعضاء المجلس الثوري وجميع ممثلي السلك الدبلوماسي من عرب وأجانب. لم يتلفظ الرئيس الراحل بكلمة واحدة ولكنه سلّم بيديه الاثنتين ضاغطاً على يد كل منا. شعرت بالكلام قد توقف بحلقه ولمعة عينيه تنطق بشيء غامض من الألم.

أما رئيس الجامعة العربية، عبد الخالق حسونة باشا، فالتفت إلينا ليقول: تعرفوا يا عيال أنتم وضعتم الحجر الأساسي للقضية الفلسطينية.

بيعت معظم اللوحات لشخصيات رسمية مصرية وأخرى عربية وفلسطينية.

واشترت الجامعة العربية لوحة "إلى أين"، "وسنعود"، و"العطش" وشحنوا إلى واشنطن لمكتب الدعاية العربية. ملاحظة: استردينا اللوحات بعد 10 سنوات من بقائها بصناديقها واستبدلناها بثلاث لوحات أخرى بعد أن رفض مدير المكتب عرض لوحات حزينة. وها هي الآن في حوزتنا لمتحف فلسطين المستقبلي.

أما إسماعيل فقد وجد بين يديه نقوداً تمكنه من السفر لروما لمتابعة تحصيله الفني هناك، وقبل سفره بساعات دعاني للغداء الأخير وبعده طلب مني أن أمشي معه ونتحدث من باب اللوق إلى السكن في بولاق. سلمني رسالة حارة ما زلت احتفظ بها. واتفقنا على أن نتراسل عبر السنتين من الدراسة.

عاد إسماعيل لبيروت بعد تحصيله العلمي، هذا العاشق الولهان المتشوّق للاستقرار، وبعد أسابيع ثلاثة من وصوله، أي في صيف 1956،

أعلام من فلسطين



لبسنا خواتم الخطوبة الذهبية لمدة أسبوع واحد فقط ثم انفصلنا. سافرت لمصر لأكمل دراستي والحزن يغمرني وتركته في بيروت حزيناً كئيباً. أنهيت دراستي وعدت لبيروت لتدريس الفن. كنا نلتقي صدفة في المعارض، نسترق النظر وتزوغ الأعين وتدمع القلوب. وهروباً من هذا الموقف وافقت على خطوبة شاب يعيش بالكويت لم يسبق أن التقيته. وكذلك قرر إسماعيل خطوبة فتاة أخرى، ولكن صداقته للشاعرة الكبيرة فدوى طوقان كانت دائماً تدعم مشاعره نحو تمام وتنصحه بإعادة النظر. وبعد انفصال دام سنتين وثمانية أشهر، تلقيت مكالمة من إسماعيل التقينا على أثرها وتعانقت أصابع يدينا وكان الحب أقوى من النسيان والعتاب. (التقيت بالشاعرة فدوى طوقان لأول مرة في صيف 1995م في عمان رحمها الله. وشكرتها يومها).

في العاشر من أيلول العام 1959 ضمنا سقف وأربعة جدران وباب وشباكان. ثم رزقنا من الأبناء الصالحين ثلاثة هم أصدقاؤنا الأوفياء ومستشارونا المخلصون في الحياة، وحتى هذه اللحظة لنا من الأحفاد 9 والحمد لله. كانت من أمتع لحظات الجد إسماعيل مداعبتهم والرسم لهم.

إسماعيل كزوج، له صفات وعادات وخصائص تجعله ليس بالسهل التعامل معه. هادئ جداً، خلوق، له من احترام الذات والكبرياء وعزة النفس الشيء الذي لا يتنازل عنه مهما كانت الأسباب. متواضع صريح وواضح، قليل الغزل والكلام. ثقته بالناس شديدة ويعيب عليّ عدمها أحياناً قائلاً: خذي من الناس الجيد واتركي السيئ. ثقته وصراحته مع من لا يستحق كانت تغيظني ولكنني لم أقوَ على إزالتها منه.

عندما يضع رأسه على الوسادة يبدأ بمحاسبة نفسه، "ماذا عملت؟ ولماذا لم أعمل؟ ويجب أن أعمل!" فيقلق وينتفض من السرير ليرسم أو يكتب أو يقرأ ولا ينـام إلا بحبوب تساعده على النوم، واستمر ذلك معـه

التراث والمجتمع (46)، شتاء 2007



حتى رحيله.

يحب الطعام التقليدي، فأتقنته لأسعده. وكان يحب المائدة الكاملة الترتيب حتى لو كنا لوحدنا، وكانت شهيته للطعام تزداد مع الأحباب ويكره السندويشات ولا يأكلها إلا على مضض.

ومن عادته عندما أريد أن أتحدث إليه، عليّ أن أطلب منه إذناً حتى لو كان صامتاً مفكراً، أسأله: هل يمكنني التحدث إليك؟ إذا كان الجواب نعم أحكي، وإمّا إذا كان الجواب لا، عندها يصعب إقناعه مهما كان نوع الطلب الملِّح. وإذا اقتحمت صمته بدون استئذان يصبح الصمت ثورة عاصفة. طلباته متعددة ومتلاحقة كانت ترهق أخواته أو المرافقات في حالة سفره للمؤتمرات أو غيرها ولكنني لم أرها كذلك، ويستغربون مني تلبيتها دون تذمر.

أشد ما يكره الزعل بين الأحبة والأصدقاء وبالذات بين أفراد العائلة، فأصبح يُعرف بحلال المشاكل. يزداد احترامه وتقديره للمسنين من الرجال والنساء لأنه يرى فيهم الأصالة والتراث. أما المرأة الجميلة بالنسبة له فهي فلسطين، وكلما ازداد جمالها ازداد حبه لفلسطين (في لوحاته). الأطفال يقدسهم قداسة كبيرة لأنهم المستقبل، والشباب هم الحرية، والصمود والتصدي.

عندما يشعر بأنني منغمسة في الرسم كان يأخذ شوطاً من رعاية أطفالنا باللعب معهم والتحدث إليهم ليلهيهم عني، وكان يهتم جداً بنوعية الألعاب وخاصة الألعاب التي كان يشعر هو نفسه أنه لو حصل عليها لاستمتع بها. فكان يشتريها مهما كان ثمنها ليهديها لهم ويلعب معهم بحجة أنها لهم. ولا أنسى أنه اشترى لهم قطاراً عطل غرفة الطعام لدينا لمدة ثلاثة أشهر ليسيّر القطار بين أشجار وجسور ومنازل أتقن تنفيذها. ويدور القطار من بلد لآخر ويلعب معهم، فاحتج يزيد قائلاً: ماما هو بابا جايب هذا القطار

أعلام من فلسطين



لنا أم له؟

وحينما يتحدث للأولاد يتحدث وكأنهم زملاؤه. كما كان يرفض رفضاً قاطعاً أن أُلبّس بشار، الأصغر، من ألبسة يزيد، الأكبر، وهما بعمر متقارب يقول: بالنسبة لي لما ألبس لباس أخي الأكبر أشعر بالقهر ولكنني أرفض التمرد، فلا أريد هذا الأمر أن يتكرر مع أطفالي. وحتى الألعاب يجب أن يكون لكل منهم نفس اللعبة.

يحترم إنتاجي الفني ويقدمني على نفسه أحياناً مع أنني أقل منه إنتاجاً بسبب رعاية أطفالنا وإدارة المنزل. وكان يقدمني فخوراً بي كزوجة وكفنانة وكأم وكرفيقة عمر.

عند وصوله إلى القاهرة في نهاية العام 49 شدّه جداً شكل وصوت الأكورديون، فكان دائماً، بذهابه وإيابه، يقف أمام محل اليوناني بائع الآلات الموسيقية، يستمتع بالنظر إلى الأكورديون مما جعل اليوناني يدعوه للدخول. طلب إسماعيل حمل الأكورديون وإذا بأصابعه تتحرك ويخرج اللحن. فأقنعه اليوناني بشراء الأكورديون بحسم مغرٍ، وهو 15 جنيهاً بدلاً من 18 جنيهاً، وقتها كان إسماعيل يُدرّس الفنون في الفترة الصباحية بينما كان يعمل مساءً في استوديو "جسور" لقاء أجر شهري مقداره 4 جنيهات. تعاطف معه اليوناني فاتفقا على أن يدفع كل شهر نصف جنيه. ولما استلمه كان قد حقق ثاني أجمل حلم له بعد الفن، فراح يدرس المقامات والنوتة حتى أتقنهما. وما زال الأكورديون يلازمنا حتى اليوم، ولدينا من الآلات الموسيقية العديد، ومن المكتبة الموسيقية الكثير.

ومن أهم هواياته التسجيل بالصورة الصامتة منها والمتحركة أي الأفلام والتسجيلات الصوتية. وعليه فقد كان يوم الأحد يوم العطلة الأسبوعية في بيروت بالنسبة لنا يوماً مقدساً لأطفالنا ورحلاتنا مع الأصدقاء وأطفالهم. أما الصيف فله سفرة جميلة في إحدى الدول، عربية أو أجنبيـة

التراث والمجتمع (46)، شتاء 2007



حسب المتيسر، وإلا ففي ربوع لبنان مع الأهل القادمين من دول الخليج، وكما كان يقول الحبيب شفيق الحوت: "تمام افتتحت فندق الانشراح". اعتقد أنه كان لدينا القدرة الكافية هو وأنا على إسعاد أبنائنا وأصدقائنا وأهالينا.

بيتنا في بيروت لقب "ببيت الشعب" حيث كان يتجمع في ليالينا شعراء وكتاب ومفكرون وفنيون، وذلك مسجل لدينا، بالصوت والصورة والتسجيل لكل حدث في حياتنا ابتداء من حفلة خطوبتنا إلى حفلة زفافنا المسجلة سينمائياً. ثم أصبحت كل الصور الصامت منها والمتحرك مسجلة على أقراص مدمجة حديثة سجلها بسنواته الأخيرة. لم يكن يهمه الزمن أو المدة في إنجاز شيء هو مقتنع به سواء في اللوحة الفنية أو بالتصوير أو بالتسجيل. كل همه أن يتقن العمل الذي يرغب في إنجازه وهذه ميزة أحببتها جداً.

ومن هواياته النجارة إذ لديه شغف شديد واقتناء ما يحتاجه أي نجّار ما عدا دكان الورشة، وأحيانا يقلب المنزل لورشة مقابل أن يعمل بروايز للوحة أو شيء آخر.

وأخيراً دخل علينا الكمبيوتر فأذهله وتعلمه في عام 1992، فقرّب العالم إليه، وأخضع هذا الجهاز (الكمبيوتر) لأسلوبه الفني حتى أنتج معرضاً كاملاً من عمله على الكمبيوتر وطاف به في بلدان عربية مختلفة مما أذهل المختصين.

في العام 1958 كان إسماعيل قد افتتح لنفسه مكتباً في مبنى العازارية وسط بيروت لرسم أغلفة الكتب والمجلات وإخراجها، واشتهر بسرعة لأنه قدم الجديد من هذا النوع من الفن وأصبح يرسم إن لم أكن مبالغة حوالي80% من الكتب التي تصدر وتطبع في بيروت والبلاد العربية. وما زالت هذه الأغلفة بحوزتنا. وبهذا تعرفنا إلى عدد كبير من الشعراء والأدباء

أعلام من فلسطين



والمفكرين، وقد ربطتنا بهم صداقة حميمة. وفي العام 1963 اتصل بنا الأب قرطباوي من مطبعته قرب سوق الغرب يطلب من إسماعيل أن يزوره بسرعة. وهناك عرض عليه رسوماً لأزياء عسكرية مختلفة الرتب والأوسمة قائلاً له: "هل تستطيع مسيو شموط أن ترسم بهذا المستوى؟"

إسماعيل قال: "بهذا المستوى لأ، لكن أفضل منه أقدر". وبعد الحوار قال إسماعيل: "إن هذه الرسوم أنا الذي رسمتها بتكليف من المطبعة الأميركية للشرق الأوسط والتي أرسم لهما أغلفة مجلات النفط في الخليج". فصاح الأب واحتضن إسماعيل بفرح عجيب: "ربحنا الصفقة ربحنا الصفقة"، ثم قال، ولك إسماعيل هاودي الأمريكان الـ... بدهم يحاربونا بلقمتنا نحن بنصرف على فقراءنا وهم قالوا: "بأنهم أحضروا فناناً أمريكياً خاصاً لهذه الرسوم لوزارة الدفاع التي ستعمل على طباعة كتاب اسمه التنشئة الوطنية اللبنانية الإنسانية، وسيطبع منه مائة ألف نسخة وكتب فيه عشرات الأدباء العسكريون والإنسانيون!! شوفت يا فناننا العظيم وانتظر وما تتكلم".

واتفق على الموعد لتوقيع الاتفاقية في اليوم كذا الساعة 8:30 صباحاً. وصل إسماعيل على باب الكومندان فؤاد الحسامي، ودخل الحاجب ليخبر المعني، فكان الرد: خليه ينطر شويّ. انتظر إسماعيل حوالي 4 دقائق وإذا بأجنبي يدخل على الكومندان رأساً. كرر إسماعيل بإرسال الحاجب يقول له موعدي مع الكومندان 8:30 وحضرت بالموعد. فجاء الرد نفسه: خليه ينطر. والمرة الثالثة نفس الرد، كان الزمن أخذ 15 دقيقة، ترك إسماعيل الوزارة وعاد للمنزل منفعلاً قائلاً لي سأرفض العقد. وما هي نصف ساعة تقريباً وإذا بي أسمع لغطاً وحركة تحت شباك المنزل، نظرت وإذا هي حركة ثلاث سيارات جيب عسكرية يقفز منها جنود. أسقط في يدي وقلت بصوت عال: ماذا فعلت يا إسماعيل قدموا ليعتقلوك!، ما هي إلا

التراث والمجتمع (46)، شتاء 2007



ثواني وإذا بالباب يقرع بعنف، فتحت الباب ودخل ضابط ومعه من الجنود اثنان وخلفه على السلم جنود كثيرون. وقال الضابط بصوت عال جهوري: ينو مسيو شموط، جاء إسماعيل بهدوئه المعتاد وبدون تحية من الضابط أو ترحيب من إسماعيل، تكلم الضابط بعنف: مسيو شموط، أنت بتعرف مع مين بتتعامل؟.

قال إسماعيل: "نعم، مع وزارة الدفاع التي تحكم هذا البلد". الضابط: "وبتعرف إنه المبلغ ال 17 ألف ليرة لبناني ماذا يعني؟"، قال إسماعيل: "نعم، أعرف أنه مبلغ محترم لمجهودي". الضابط: "ما دامك بتعرف هيك ليه ما بتنطر للتوقيع؟"

قال إسماعيل: شوف يا حضرة الكومندان، أنا فلسطيني، فاقد كل شيء ولا أملك سوى شيء واحد هو كرامتي، وكرامتي ما بتسمح لي أن أقف على أي باب يفضل عليّ الأجنبي. وإذا بالضابط بيده اليسرى يرفع قبعته ويضمها لصدره وبيده اليمنى يضرب تحية عسكرية ويضم حذاؤه العسكري بقوة بصوت عال قائلاً بالحرف الواحد: تحيتي واحترامي لكرامتك وكرامة شعبك، ثم التفت إليّ قائلاً: مدام عندك خبزة وزعتر؟ أرجوك أحضريها لنأكل لقمة ويصير بيننا عيش وملح. ثم بعد اللقمة قال: لا تحضر للعقد بل سنحضر العقد لعندك على البيت لتوقيعه، ثم ستحصل على بطاقة رسمية تخولك الدخول لوزارة الدفاع بأي وقت، ثم إقامة رسمية لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد. ثم أنت ما عندك هاتف عبكرة حيكون عندك هاتف أيضاً. وأصبح فؤاد الحسامي الصديق الحميم، ودعا إسماعيل ويزيد وبشار إلى قاعدة رياق العسكرية التي كان يرأسها، وحتى اللحظة نحن أصدقاء.

كان يشعر بالإحداث الفلسطينية فيستشف حدوثها بأحاسيس مرهفة قبل وقوعها، فرسم أطفال الحجارة عام 1984 قبل وقوعهـا بأربع سنوات

أعلام من فلسطين



بلوحة أسماها "الكمين". ثم لوحة طفل شهيد أسماها "شهيد أبو ديس" وكلاهما أصبحتا طابع بريد يرافق كل رسالة.

ثم رسم من الخيال أول أسير فلسطيني وهو المدعو محمود حجازي، شاب نحيل لكنه قوي عاري الصدر وآثار الجلد والتعذيب على جسده واضحة ويداه مغلولتان للخلف، ولكنه شديد القوة والعزم وجنود العدو أقزام يلتفون حوله بأسلحتهم وأسماها "أنا فلسطيني". وبمجرد خروج هذا الأسير من السجن جاء لإسماعيل للتعارف وكم كان شديد الشبه باللوحة!.

كما أن هناك حدثاً آخر حيث حُكِمَ على المناضلة زكية شموط من قرى شمال فلسطين (وليس لها علاقة بشموطنا) ب 300 سنة سجن. حاولوا إجهاضها ولم يفلحوا، أنجبت طفلة في السجن وكانت أصغر سجينة في العالم إذ أصبحت من العمر 4 سنوات، فرسم إسماعيل وجه المناضلة الصارم والطفلة البريئة تنظران من نافذة الزنزانة وانتشرت اللوحة بعد طباعتها بطابع بريد انتشر في العالم مما ساعد في إخراجها من السجن. وفي العام 1984 كان انعقاد المجلس الوطني في عمان وكنت وإسماعيل من ضمن الحضور. دخلت الفندق وإذا بمسؤول الاستقبال يشير عليّ، وسيدة قادمة نحوي ذات لباس شعبي سألتني: أنتي مرْتْ الرسيم؟، قلت: نعم! قالت: وينه؟ أنا زكية شموط وأريد مقابلته!.

أبقيتها في مكانها وطرت فرحاً لإسماعيل، كان المؤتمر قد انفض فأقنعته بالعودة إلى الفندق، دخل لأخذ المفتاح ولكنه فجأة التفت إلى اليسار فوجد السيدة الجالسة تقدم نحوها وسألها: "هل أنت زكية شموط؟" وقفت المرأة مذهولة، تعانقت معه وكلاهما بكى لشدة الشبه بملامحها الصارمة وبنية جسدها والفتاة ببريق عينيها البريئتين.

ولما كان هدفنا الفني، إسماعيل وأنا، يعني أن أسمى الأهداف الفنيـة

التراث والمجتمع (46)، شتاء 2007



هي تلك التي تتخذ الإنسان محوراً لها، فنعمل لرفع الظلم عنه ونحاول تجميل الحياة من حوله ونفتح آفاق الآمال أمامه. كان لا بد أن يكون التزامنا النابع من وعينا على حقيقة وجودنا المرتبط بالتاريخ والتراث والحضارة وهي جذورنا في وطننا العربي المعايش للواقع والمتطلع نحو المستقبل أن نلتزم في التعبير عن قضيتنا الفلسطينية، قضية المنطقة بأسرها. كما هو المعروف بأن الفن يجب أن يعبر عن روح العصر الذي يعيشه الفنان سواء أكان الموضوع من الحدث البيئي أو التراثي أو وقوع الحادث منذ ساعات لن يكون فناً من الماضي أو الحاضر بل فناً صادقاً نابعاً من أحاسيس صادقة مستمداً من الحدث المعايش للفنان بدون تقليد أو استيراد ولذا كنا وما زال همنا الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية حتى لا ننسى.

التحقنا، إسماعيل وأنا بمنظمة التحرير الفلسطينية عام 64 كرئيس لقسم الثقافة الفنية وأنا كمساعدة له، فأنجزنا التالي:

اشتركنا في المعارض الدولية والعربية بلوحات توضيحية لشرح القضية الفلسطينية أدت إلى تنفيذ المشروع بكتيب هو: موجز تاريخ فلسطين المصور سنة 1972 والذي ترجم إلى تسع لغات عالمية وطبع منه آلاف النسخ.
عملنا على جمع أَلبسة تراثية شعبية بالإضافة إلى الحِرف اليدوية التي تعرف بها بلادنا وهي تثبت مقومات شعب أقام على أرض واحدة عبر آلاف السنين المتواصلة دون انقطاع. وأقمنا أول معرض في متحف "البيرجومان" في برلين بتاريخ 5/6/78 وبعدها دُعي المعرض إلى متحف بودابست وتوالت الدعوات إلى متحف فنون الشعوب في ليبزيغ ثم المتحف الوطني في وارسو ثم براغ ولشبونة وبعدها إلى متحف الشرق في موسكو والمتحف الوطني في مدريد افتتحته الملكة صوفيا ثم في قاعة الكومونويلث

أعلام من فلسطين



في لندن، قصر الفخار في سرقسطة ثم متحف جزر الكناري. توقف المعرض سنة 1981 على أثر حرب لبنان، وأثناء إقامة هذه المعارض تم طباعة كتيب الفن الشعبي الفلسطيني مصور وملون، وطبع بلغات متعددة حسب الدول التي أقيم فيها.

عمل إسماعيل على إخراج وطباعة ونشر اسطوانتين الأولى عزف وغناء الشابة زينب شعث وكلمات زوجة السفير الهندي وهي تقول Can't you hear the voice of Palestine وانتشرت الأسطوانة بشكل واسع. والثانية سيمفونية لعشاق الموسيقى الغربية من كلمات شاعرنا العظيم محمود درويش "سجل أنا عربي" وتلحين وتوزيع المايسترو ابن القدس سلفادور عرنيطة.
عمل إسماعيل على تصوير وإنتاج فيلمين الأول مدته سبع دقائق اسمه "النداء الملّح"، والفيلم الثاني كان صامتاً اسمه "ذكريات ونار" مدته عشر دقائق، لقد تم مشاركة هذين الفيلمين في أفلام الوثائق العالمية في عدة بلدان وقد حصل الفيلمان على جوائز متعددة مما أدى إلى اختيار إسماعيل كعضو لجنة تحكيم للأفلام الوثائقية.
عمل إسماعيل جاهداً على إخراج وطباعة المجلد الضخم وهو فلسطين تاريخ وحضارة والذي يحتوي على رسوم المستشرقين لمدن فلسطين منذ 1680 حتى أوائل القرن الماضي وتاريخ كل مدينة وقرية لإثبات أن فلسطين لم تكن صحراء ولم تبنها إسرائيل. أما في الكويت فلقد أنجز كتاب الفن التشكيلي في فلسطين والذي يحتوي على لوحات مطبوعة لجميع الفنانين الفلسطينيين في جميع أنحاء العالم. وفي الأردن تم طباعة كتاب جداريات السيرة والمسيرة.

مع العلم أن أول كتاب صدر له كان عام 57 في عمان اسمه الفنان الصغير والذي يحكي خصائص الطفل الفنية وكيفية تدريسه، ودُّرس في مدارس الأردن لمدة عشر سنوات متتالية.
 

 

 

 

 

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسيةة

safsaf.org - 21-05-2013