الحديث مع الآخرين لا إلى الآخرين - محمد علي الحلبي


يستحوذ جلّ حديث مكونات المجتمع العربي عما بات يُعرف بـ ″الربيع العربي″ ويتركز أكثر تحديداً في الأقطار التي نجحت فيها الثورات،ويأخذ الجدل حيزاً واسعاً من الحوارات والنقاشات الدائرة،كما ويأخذ مساحات كبيرة من أجهزة الإعلام المكتوبة وحتى فترات زمنية عديدة من الإعلام المرئي،وتتمحور جميعها حول الأحوال التي آلت إليها أوضاع المواطنين بعد التخلص من بعض الرموز السابقة للحكم ، ومن منطلق الحرص على نجاح ما أرادته الجماهير الثائرة ضد أنظمة لم تترك موبقة إلا ارتكبتها بحق وطنها وبحق مواطنيها،وبحق الأمة العربية فتاريخها كان حافلا ًبالمآسي والآلام...راينا أن نوزع تصورنا وتحليلنا على النقاط التالية:

خطورة المرتسمات الحالية للثورات على أرض الواقع.
الظواهر المتواجدة والمشتركة بين تلك البلدان.
ضرورات التمسك بالفهم القويم والطريق الموصل لبناء الأوطان.
حتمية استمرارية انعكاس النهج الشمولي السابق على بداية السنوات القليلة من عمر الثورة.
رؤى وأمانٍٍٍ مستقبلية لتجاوز النكسات وتحقيق النجاحات.



الموضوعية تقتضي منّا أن نشدد على مرحلة سابقة سادها شبه عقم فكري ، وعتمة تاريخية مرّت على تلك الأقطار، وبالتالي فالولادات عسيرة والتشوهات الولادية عديدة،وتلك السمة المميزة للثورات في المراحل الأولى من عمرها لأن الانفعالات تتغلب فيها على العقل , ففي تونس اغتيل قائد سياسي معارض والفوضى منتشرة،والاستقرار غائب،والصور الحالية لا تسعد مشاعر التونسيين،بل أحياناً تخيم عليهم الكآبة.

وفي مصر ليست الأحوال فيها جيدة،فمحاولات الاستئثار بالسلطة والعودة إلى نفس منهجية الحزب الحاكم سابقاً العلامة البارزة منذ أن انتهت مرحلة الانتخابات وحتى اليوم،وبالمقابل فبعض رموز المعارضة الحالية كان لهم باع كبير في التعايش مع النظام السابق وخدمته كما وأن المعارضة ما زالت ترفض فكرة الحوار مشترطة إلغاء الدستور بمواده المعبرة عن الموقف السياسي للإخوان وليس عما يقارب الإجماع الوطني،وللتأكيد على هذه الفكرة فالإعلان الرسمي عن نتائج الاستفتاء على الدستور يظهر بجلاء قلة عدد المشاركين فيه....لقد أدلى16مليوناً بأصواتهم من أصل ما يقارب52مليونا ثبتت اللوائح حقهم بالإدلاء برأيهم...هذا يشير إلى أن نسبة المستفتين بلغت31,2%من المجموع العام أي أقل من الثلث،والبقية ظلت بعيدة عن المشاركة لكن ذلك لا يُمكن أحداً من توزيعهم إلى نسب بين معارضين ومؤيدين فلم تتواجد دراسات استطلاعية للرأي العام تقربنا من الحقيقة اضف إلى كل ذلك أن نسبة المصوتين بنعم بلغت63,8%أي ما يقارب الثلثين بينما من قالوا لا بلغت نسبتهم36,2%وهذا يوضح الرقم الفعلي للمؤيدين من المجموع العام .

والظاهرة الأساسية المشيرة والمعبرة عن حرية الرأي تتركز في التظاهرات والاعتصامات من أجل أي مطلب كبر أم صغر وذلك حق مشروع في ظل الحريات لكنه موقف انفعالي سلبي وبديله ضرورة الانتباه إلى بناء الوطن،وخاصة في مجال التنمية الاقتصادية.

وليبيا هيمنت عليها الصراعات القبلية،واستمرارية العقل العشائري بسلبياته وإيجابياته وهي إرث خلفه النظام السابق الهادر الكبير للثروة الوطنية التي لو استخدمها في تغيير وتنويع مصادر التنمية لكانت حققت حلول علاقات الإنتاج محل العلاقات العشائرية.



أما عن الظواهر المشتركة بين هذه الأقطار فأبرز عناوينها الفوضى في أغلب المجالات بدءاً من الفوضى الفكرية وما يستتبعها أضف إلى ذلك ارتفاع أعداد ضحايا الثورات ناهيك عما يستتبع ذلك من خلل في الجانب الاقتصادي بدأت مؤشراته تتموضع على حياة أغلب المواطنين لاسيما ذوي المداخيل المتدنية والذين شكلوا وما زالوا يشكلون عماد جميع الثورات،والحقيقة تقرّ بجلاء أن عاملين سببا ذلك أولهما أن أغلب القوى السياسية المتواجدة على الساحة لا تملك نظرية ودراية واضحة لما تريده،وبالتالي المنهجية لتحقيق ذلك،وثانيهما أزلام الأنظمة السابقة الذين استفادوا منها فغيرت من توجه بوصلتهم الوطنية،ودفاعاً عن مكتسباتهم فهم يضعون العراقيل والمعيقات أمام أي تحرك،بل يستغلون الأوضاع القائمة للتدليل على أن ما كان أفضل في محاولات حثيثة لإيقاع الجماهير الثائرة في دوامة اليأس لكن هذه الضلالات والانحرافات يجب أن تزيد الثوار تمسكاً بثوراتهم لنيل حرياتهم وتعزيزها بثبات مبدأ الحرية في أذهانهم معززا بالأفكار القويمة،فالفنانون والرسامون يعتبرون المثلث المتساوي الأضلاع أجمل الأشكال الهندسية ففيه تناسبات رائعة تكوينية جمالية لا توازيها بقية الأشكال،و يخيل ،بل يتأكد لنا أن فلسفة قائمة في ثلاثيات وجودية تبرز عظمتها وروعة كينونتها،ووجودها ضمن ثلاثية متفاعلة مع بعضها تتمم إحداها الأخريات،فالماء والهواء والتراب اصل الوجود الكوني وعظمته في تناسقه وتكامله،وأي انعدام لبند من بنوده أو نقص فيه يؤدي إلى انعدام،أو خلل في هذا الوجود،وكذلك ثلاثية الحرية والإبداع والسعي من أجل الحقيقة ثلاثية فكرية متوحدة تعزز من كنه الحياة إذا احتوتها أطر تنظيمية يكون المنضوون فيها سدنة وخدما لها،والفكر العربي تبنى منذ القدم بعضا من المعاني الأساسية لمفهوم الحرية فجاءت اللغة معبّرة أدق تعبير عن ذلك فالحرّ في اللسان العربي هو الصافي-الفاخر-الخالص-الأعتق-الأفضل،والحرّة من السحاب الكثيرة المطرة،والمرأة الحرّة هي الكريمة الشريفة الطاهرة،والحرية بمثابة الروح الثانية للإنسان،وعندما تفقده إياها قوى مجرمة فيموت داخلياً ولا يعد من معنى لوجوده،كما وأن منطقتنا العربية كانت المهد للديانات السماوية،وبالإسلام والمسيحية يدين شعبها،والاعتقاد والإيمان الدينيان جزء أساسي من مكونات الإنسان العربي،والمسيح عيسى عليه السلام قال:″لا تنظروا إلى ذنوب الناس كأنكم أرباب ولكن انظروا إلى ذنوبكم كأنكم عبيد″وفي ذلك رفض للتعالي على الآخرين،وله دعوة أخرى للتعايش الرائع في إطار الحوار والعمل إذ يقول″عاشروا الناس معاشرة إن عشتم حنوا إليكم،وإن متم بكوا عليكم ″والإسلام يأمرنا بالشورى،ويلزمنا بها في قوله تعالى في القرآن الكريم:″والذين استجابوا لربهم واقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون″سورة الشورى الآية38،والرسول العربي قدوتنا والمنهل الثاني من مناهل إيماننا قال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما:″لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما″وفي ردّه صلى الله عليه وسلم على الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وقد سأله:″يا رسول الله ما الأمر الذي ينزل بيننا بعدك لم ينزل فيه قرآن ولم يُسمع منك فيه شيئاً؟!...فأجابه:اجمعوا له العابد من أمتي واجعلوه بينكم شورى ولا تقطعوه برأي″ , والكثير من المفكرين قديميهم وحديثيهم يقدسون الحرية شارحين فضائلها كاشفين ومعريّن ظواهر السوء بدونها،وعلى النقيض من ذلك فالفكر الصهيوني المدمر يزيدنا تمسكاً وإيمانا بفكرة الحرية،ففي كتاب (بروتوكولات حكماء صهيون وتعاليم التلمود) وتحديداً في البروتوكول الخامس يقول:″إننا سننظم حياة رعايانا السياسية بقوانين جديدة كما لو كانوا أجزاء كثيرة جداً في جهاز،ومثل هذه القوانين ستكبح جماح كل حرية وكل نزعة تحررية يسمع بها الأمميون " غير اليهود " ، وبذلك يعظم سلطاننا فيصبح استعباداً يبلغ من القوة درجة نستطيع معها في أي زمان أو مكان أن نسحق الساخطين المتمردين من غير اليهود″.

إذاً فالحرية في ظاهرتيها النقد والإبداع هي الروح الثانية التي تحدثنا عنها،وضرورية وملازمة للوجود الإبداعي لكن ما نراه من إرباكات وخلل على الساحات العربية التي نجحت فيها ثوراتها ذلك يعود إلى التركة التي خلفتها نظم الاستبداد لأكثر من نصف قرن حيث قمعت الحريات وازدادت السجون،وغابت الآراء الصائبة،بل تسلمت القيادة فيها فئة ضالة مضللة لا همّ لها إلا إرضاء الآخرين على حساب مصالح الوطن والمواطنين.....هذا العمر القمعي عاشته أجيال دخل بعضها خريف العمر فتاهت منها السبل،وضاعت فيها جوانب عديدة من الرأي نتيجة الحجر على الفكر وإيداعه في زنازين القمع،ورغم أننا تحدثنا عن الإرث الثقافي لأمتنا العربية المقدس للحرية , لكن من يعد إلى تاريخ أمتنا قديمه وحديثه يجد في خمسينات القرن الماضي إشراقات وإضاءات الاستقلال عن الاستعمارين الفرنسي والإنكليزي في سوريا والعراق،وفي مصر والمغرب العربي حيث تجسدت البطولة في أبطال كبار السنّ كعمر المختار وفي مليون الشهيد الجزائري،وفي الردّ وإفشال حلف بغداد الأمريكي البريطاني،وأصبحت مدينة بور سعيد الرمز الرائع للرد على العدوان الثلاثي،وقامت المقاومة المسلحة الفلسطينية والعربية بدورها في تحدّ لإسرائيل ولقوى البغي الداعمة لها.

إذاً لا بديل للفوضى الحالية إلا بمزيد من الحرية المنظمة،ولنقلل من المظاهرات والاعتصامات،ولنبدأ بتكوين المجتمع المدني بأحزابه الواضحة في مراميها الوطنية ومناهجها السليمة إضافة إلى النقابات ومنظمات الخدمات الاجتماعية بالتالي نثبت جذور الحرية في مجتمعنا بعد أن ضللته الظلمة والعتمة فلم يعد الإنسان العربي يسمع خبراً يسعده،ولنركز على أهمية التربية الفكرية لأبنائنا في جميع المراحل الدراسية ووضع المناهج لها،فإجماع المفكرين يركز على أن التربية عماد وأساس بنية المجتمعات المتحضرة.



كان العنوان لما كُتب:الحديث مع الآخرين لا الحديث إلى الآخرين....عنيت الحوار بكل أشكاله،والحوار لا فرض الرأي يضيف إلى الأفكار النيّرة إشعاعات فكرية تعزز وجود الإنسان ،ووجود المحاورين الآخرين معه ، ووجود الأمة قاطبة،فلنعزز الرأي ،ولنسع إلى تأطيره وجمعه.



محمد علي الحلبي

 

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 27-03-2013