عصفورين في حديقة الحيوان - بقلم و ريشة حيدر الديراوي

كان يا ما كان في حديث العصر ....
رجل يعمل منذ كان شاباً بإحدى حدائق الحيوانات في أحد الدول الكبرى حيث تدرج في السلم الوظيفي بدء بتقديم الطعام و من ثم ترويض الحيوانات المفترسه وصولا لإدارة الحديقة بعد أن صار يتقن التعامل جيدا مع كل حيوانات الحديقة الأليفة منها و المفترسه .
كان الرجل بشوش الهيئة و لديه من الحنكة و الذكاء ما يكفيه لفرض سيطرته المطلقة على كل الحديقة من حيوانات و موظفين و حتى زواراً حيث كان يهوى أحياناً مرافقة المجموعات السياحية و كان يجد متعة أكبر حين يرافق طلاب المدارس ليجد لنفسه فرصة تعريفهم بقدراته و يعلمهم كيفية التعامل مع الحيوانات و لو نظرياً علَّ و عسى أن يأتي يوماً لأحدهم إستلام المهام بعده بعد أن تجاوز عمره الستون بقليل
إعتاد الرجل أن يستيقظ باكراً , يمارس بعض الحركات الرياضية و التي تُناسب سنَّه و بنيته , يستحم , يتناول وجبة إفطار خفيفة و من ثم يقود دراجته الهوائية متجهاً نحو الحديقة . عند و صوله مكتبه المطل على المدخل الرئيسي للحديقة من جهة و من جهة أخرى على جزء كبير من الحديقة , يشرب قهوته برفقة عصفورين كان قد بذل جهداً كبيراً بتدريبهما و توجيههما ليكونا عيناه و أذناه في الحديقة بعد أن أتقن لغة التواصل معهما . عصفورين جميلين , محنكين كمدربهما , يجولان الحديقة مرات عدة في اليوم و من حسن أدائهما و تفانيهما إستطاعا أن يجندا أعداداً كبيرة من الفئران في كل أجزاء الحديقة حتى باتا يعرفان كل شاردة و واردة بعناءٍ أقل و يقومان بنقل هذه المعلومات الى مدير الحديقة بكل دقة و أمانة و هو بدوره يتخذ الإجراءات المناسبة ليحكم سيطرته على كل ما هو موجود في الحديقة فتارة يُعيد ترويض من تناسى ترويضه و تارة أخرى يكافئ من هو ملتزم بما تروضه فيلقي عليه بعض من قطع اللحم أو أعشاب أو قمح و للذكور بحسناوات من نفس الفصيلة فهو حتماً خبير بشؤون من تحت سلطته و رحمته ...
الساعة التاسعة صباحاً , رنَّ جرس الهاتف , كان المتصل مديرة مدرسه تُذكِّر الرجل بموعد وصول دفعة من الطلاب المميزين و الحاصلين على منح دراسية لدراسة المرحلة الثانوية بعد إختيارهم من دول عديدة و خاصة الفقيرة منها . موعد وصول الطلاب كان الساعة العاشرة و الرجل بدأ بالإستعداد للقائهم و مرافقتهم في جولة طويلة داخل الحديقة و يتوجب عليه أن يُخبر الموظفين لتوفير كل سُبل الراحة و الإستمتاع فقد يكون معظم الطلبة لم يشاهد حديقة حيوانات بهذا الحجم و التنوع ..
خرج الرجل لإستقبال الوفد القادم بحافلة حديثة الصنع و مجهزة بكل ما يجعل رحلتهم مريحة خلال الساعتين . نزل الركاب و تم إستقبالهم بحفاوة تلاها فكرة بسيطة عن طبيعة الحديقة و ما تحويه ..
بدأت الجولة , المدير يرافقه كالعادة أذنيه و عينيه { العصفورين} و الطلاب , و من جهة الحيوانات الأكثر قوة حيث علّق أحد الطلاب قائلاً هذه أول مرة أشاهد حيوانات مفترسه بهذا الجمال , فردَّ عليه المدير بنفيه وجود حيوانات مفترسة في الحديقة , أستغرب الطلاب مع أصوات ساخرة من العصفورين , أسكت المدير العصفوين بنظرة يفهمانها جيداً و إسترسل بالحديث قائلاً : في هذه الحديقة نحن من نمنح الصفة للحيوان حيث نجعل النمر أرنب و البغل حصان و القوي ضعيف و الضعيف قوي ... الخ , و بشكل عفوي سأل مجموعة من الطلاب مستغربين :كيف ؟؟
أجاب المدير : مثلا يمكننا أن نجعل النمر ضعيف و ننسيه قوته فنقدم له أرنباً مذبوحاً و جاهزاً للأكل , بينما ن أردناه قوياً نطلق في مكان وجوده أرنباً حياً و قوياً بعد تجويع النمر و بالتالي سيظهر النمر كل قوته ليحصل على الأرنب , أما البغل فهو نتيجة تزاوج ذكر الحمار مع أنثى الحصان و يكون بالغالب عقيم و قد نوهمه أنه قادر على التكاثر و نهديه أنثى الحصان و من ثم نقوم بزرع بذرة حمار في رحم أنثى الحصان لتنجب بغلاً جديداً يظن البغل الموهوم أنه إبنه , ضحك الجميع و راح بعض الطلاب يهمسون فقد أعجبتهم الفكرة , هم مراهقون مثل العصفورين الناضجَيْن المراهقين .تحدث أحد الطلبة ذو الملامح العربية مازحاً : نحن في بلادنا نسمي الضبع , النمر , الحوت .. الخ في أفلامنا لإظهار قوة و جبروت رئيس العصابة أو رجل الأعمال أو ... . أشار اليه المدير بيده ليسكت , فقد لفت إنتباهه نقاشاً حاداً بين العصفورين حيث قال العصفور القريب من المجموعة بأنه أكثر إقتراباً من الناس و يرونه أكثر وضوحاً و جمالاً بينما أنت أخفيك عنهم و لن يراك أحد بوضوح , فرد عليه العصفور الآخر بسخرية الواثق من نفسه أنا أيضاً أخفيك من جهتي و لا يراك الناس جميلا بينما يروني واضحا ً و جميلاً فأنا لا يعنيني أن يراني الجميع جميلاً ما دمت قادراً أن أرى نفسي من كل الجهات و أعرف تماماً كم أعداد ريشي و جمالها و لا يعنيني إن أخفيت جزأً مني فقد أظهره لأناس آخرون ..تبسم المدير موافقاً حكمة العصفور الثاني و ثقته بنفسه ..
أكمل الجمع رحلتهم و لفت إنتباه المدير ذكر الطاووس و ريشه الجميل بعد حديث العصفورين , و أشار الى الطلاب بالنظر الى ذكر الطاووس وهو يحاول إغراء الأنثى الأجمل في الحظيرة
سأل الرجل .. هل أعجبكم هذا الطاووس المغرور ؟ . ردَّ الطلبة بنعم و تلا ذلك سؤالهم ما سبب وصفه بالغرور ؟ . أجاب الرجل قائلاً نراه مغرورا فنحن نعرفً حجم قدراته و نتركه يتباهى كيفما يشاء و متى شئنا نجعله لا شئ يذكر فقط نحجب عنه الإناث عندها لن ينفش ريشه أو يصبح شاذاً ..
أكمل الجميع جولتهم بعد حديث مستفيض عن الحيوانات , رافق ذلك لهو و مرح و شَعَرَ الجميع بمتعة الرحله , توجه الجميع نحو البوابة الرئيسية فقد حان موعد المغادرة . نظر الرجل الى الطالب العربي و أشار بإصبعه قائلاً .. فقط في الأفلام .. و تبسم ..
بعد عدة أيام و لحظة وصول الرجل كانا العصفوران بإنتظاره ليخبراه أن سلوكاً غريباً راح يصدُر من بعض الحيوانات في الحديقة , أمرَ الرجل بمراقبة تلك الحيوانات عن كثب عن طريق الفئران المنتشرة في كل مكان . إقترح أحد العصفورين بالتخلص من تلك الحيوانات بوضع السُّم في أطعمتهم , ضحك الرجل و قال ويحك تريد العالم كله أن يقول عجزنا عن ترويض حيوان فقتلناه دعا هذا الأمر لي , فقط ما عليكما سوى المراقبة و تزويدي بكل التفاصيل , إنصرفا الآن و باشرا عملكما .
بعد جمع كل المعلومات و تجهيز الملفات لكل حيوان على حدا و في إجتماع مصغر ضم المدير و العصفورين تقرر ما يلي : ترفيه الحيوانات المتمرده فترة زمنية محددة , العمل على إثارة الفتنة والفوضى و العصيان في غاباتهم الأصلية , تلميع حيوانات الحديقة و إلباسهم أثواباً جميلة و براقة تمهيداً لإرسالهم كمنقذين الى غاباتهم الأصلية و لينصبوا ملوكاً و أبطالاً بعد أن إعتادوا ترويضنا و سيقومون بتنفيذ أوامرنا مهما كان حجمها ..
إنفض الإجتماع على أن يباشرا العصفورين مهامهما في تنفيذ تلك القرارات بينما المدير تناول نخب السلام القادم و من شباك مكتبه المطل على الحديقة خاطب الحيوانات قائلاً في صحة السلام و الديمقراطية ....


بقلم و ريشة حيدر الديراوي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 29-03-2013