السياسات الحكيمة في ظل القطبيات الجديدة - محمد علي الحلبي



″واشنطن ستفقد مركزها الأول في العالم بحلول عام2030والثروة ستنتقل من الغرب إلى الشرق والجنوب ، وهذا الوضع سيقرر واقعاً سياسياً جديداً بزوال الهيمنة الأمريكية لكن لن تتحول أي دولة بما فيها الصين إلى قوة عظمى مهيمنة ، والتحالفات العالمية ستحل محل ذلك، و العالم سيصبح متعدد الأقطاب ″ تلك التوقعات وردت في التقرير الأخير الصادر عن مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي ، وأغلب الباحثين المتتبعين للسياسات الأمريكية يؤكدون أن تراجعها المتنامي في هذا المجال لا حل له على المديين القريب والمتوسط ويعود ذلك إلى ثلاثة بواعث له :

تزايد درجة الاعتمادية الأمريكية على تدفقات الرأسمال الأجنبي لتمويل الاستهلاك المفرط الخاص والعام على السواء ، ووفقاً لمنطق التاريخ فإن أية قوة استعمارية لم تستمر طويلا ًإذا ما زاد اعتمادها على القروض الخارجية.
التورط في الحروب الخارجية ″العراق- أفغانستان″ وأكلا فهما المادية العالية،والهزائم التي لحقت بالقوات الأمريكية جراء هاتين الحربين لأن التصدي لهما اعتمد غالبا أسلوب المقاومة الشعبية ولم تكن حروباً نظامية.
صعوبة الإجماع الوطني بين الجمهوريين والديمقراطيين على موقف واحد حول العديد من القضايا سيما الداخلية منها ، فالاختلافات بينهما أساسية ومازالت تتصاعد حتى هذه الأيام حول كيفية خفض عجوز الموازنة الاتحادية البالغ تعداد رفع سقفها بعد آخر رفع له 11مرّة ليصل المبلغ إلى16,3تريليون دولار, ناهيك عن العجز المتنامي أيضاً في الميزان التجاري، فتوجهات الحل لدى قيادات الحزبين تختلف وتتمحور حول تخفيض الإنفاق على المجالات الاجتماعية وفي رفع الضرائب على الجهات والشركات الميسورة،ولذلك فأمريكا دخلت بجدارة نتيجة هذا الحجم المادي الضخم من العجز في دوامة استمرارية رفع سقف المديونية وإصدار سندات على الخزينة لتباع إلى دول محددة بينها الصين،اليابان،والدول النفطية،ولتباع وتمول أيضاً من صناديق الخدمات الاجتماعية وصندوق التقاعد والرعاية الصحية،فالحكومة تستحوذ على نحو40سنتاً من كل دولار تقترضه وتقوم بإنفاقه،إنما ما يخفف الوطأة حاليا المعدلات المنخفضة للفائدة السائدة , لكن أي تصاعد في معدلات الفائدة مستقبلا سيحمل كارثة للولايات المتحدة الأمريكية،واستمرارية الاقتراض يبين أنها أصبحت تقترض لكي تخدم ديونها وذلك شيء في غاية الخطورة،والتعبير المبسط لهذا المشهد ما قيل أن الدين الأمريكي دخل وعن جدارة في مخطط ( بوتري ) أي الذي يأخذ من بول ليدفع إلى بيتر..... كما وأن عدم رفع سقف المديونية في ظل هذه الأحوال الصعبة سيؤثر سلباً على سعر صرف الدولار، وهذا ما حذر منه(بين برنا نكي) رئيس الاحتياطي الفيدرالي،والتقرير الذي تحدثنا عنه جرت العادة أن يصدر كل أربع سنوات مع بداية الفترة الرئاسية الجديدة محللا ًللأوضاع الداخلية والخارجية وصولا ًللتوقعات لأكثر من عقد زمني ، والتقرير الصادرعام2004خالف ما نشر في التقرير الأخير من توقعات،فالسمة الغالبة لتلك التقارير إضفاء فسحة من التفاؤل على التوقعات حتى لا تزداد خيبة الأمريكيين , وفي ذلك محافظة على بعض من معنوياتهم ، وقد كتبت صحيفة (الغار ديان) تحت عنوان″شمس الهيمنة الأمريكية تغيب عام2025″ تقول : " هذا التقرير المتشائم للغاية يختلف كثيراً عن تقرير2004المفرط في التفاؤل والذي نُشر عقب فوز الرئيس جورج بوش لولاية ثانية،ومازالت الأوضاع الاقتصادية والمالية في حالة تردٍ " وصندوق النقد الدولي توقع أن يتساوى الدين الأمريكي مع الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة بحلول عام2015بما نسبته النسبة التقديرية لمديونية إيطاليا وإسبانيا كما ويتوقع مكتب ميزانية الكونغرس الأمريكي أن يزيد العجز بمعدل تريليون دولار كل عام حتى عام2020،موضحا أن سياسات الرئيس السابق جورج بوش والتوسع في الإنفاق على الحروب تحت حجج عديدة أدى إلى ارتفاع نصيب الفرد من الدين العام من13ألف دولارً إلى19ألفاً تلك التقديرات قديمة أصبح من الواجب زيادتها على ضوء الواقع المتمادي في الخلل , ووفق رأي العديد من الاقتصاديين سيصب كل ذلك في مصلحة الصين.



أمريكا القطب العالمي الثاني مع الاتحاد السوفيتي( سابقاً ) حكما العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية أواسط القرن الماضي،وتسببا في حروب كثيرة في فيتنام وكوريا وكمبوديا وفي الشرق الأوسط سُميت يومها بالحروب البديلة وأدت إلى كوارث أصابت عدداً من دول العالم من شرق آسيا حتى أمريكا اللاتينية , وفي نهايات القرن الماضي انتزعت أمريكا لقب القطب الأوحد بعد تفتت الاتحاد السوفيتي , ولم يدم ذلك طويلا ففي مطلع القرن الحالي تراجع دورها بعد ظهور ملامح أقطاب عالمية جديدة...بعودة روسيا وبروز الصين وحتى الهند والبرازيل، وعلى النقيض من ذلك فدول الاتحاد الأوروبي الحليف والشريك الدائم للولايات المتحدة يتوقع البعض دخول منطقة اليورو في انكماش اقتصادي لأن معظم الدول الأوروبية تسجل عجزاً في ناتجها القومي المحلي،وعلى سبيل المثال ففي البرتغال الوضع الاقتصادي يزداد تأزماً في ظل الخطة التقشفية المتبعة ، فقد شهدت ارتفاعاً في معدل البطالة لتصل الى نسبة15%وتراجعاً كبيراً في حجم الطلب على صادراتها،وليس الحال بأفضل في إسبانيا،اليونان،وإيطاليا،بل أكثر سوءاً منذ مدة ، وألمانيا ذات الاقتصاد القوي أصبحت غير قادرة على إنقاذ المنطقة الغارقة بهموم اقتصادية فاقت قدراتها،والمدير العام للمفوضية الأوروبية يرى أن منطقة اليورو لن تشهد نمواً لغاية العام 2014نظراً لتراجع معدل الاقتراض المصرفي ووصول البطالة إلى معدلات قياسية،وتقديرات المفوضية بوصول معدل البطالة بشكل عام إلى12,2%بينما في اليونان وصلت النسبة إلى27% , والدولتان الوحيدتان من جميع دول الاتحاد ألمانيا وأيرلندا شهدتا نمواً للصناعة ،وبينما تتعدد آراء الباحثين الاقتصاديين حول ثبات سعر اليورو أو انهياره إلا أن هناك آراء تحذر من العودة والإقبال على الاستثمارات بالعملات المحلية لدول الاتحاد الأوروبي تحسباً لانهياره ، والحديث في هذا المجال بات مطروحاً.....إلى هذا التوجه نحا الدكتور″عبد الرحمن الصنيع″موضحاً الانعكاسات الفعلية من رجوع التداول بالعملات المحلية ذلك سيضعف قيمة اليورو واحتمالية خروج بعض دول الاتحاد منه....تلك المتخلخلات انعكست بشكل غير مباشر على البنيان الاجتماعي لدول أوروبا فانخفضت فيها معدلات الخصوبة وارتفعت معدلات الحياة، فالغالبية السكانية ستكون مرتفعة العمر مستقبلا ًوهذا مما يضعف القدرات الإنتاجية.



هذه الاهتزازات في عالم الاقتصاد الغربي تدفع إلى التشاؤم بمستقبل هذه البلاد،فآمال الانتعاش تكاد تكون محدودة جداً،وعلى الطرف الآخر فالقطبية الصينية تعزز مواقعها الاقتصادية والبنك الدولي وفي تقرير له يبين أن الاقتصاد الصيني حقق نمواً نسبته9,1%في عام2011بيد أن هذا النمو سيتباطأ إلى8,9%في عام2012كما أن التوقعات تشير إلى أن اقتصاد شرق آسيا والباسيفيك حقق نمواً بواقع7,8%عام2012 والتوقع أن يحقق نسبة8,2%في العام الجاري لكن تراجع الطلب الخارجي نتيجة تزايد الضعف في بنيان اقتصاديات دول عدة سيؤثر على معدلات النمو الصينية والشرق آسيوية....ذلك كان رأي″بيرت هوفمان″كبير الاقتصاديين بالبنك الدولي لشؤون شرق آسيا والمحيط الهندي،ولمزيد من المعرفة المذهلة فلقد ارتفع الناتج المحلي الداخلي من147مليار دولار إلى 1,54تريليون دولار وزادت تجارتها الخارجية من220مليار دولار إلى154تريليون دولار،وزاد احتياطيها من النقد الأجنبي من167مليون دولار إلى609مليارات دولار....ذلك يوضح لماذا تشتري الصين سندات الخزينة الأمريكية خوفاً من هبوط سعر الدولار وبالتالي تأثر قيمة احتياطيها،ومؤخراً ولتجنب هذا الخطر بدأت بإبرام عقود تجارية مع الدول المجاورة لها باليوان عملتها المحلية.



وعن المستقبل الاقتصادي الروسي فالرئيس (بوتين) وفي حديثه مطلع هذا العام وتحديداً في17كانون الثاني2013أوضح أن ميزانية2012نفذت وفق التقديرات التمهيدية دون عجز موضحاً أن التضخم بلغ6,6%بينما مؤشراته كانت تشير إلى12.75%والأجور ارتفعت بنسبة8.8%وحجم الاحتياط الروسي من الذهب والعملات الصعبة ارتفع إلى537.4مليار دولار بحلول الرابع من كانون الثاني2013بالمقارنة مع533مليار دولار في أيلول من العام السابق إلا أن البنك الدولي يكشف بصورة أدق وجود عيوب لم تعالج كالفساد،ورغم الارتفاع البسيط لأسعار النفط والغاز وروسيا أضحت مصدراً كبيراً لهاتين السلعتين،وأنابيب غازها تمدد لدول أوروبا الغربية فإن الاقتصاد الروسي نما بمعدل 4,3%في عام2011وإلى3.5% في عام2012والمتوقع أن يظل عند3.6%في عام2013لتراجع المحصول الزراعي، وتأثير الوضع العالمي الأضعف.

وعلى هامش موضوع القطبيات فلقد ورد ضمن تقرير المركز الأمريكي فكرة نشوء تجمعات إقليمية تجمع بين أعضائها مصالح اقتصادية،وكلما نجحت في تحقيق التنمية المستدامة ذلك سيؤثر على مجمل سياساتها الخارجية مع دول العالم،وكتلة مجموعة أسيان في شرق آسيا والتي تضم10دول هي:

إندونيسيا،فيتنام،الفليبين،سنغافورا،تايلاند،لاوس،كمبوديا،ماليزيا،بروناي،ومينامار بدأ بعض المحللين الاقتصاديين والسياسيين بإطلاق اسم النمور الصفراء عليها،فقد أقرت دولها مشروع تحقيق الوحدة سنة2020في المجالات التالية:

الوحدة الأمنية من خلال اعتماد الحوار والسلام.
الوحدة الاقتصادية الهادفة إلى الاندماج الاقتصادي وتعزيز التبادل الحر، وتحقيق تنمية اقتصادية متوازنة.
الوحدة الثقافية من أجل تنمية اجتماعية، ورفع مستوى عيش سكان، وتشجيع المشاركة الفعالة لمكونات المجتمع وتأهيل اليد العاملة.



جولة بحثية في عالم اقتصاديات الدول والمجموعات الكبرى ألقيت الضوء على احتمالات تكوّن القوى العالمية وفق المستجدات القائمة والتنبؤات المستقبلية،وهدفنا من كل ذلك سؤال يطرح أمن استراتيجية عربية يمكن أن يرسم ملامحها باحثون ومفكرون عرب وتعززها إرادات سياسة واعية متجاهلة الواقع المتردي القائم؟!....أم سنبقى نحلم ونجتر للأسف الشعارات والعناوين البراقة الخالية من المضامين ؟!...الواقع القادم يفرض علينا كعرب وعلى بلدان العالم لتطور أوضاعها وتحمي شعوبها:

تعزيز السياسات الداخلية في إطار المشاركة الجماعية في شؤون الحكم وتقرير المصير عبر مجتمع مدني فيه الحريات مقدسة، ومنظماته معززة ومدعمة.
العمل على توطيد العلاقات الإقليمية،وعدم الانجرار إلى خلافات ثانوية يسعى لها من لهم مصالح فيها.
بات من الجلي والواضح والأفضل للعيش الإنساني الكريم في مستقبل حتمي قادم كما أظهرت التحليلات والوقائع إقامة وحدات وكيانات إقليمية متعاونة،وتسريع إرادة وجودها وتواجدها على أرض الواقع.

وفي ظل هذه العناوين الثلاثة يصعب على دول القطبية الجديدة التدخل الواسع في شؤونها...إن نظرية التآمر كانت،ومازالت،وستبقى في منطق البشرية لكن عدم حل المشاكل البنيوية والخلافات الإقليمية المفتعلة تتيح المجال لكل القوى القطبية القائمة منها والصاعدة للتدخل محولة هذه الصراعات لصالحها،وهذا ما يبدو جلياً في منطقتنا ومناطق عالمية عدة.



لقد ركزنا على الجانب الاقتصادي لأهميته في دعم وتمويل القوتين العسكرية والسياسية،والثابت المؤكد أن فكرة الوحدة العربية لم تعد مجرد فكرة وأمنية تستوحي مقاوماتها من جذور فكرية أصيلة لكن المستقبل المرعب سيطغى على بلداننا بمآسيه إن بقينا كما نحن .

وللتذكير ففي خمسينات القرن الماضي نودي بالتوجه للتكامل الاقتصادي العربي،وإلى إقامة مجلس للدفاع المشترك لكن وبعد ثلاثين عاماً وتحديداً في1980وفي مؤتمر للقمة العربية في عمان صدرت قرارات أساسية لبناء الوحدة الاقتصادية،ومن ثم الوحدة الكاملة لكن وبعد توقيع معاهدة - كامب ديفيد - بين مصر وإسرائيل غاب مجلس الدفاع المشترك،وبعد ثلاثة وثلاثين عاما على قرارات عمان مازلنا في حالة مراوحة مكانية إن لم تعد أوضاعنا إلى أسوأ مما كنا عليه في خمسينات القرن الماضي ، وعزاؤنا الوحيد التمسك بنظرية المؤامرة....ألا نرى مشاهد اجتماعية لم نألفها راحت تلوح في الأفق وصراعات الأهل تزداد،ومعيشة الإنسان العربي أصبحت ضنكاً على ضنك؟!....



حكمة لابد من الأخذ بها،وقد قيلت منذ القدم (دوام الحال من المحال)....العالم يتغير،فهل ستتوفر إرادات التغيير لدينا وعمل جاد لتكامل اقتصادي عربي بل في وحدة عربية شاملة أم سنبقى في ثورات شبه دائمة علنا نحقق ما نصبو إليه،ونتطلع له؟!....



محمد علي الحلبي










 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 11-03-2013