في ذكرى الحكيم - عادل سمارة

(الجزء الأول)

أعددت هذه الورقة وقدمتها في ندوة عام 2008 عُقدت في قاعة بلدية البيرة إثر رحيل الحكيم على وعد أن تتم طباعتها مع أربع أوراق أخرى في كتاب وفاء لدوره، لكن الكتاب لم يرَ النور. ومؤخراً دعاني المنتدى التنويري في نابلس كي أتحدث عن "الثورات" العربية وبمناسبة الذكرى الرابعة لرحيل الحكيم، وكان ذلك يوم 5 آذار 2012 فقدمت الحديث نفسه.

ويكون معنى الجمع ما بين المسألتين هو العلاقة الممتدة بين دور الرجل وأفكاره وبين ما يدور في الوطن العربي من جهة، ومن جهة ثانية قراءة الرجل بهدوء وقراءة الأحداث الحالية بقلق. هل بوسعنا جمع الهدوء والقلق؟ نعم، فالهدوء هو النظر بعين دقيقة إلى الزمن/ الوقت الماضي أو التاريخ واستخدام ذلك في الإحاطة بالأحداث ولجمها من أجل امتطائها كي يكون الشعب فارسها في المستقبل، وإلا سقط عن الجواد.

وكي أكون محدداً، فمفهوم الشعب وكذلك الأمة كمفهوم عام لا يعني كل الناس سوى في قيود النفوس حين الولادة وعند الرحيل و/أو حين تتعرض الأمة لعدوان خارجي مما يستنهض الهوية الجمعية ويحرك الانتماء الوطني والقومي دفاعاً عن الوجود العام. وربما لأن الوطن العربي يتعرض لاستهداف متواصل، تظل التوعية والاستنهاض وطنياً وقومياً من الضرورة بمكان. وما نقصده بالوطنية هنا ليس فقط أخذ خصوصية كل قطر عربي بالاعتبار نتيجة لاختلاف الظروف والبنى الناتجة عن التجزئة وعن "تطوير اللاتكافؤ" في الوطن العربي، بل كذلك لأخذ غير العرب في هذا الوطن بالاعتبار كشركاء في كل شيء، وهم بين قوميات وإثنيات وبالطبع هذا باستثناء الكيان الصهيوني. كما أن هذا لا يستثني قومية القوميات الشريكة في هذا الوطن. وعليه يكون استخدامنا للقومية العربية هو في إشكالية دائمة من حيث إنَّ الاستنهاض القومي العربي ضرورة، وإنّ استثناء القوميات الأخرى ليس مقصوداً ومن هنا كانت الإشارة إلى حقها كشريك تام.

ما نقصده بتجاوز المفهوم العام للشعب هو الرؤية الطبقية القائمة على البنية الطبقية لأي مجتمع. وفي سياق طرحنا هذا بما هو طرح عربي يقوم على قناعة فكرية نظرية اشتراكية، فإن ما نقصده أو ما نتوجه إليه بمفهوم الشعب هو الطبقات الشعبية في هذا الوطن صاحبة المصلحة في الوحدة والاشتراكية بغض النظر عن حدود عمق الوعي بهذا الشعور وتلك المصلحة وهما في الأصل نتاج تقصير القوى الاشتراكية في الوصول إلى هذه الطبقات من جهة وتفاعل هذا القصور وأحياناً تواطئه مع الاستهداف الرأسمالي الغربي العدو والمعادي.

واليوم أستغل فرصة استعادة دور الرجل من جهة وتجدد الحراك والتحريك الشعبي العربي بمختلف قواه التي تدفع إلى الأمام والتي تشد إلى الخلف، الوطنية منها والخائنة، التقدمية منها والرجعية، المنتمية وطنيا وقوميا وطبقيا منها والمتخارجة، كي أضع ورقتي هذه في هذا الكتاب مع بعض التوضيحات حين الضرورة. ولا أنسى أن استعادة دور الرجل هو تقدير لحياته النضالية التي لم تعرف التردد ولا التآمر ولا استثمار الموقع والموقف. ولا أزعم من موقعي كمواطن عادي أنني أستطيع أن أنصفه فمن حقه الكثير على الكثيرات/ين.

الحكيم: من يقاوم فهو على طريق الانتصار.

لم يعش على ولم يُعالج بأموال الفقراء واللاجئين

الذكرى حالة عاطفية، هي ما بين الحنين الفردي والنزوع الإنساني السرمدي للأبدية، والتذكر عقل، والذاكرة موقف سياسي جمعي، أما الوفاء فأجمل بما هو جمع للشخصي والوطني، للدفء الإنساني وللفكر بتجريده ونقده وانتقاده.

هذا ليست رثاء يُعدد مناقب المناضل الأصيل الدؤوب، ولا تقريظا لمواقفه. هذه محاولة لدفع الموروث والعقل إلى الأمام. وإذا كانت فيها تساؤلات ومناقشات ونقد وتطويرات، فموجهة لنا نحن الذين ما زلنا نفعل شيئاً ما فوق التراب، ولغير هذا لم يكن لي أن أتحدث! أسوق هذا كي لا ينشغل أي رفيق أو صديق في كوني لم أُبدِ حزناً أو تفجُّعاً. وهذا يدفعني لشكر كثيرين فعلوا ذلك، ففتحوا الباب واسعاً هكذا لتشغيل وإشغال التحليل.

محاولتي متواضعة للمرافعة أمام تاريخ قاسٍ، متحرك بأسرع منا لأن من يحركونه سبقونا بكثير، تاريخ ماثل أمامنا، بل نحن نمثل أمامه ربما مخفورين جميعاً. وثانيةً، أؤكد، إذا كانت هذه محاكمة للحكيم الراحل، فهي محاكمة لي ولكم قبله، بل ليست محاكمة له، إلا بمقدار أن النضال والفكر ملكية خاصة وهما ليسا كذلك. وهذا ما لم يكن أبداً، حتى لمن آمن بالملكية الخاصة. كما ليس هذا الحديث بوحاً بعلاقة خاصة ومباشرة ويومية فبين اللقاءات الأولى بالرجل من 1963-1967، وآخر اتصال هاتفي قبيل رحيله بأشهر مسافة بطول عذابات شعبنا.

ما أود قوله في هذا المقام هي تساؤلات أكثر منها تقديم إجابات نهائية القصد والمحتوى. ما أودّ قوله ليس تعداداً لأطروحات الحكيم ونضالاته لأقول: هكذا يجب أن نفعل اليوم، فلست من القائلين بـ: "ما أشبه اليوم بالبارحة". فكل يوم هو يوم آخر لأناس آخرين.

ولكي أتعلم من المستمع والقارئ، تساؤلاتي هي:

· هل ما توحي لنا به النظرية هو المعيار؟ وهل يمكن للنظرية والتطبيق أنْ ينفرجا إلى درجة التناقض ومع ذلك يبقى الحزب هو نفسه؟ هذا يوجب قراءة التجارب ولكن بالمِشرط.

· هل ما آلت إليه أوضاع الشعب والأمة والطبقات الشعبية والحركة السياسية والوطن أيضاً هي التطور الذي لا رادَّ له؟

· هل هناك قومية عربية واحدة أم اثنتان؟

· هل هناك تحالف بين أنظمة الكمبرادور العربي والطبقات (بما فيها الإدارات) الحاكمة في المركز الرأسمالي في مراحله الثلاث: (الاستعمار والإمبريالية والعولمة)؟

· هل من دور بقي للبرجوازية العربية سواء كقائدة أو مقودة في مشروع الوحدة والتحرر والاشتراكية؟

· في عالم القطبية الواحدة، وبانتظار تعدد قطبي، هل حقاً أن أميركا هي الدولة المستقلة الوحيدة، وأن أوروبا واليابان مجرد أنظمة حكم ذاتي وبقية العالم مستعمرات؟

· هل هناك حبل سُرِّي ومصير موحد بين القطرية العربية منذ سايكس-بيكو والكيان الصهيوني الإشكنازي؟

· هل للوحدة العربية من معنى وإمكانية خارج سياق الاشتراكية والمصالح المادية للطبقات الشعبية، وما هي راهنية الاشتراكية؟

· هل القومية العربية مجرد ذلك المتخيَّل؟ هل الأمة العربية خُرافة أم هي حالة متغيرة مقودة بمصالح مادية للطبقات الشعبية؟

· هل الدولة الواحدة ممكنة بدون إسقاط نضالي للكيان الصهيوني، وهل لها معنى ما لم تكن جزءاً من الوطن العربي وعلى أرضية الاشتراكية؟

· هل انتقل ثقل الثورة العالمية إلى المركز حدِّياً كما كان مفترضاً تمركزه حدِّياً في المحيط؟

لو كان لي لقاء بالحكيم، لكانت هذه من موضوعات الحديث. وأرجو أن يكون دوري هنا طرحاً لهذه التساؤلات بشكل علني لأن داخلي لا يقوى على احتوائها ومعالجتها ولا كبتها، كما أن طرحي هنا ليس أكثر من مقاربة لبعضٍ من كل واحدة منها. واسمحوا لي بكلمة مختلفة في هذا المقام. فهذه القضايا على ضخامتها ونوْء العقل والجسد بها، هي عاجلة وليست كما يردد أصحاب المقالة الصحفية بأن الاشتراكية والقومية لا يتحدث بهما أحدٌ هذه الأيام. ليس هذا هو المعيار بل المعيار: ما الذي يوقف بربرية الرأسمالية المتغولة علناً غير الاشتراكية؟ أو هذا ما نقترحه ولعل غيرنا يقدم غيره. ألم تنتقل الرأسمالية في حقبة العولمة من استغلال الأفراد والطبقات إلى ذبح شعوب بأكملها؟ هذا حال العراق، وليس فلسطين فقط! وهل يمكن تحرير فلسطين والمحتل من سائر أرجاء الوطن عبر القطرية التي تتصاغر إلى جعل الصراع بين حامولة كذا والجبهة الرأسمالية الصهيونية المعولمة.

التجربة الشخصية:

التقيت الحكيم في ميعة العمر، وتواصلت معه قليلاً في تقدمه النسبي. كان ذلك عام 1963 حين ذهبت للدراسة في الجامعة اللبنانية، وكنت في بدايات عضويتي في حركة القوميين العرب إثر خروجي من المعتقل حيث شاركت وأُصبت بطلقة لا تزال في ساقي اليمنى في مظاهرات خرجنا يوم 21 نيسان 1963 نطالب بضم الأردن إلى الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا والعراق.

كان لافتاً في الرجل هدوؤه وشبه صمته، وتحدثه بعد الجميع. وكنت أُدهش من شدة الوصل بينه وبين وديع حداد، المتحرك والمنفعل والمباشر دائماً. أرسلني والدي للدراسة المداومة، لكن الحركة طلبت مني التسجيل والعودة لحاجة الحركة إلى كوادر قيادية. كنت أرتبك وأندهش في داخلي: أية قيادة، وأنا غضٌّ في كل شيء! قضيت في بيروت آنذاك بضعة أشهر أتنقل بين مكتب مجلة الحرية في رأس النبع، وبين مكتب المحرر في بناية العيزية بساحة رياض الصلح وبين الجامعة في الصنايع. وخلال تلك الفترة أجمع كلاهما الحكيم وأبو هاني على أن أكون "رسول الغرام" (هكذا أسماني محمد رسول الكيلاني مدير المخابرات الأردنية آنذاك أثناء اعتقالات 1965)، أي ناقل رسائل قيادة إقليم الأردن إلى قيادة حركة القوميين العرب في بيروت. وبقيت أتردّد على بيروت ربما كل شهر بحجة أنني طالب جامعي. قال لي ذات مرة ضابط حدود لبناني: "أنت طالب أم تاجر؟"

لم أكن لأرى الرجل كثيراً، فقد كان ارتباطي التنظيمي مع وديع حداد، وكنت ألتقي الحكيم أحياناً في بيت وديع في بيروت، طلعة حاج نيقولا، عمارة سنجر. كان بيته مكان اختفاء لا تعرفه إلا قلة. طالما تساءلت ما معنى حاج نيقولا؟ لم أكن أعرف أن هناك حجيجاً مسيحيين للقدس؟

حضرت في تلك الفترة عدة مؤتمرات للحركة ولإقليم فلسطين، ولكن كمراقب وليس كعضو له حق التصويت. ذات مرة طلبوا مني تدوينَ المداخلات، فملأت دفترين. وحينما حاول عامل الطباعة طباعتها كنت مضطراً للبقاء إلى جانبه ثلاثة أيام أقرا له خطي التعيس. كان الحكيم، يتحدث متأخراً هادئاً ودقيقاً ومقنعاً. كنا نحن الفتيان من بين الحضور، لا ندري كيف تبقى السيجارة غير والعة معلقة في شفته العليا لساعات؟

عرفت في بيروت أبو ماهر اليماني، الذي كان له أن يُعرضني للاختطاف والتحقيق لمعرفة مدى صلابتي إذا ما اعتقلت وأنا أحمل رسائل القيادة ونفقات أبطال العودة. كيف لا، وأنا أمر من ثلاثة حدود لسايكس-بيكو، الأردن وسوريا ولبنان. وتعرفت إلى عبد الكريم حمد أبو عدنان. وجهاد ضاحي (سوريا)، وسيف الضالعي (جنوب اليمن) الذي سألني ذات مرة في أحد المؤتمرات: "وبتحسِن تِقرا؟"

كانت الحركة آنذاك قد تبنت الاشتراكية، ولكن بعمومية المفهوم وبموقف أقرب إلى الاشتراكية الديمقراطية. وكما أذكر كنا نقرأ الفابية وكتابات ج.د.هـ. كول وغيرها. ولكن هناك في بيروت وبمتابعة الدراسة كنت أنتقل بهدوء متواضع إلى الفكر الاشتراكي العلمي، بتسميته الماركسية، تمييزاً عن حصر الشيوعية في الأحزاب الشيوعية.

آنذاك، كانت مجلة الحرية تنشر قضايا هامة مثل وصايا تولياتي، ونظرية إفزي ليبرمان (وهذه أسست للانحراف اليميني في الاتحاد السوفييتي)، ومقالات لمحمد كشلي ومحسن إبراهيم وغيرهما.

لم يطل مقامي في بيروت كثيراً حيث كنت زائراً أحمل البريد السري، كما تخللت ذلك فترات اعتقال في الأردن. وكان آخر عهدي بالحكيم والرفيق وديع في رحلتي إلى بيروت بعد أن أفرجت المخابرات الأردنية عن جواز سفري المحتجز لديهم بهدف تعطيل دراستي الجامعية. كان ذلك يوم 29 تشرين الأول 1966 بعد عشرة أيام من عملية قامت بها خلية لأبطال العودة قرب مستوطنة يفتاح بمنطقة عكا وفيها استشهد محمد رفيق عساف، ومحمد اليماني وسعيد العبد سعيد وجرح واعتقل سكران محمد سكران. كنت حين أصل بيروت أتوجه إلى بيتهم في حارة حريك على حافة برج البراجنة. ذهبت إلى بيتهم ولم أكن أعلم شيئاً عن كل ذلك. وصلت المنزل وطرقته فلم أجد أحداً. ذهبت إلى بيت أحمد الأسمر وكنت أحمل لوالدته الطيبة بعض التمباك. وقلت له ذهبت إلى بيت الشباب ولم أجدهم!

دُهش أحمد وقال: ألم يُمسكك "الدَرَكْ والمكتب الثاني"؟

قلت لا.

فأخبرني بما جرى. ربما كانت تلك الليلة من أشد ما في حياتي، لم أنم قط ولم أتحدث قط. وبقيت في بيروت حتى 3 حزيران 1967 أي قبل الحرب بيومين. وبما أنَّ الحرب كانت على الأبواب، كان على بعض منا قطع دراسته والعودة للوطن لواجبات أثناء الحرب.

كان ذلك آخر عهدي بالحكيم والرفيق وديع، وبالدراسة في لبنان.

كان عدوان 1967، وخرجت إلى عمان لمواصلة الاتصال وعدت في آب من نفس العام. وكان تشكيل الجبهة الشعبية وتحولنا إليها. ما أود ذكره هنا أننا كنا خمسة في قيادة الجبهة للضفة والقطاع، أبو علي مصطفى وأحمد خليفة وعزمي الخواجا وعبد الله العجرمي وأنا. وكنت أصغرهم سناً. ولحق بنا لاحقاً تيسير قبعة وأسعد عبد الرحمن كتعزيز للقيادة المتقدمة. من بين ما ناقشناه كان اقتراح مني ومن أحمد خليفة بإعادة تشكيل الحركة إثر الاحتلال وليس الاكتفاء بخلايا مسلحة. لكن الثلاثة الآخرين فضلوا العمل المسلح وحده. وآزرهم تيسير قبعة بشدة. وبالطبع، لم أكن أعلم آنذاك أن قراراً بحل حركة القوميين العرب قد أُتخذ. ولم أقرأ حتى اليوم تحليلاً ضافياً للأسباب.

انشقت الجبهة في الخارج وكنت ممن انشقوا داخل السجن على أرضية الماركسية، حيث كنا قد اختلفنا داخل السجن على قراءة الماركسية، وعليه، ما ان عرفت أن انشقاق الجبهة كان على هذا الأساس، فقد أعلنت أنني مع الطرف الماركسي دون أية معرفة به او علاقة معه، اي الجبهة الديمقراطية. وهذه مسألة ليس مكان طرحها هنا. وهذا قطع تواصلي بالحكيم، إلى أن تلقيت هاتفاً عام 1996 من مسؤول مكتبه في عمان، أعتقد أنَّ اسمه سهيل. قال الحكيم يريد التحدث معك.

سألته أولاً عن صحته، فكان رده الفوري، ليس المهم صحتي! طرح لي فكرة إدارة فرع لمركز للأبحاث برام الله ووصف لي الفكرة، ووافقت على ذلك واستمر التواصل ربما لعام، إلى أن انقطع الرجل دون سابق إنذار. وبقيت لأعرف ملابسات هذا التغير الغريب ذات يوم في شيكاغو في عشاء بمنزل ثري يساري لم أعد أذكر اسمه ليشرح لي السبب. رفيق من الحزب الاشتراكي اليمني في الجنوب. لا أدري كيف ترتب اللقاء، ولا أدري لماذا أصرّ الرجل على الجلوس إلى جانبي وليفتح الموضوع، ويكشف لي الكولسة التي اضطر الحكيم لقبولها.

ما كنت أتمنى قوله للحكيم بكل محبة: حبذا لو تعلم أيّها الرفيق النظيف أنني تعلمت من أبي الفلاح الأمين كره العمل المأجور، حتى لو في مركز للأبحاث. كان سيتفهم ذلك تماماً، كيف لا، وذات مرةّ "صرخ بي الرفيق وديع عام 1965 قائلاً: يا أخي ماو تسي تونغ يأخذ تفرغه"! ولم آخذ رغم ذلك.

نادراً ما كنت أتمكن من السفر عبر عمان، فحدود سايكس بيكو اكتملت بعد الاحتلال الثاني 1967، لكنني في تلك المرات القليلة لم أعثر على الحكيم في عمان. كان لي طيب اللقاء بهاني الهندي، وبهجت أبو غربية وأنيس صايغ وغيرهم.



(الجزء الثاني)

الوحدة العربية:

قال الحكيم:

"إنَّ الوحدة العربية ضرورة وحاجة موضوعية لأن الشعوب العربية ستدرك عاجلا أم آجلا أنَّ انعتاقها وتحررها وتقدمها لا يمكن أنْ يكون إلا من خلال وحدتها واستقلالها وتحررها الاقتصادي والسياسي وتصفية تبعيتها للإمبريالية من خلال مواجهة أنظمة الحكم التابعة والذيلية".

إذا افترضنا هذه قاعدة عامة في تاريخ الرجل، وهي كذلك كما أعتقد، ولأنها لدى الكثيرين/ات اليوم مسألة مرفوضة حتى دون وعي يترتب عليها أكثر من سؤال. في حقبة العولمة، وهي حقبة التحالف "الشديد والدموي" بين رأسمالية المركز وكمبرادور المحيط في الوطن العربي، لم يعد سهلاً الحديث عن شعب أو أمة ككتلة واحدة. فالوحدة والتجزئة هي معركة طبقية في الوطن العربي. فالعروبة والقومية ومن ثم المشروع النهضوي بمكوناته الوحدة والتحرر والاشتراكية هي مشروع الطبقات الشعبية وهي مستهدفة بالتدمير من الطبقات المتخارجة الكمبرادور الرأسمالي والثقافي وكمبرادور المخابرات والقمع العسكري. لذا، في هذه الحقبة تحديداً، يصبح الحديث عن الشعب أو الأمة ككتلة واحدة متماسكة مثابة نقل الوعي والنضال إلى منطقة رمادية.

أصبح لازماً التحليل المادي المعمق والنقد الجريء الحارق بحامض الكبريتيك وحتى بالكلمات النابية ليشكل هذان معاً مهمازاً لتحريش وتحريك عنف الطبقات الشعبية التي خينت على يد الكمبرادور ولا تزال. أعرف تماماً أن هذا سيلقى تبرماً وهجوماً متنوعين ممن رنخوا في القُطرية: هذا ليس أوانه، هذه ليست فترته، من يقول بهذا...؟ لا بأس، ولكن حينما يتخلى الوعي والفكر عن قناعاتهما العلمية، إنما يخون البؤساء الذين قضت الهيمنة واستدخال الهزيمة على وعيهم الطبقي والقومي. وما مجاراة من لفَّتهم إيديولوجيا الطبقات القطرية الحاكمة سوى مشاركة في جنازة النهضة. ولا يمكن التأسيس للحظة التجاوز إلا بالتمسك بلحظة النقد والتحليل والموقف.

إذا كانت البرجوازية العربية، أو بعضها، قد حملت حقاً مشروع الرسملة، فالحقيقة أنها فشلت وانتهت إلى كمبرادور ولم تبق على الولاء الوطني سوى شريحة من أصحاب الصناعات المحلية التي بقي سوقها محلياً وتجاهد كي تحافظ عليه. هي مرحلة انتقالية لقرن كامل لم تنته لا اشتراكية ولا رأسمالية. عجباً كم هي مديدة هذه المرحلة! وعليه، فهي لم تتخلَّ عن دورها المفترض حسب التجربة المركزانية الخاصة الأوروبية، بل في الغالب الأعم لم تؤمن بالمشروع ولم تحاوله. وتتجسد صورتها اليوم في حرق تريليونات دولارات النفط التي تتحول إلى رأسمال كسول يُهدى ثانية إلى المركز الرأسمالي المعولم لينفقه على ذبح العراق وجنوب لبنان وغزة ونابلس، ولرشوة الدالاي لاما وربما عقد قران ساركوزي على صديقته.

لعل ما يجعل من ظاهرة الكمبرادور حالة مرض مستحكمة هو الطفرات النفطية المتكررة، تسونامي السيولة الدولارية التي تجعل من دور الكمبرادور غاية في السهولة. كما يجعل الإنترنيت وعالمية الاتصال من الثقافة والتحليلات من الغرب الرأسمالي تسونامي ثقافياً ومعلوماتياً يُحوِّل مثقفينا إلى كمبرادور عاجز عن المقاومة ومحترف ازدراد ما لا يهضمه وتكرار حالة اللاهضم هذه. وهكذا، كما تمكنت منتجات الغرب الرأسمالي من سحق الصناعات الجنينية في بلادنا، تتمكن تحليلات مثقفي النيولبرالية من تجهيل أمتنا بأفضل نتاج المفكرين منها. تسونامي المال والثقافة هذا يقوي من قبضة الكمبرادور على الطبقات الشعبية ويوحي بأن لا مخرج من هذا "النمط الآسيوي للكمبرادور" إلا بحركة داخلية للطبقات الشعبية، حزبها. إذن تستدعي هذه الحالة حركة مقاومة على صعيد قومي. وبما هي على صعيد قومي، فهي ليست مجرد حركة قومية كلاسيكية كالتي عليها اعتدنا وتربينا.

في هذا المستوى، لم يتخلف الحكيم عن المهمة بقوله:

"أنا ماركسي. يساري الثقافة، التراث الإسلامي جزء أصيل من بنيتي الفكرية والنفسية. معني بالإسلام بقدر أية حركة إسلامية. كما أن القومية العربية مكون أصيل من مكوناتي... إنني في حال انسجام مع قوميتي العربية، ومسيحيتي وثقافتي الإسلامية، وماركسيتي التقدمية"... "إنني لا أجد تناقضا بين كوني عربيا يؤمن بالأمة العربية وبين أن أكون اشتراكيا حقيقيا".

هنا سوف يصفِّق من يتهمون الحكيم بأنه مجرد قومي كلاسيكي وأنه ليس علمانياً. فهم لا يفرقون بين حق الناس في الإيمان الطبيعي وبين كون الإسلام مكوناً من مكوناتنا الثقافية وبين أنْ يكون الشخص إسلاميا بمعنى الدين السياسي ولكنهم هم أنفسهم يصرون على تسمية فترتي الأمويين والعباسيين بالإمبراطورية العربية الإسلامية أي يصرون على ربطها بل حصرها بالإسلام، بمعنى أنهم يؤسلومننا حين يشاؤون ويعلمنوننا حين يشاؤون. وقد يكون المعيار الأفضل أن يسأل كل امرئ نفسه: هل أسقط الماركسية من حسابه بعد تفكك الكتلة الاشتراكية المحققة؟ وهل كان من النفاق بمكان أن عاد لاستخدام هذه الدمغة بعد حصول الأزمة المالية الاقتصادية الأخيرة في العالم؟ ليست الشيوعية قطاراً تركبه في محطة وتتركه في أخرى!

تتطلب ذكرى الوحدة حركة واحدة، وبغير هذا يبقى الأمر مجرد عواطف وذكريات وشعارات. صحيح أن هناك آليات جديدة يفرضها واقع لا يقصد نتائجه بالضرورة، صمود الفصحى، الفن ببعده القومي عبر اللغة من جهة وعبر ضرورة السوق وعبر وحدة التذوق، وحتى الأغنية الساقطة تُشعر العربي أينما كان بأنه عربي، والفنون بمعظمها. وفوق كل هذا يفرض الإنترنيت تواصلاً عربياً. بكلمة أخرى، فدور الحركة الواحدة هو أساساً تربية المواطن على ضرورة الوحدة بما هي آلية للتنمية والكرامة والديمقراطية وصولا إلى الاشتراكية. ليس المقصود حزباً حديديا كما لا يزال البعض يردد، بل المقصود عملية حوارية تربوية، إعادة تثقيف، مشاركة الطبقات الشعبية في قراءة وتحليل المشترك القومي وتطويره. يجب تناول الوحدة العربية بعيداً عن لحظات الأزمات الحارقة. فحينما يرتفع سعر النفط يبدأ الحديث عن وجوب تبرع دول الفائض لدول العجز. المطلوب تربية المواطن على التشارك في إنتاج الثروة بعيداً عن الدول القطرية، عن الطبقات الكمبرادورية الحاكمة، ذات الريع، وذات الفقر.

ولكن يبقى حجر الأساس في أمرين:

· المصلحة المادية للأغلبية الساحقة في الوحدة وهذا أمر أرضيته عروبية اشتراكية وليست عروبية رومانسية وحسب. هذا دفع الرومانسية إلى وجوب التجسيد المادي.

· وجوب الحركة السياسية الحامل لهذا وتحويله إلى مشروع، ولكن بحزبية جديدة.

لكن مقابل هذه العوامل التي تحاصر القطريين والانفصاليين والتجزيئيين، هناك آليات قوية بأيدي هؤلاء. من نافلة القول ذكر الكيان الصهيوني الإشكنازي، ودور الرأسمالية المعولمة اليوم، ومشروعها للشرق الأوسط بما فيه التسوية هنا. هناك آليات داخلية مثل تفاوت الثراء جغرافياً، بل التخمة مقابل الجوع، وهيمنة أنظمة الريع على ذهنية المواطن الخليجي حتى الفقير بأن بقية العرب يريدون مقاسمتهم وجرهم إلى الفقر. يتحول المواطن هناك إلى شعور صاحب الامتياز الذي يحرص على امتيازه كملكية خاصة. هذه الهيمنة المتخلفة تشكل عائقاً شديد التعقيد خالقة أو فاتحة الأبواب لحالات من الاستهلاكية المريضة بالسمنة وعدم العمل واستئجار عمالة وخدم للقيام بأبسط الأعمال وأكثرها التصاقا حتى بجسد الفرد! أما ما لم تمتصه طفيلية الاستهلاك فيركد كأموال كسولة تجد طريقها في النهاية إلى البنوك الرأسمالية الغربية، إلى رأس المال المعادي. هذا دون إغفال انتشار الاستهلاكية على الصعيد العربي بأكمله وسلوك الطبقات الكمبرادورية الاستهلاكي الذي يفوق ذلك الخليجي، حيث أنّ كثيرا من هذه الطبقات وأبنائها وبناتها يرون في أنفسهم حالات استهلاك عصرية (ألا - فرانك) وهذا نجده حتى في الأراضي المحتلة. أما مؤخراً فقد تزايدت أمراض المذهبية والطائفية والجهوية.

حركة واحدة:

هو السحر بعينه! كيف تمكن هؤلاء الرواد من إقامة حركات على الصعيد القومي في مناخ قطريات سايكس-بيكو وتخلف كافة أدوات الاتصال سواء من حيث التحادث أو المكاتبة أو التنقل...الخ. ولماذا نتحلَّق نحن اليوم في حالات قطرية وكيانية وجهوية تعجز عن مجرد التحاور رغم شبكات الإنترنيت التي تخاطب حتى موتى الإنسان الأول؟ هل يمكن استخدام وسائل الاتصال الجيدة في تجسيدات تنظيمية وليس مجرد افتراضية أو تحريك الشارع لحدث معين ولاحقاً يعود كشخص ليعيش ويفكر كفرد يشغله قلقه الحياتي اليومي أمام غول السوق؟

حركة القوميين العرب:

في سؤال من محمود سويد:

"(ص 26) لو فكرت الآن في إعادة تأسيس حركة قوميين عرب جديدة، ماذا يبقى وماذا يضاف؟" الجواب لم يناقش السؤال مباشرة وإنما تركز حول الوحدة العربية والأشكال التي من المحتمل أن تتخذها.

لست واثقاً من أن القول التالي المنسوب للحكيم هو من قوله:

"لقد سقط الدور القيادي للبرجوازية القومية دون أن يسقط دورها التاريخي.. والذي يحكم علاقتنا معها هو التحالف والصراع... وليس لدينا هانوي العرب لكي نأتمنها على مسيرتنا".

لو كان لي أن أناقش الرجل في هذا الأمر الهام، لقلت: بما أنّ الدور القيادي للبرجوازية العربية قد سقط، أو قد أسقطته هي بيدها ومصالحها، فإن علينا أخذ دورها التاريخي كطبقات شعبية، وهذا ما يميز الطبقات الشعبية من حيث دورها وطموحاتها وحقها مقابل البرجوازية حتى لو كانت إنتاجية. فالدور التاريخي ضرورة، والضرورة هي لمن يبادر فيلتقطها وينطلق بها. هي راية كما حصل في معركة مؤتة.

صحيح أن العلاقة مع البرجوازية "قومية" التوجه هو تحالف صراع. ولكن مع البرجوازية الكمبرادورية يختلف الأمر. فهي تصفي وطناً بأسره. هي تحول أمة بأسرها إلى أفواه آكلة لا أيدٍ منتجة ولا أدمغةٍ فاعلة هادفة التراكم. من وراء هذا في التحليل الأخير؟ لو حاول الحكيم تفصيل "فصائل" البرجوازية لَوَصَل إلى استنتاجي وأبعد.

هذا لا يفسر حل حركة القوميين العرب إلا لمقدار تثبيت تهمة أنَّ الحركة كانت أداة بيد عبد الناصر. ولا أثير هذا للتقليل من دور عبد الناصر، ولكن عبد الناصر هو في النهاية نظام حكم قارب الاشتراكية ولم ينجزها، بينما الوحدة مصلحة الطبقات الشعبية على صعيد الوطن بأسره. لذا، فهزيمة الأنظمة في حرب 1967 كانت موجهة ضد الوحدة، مما يفترض القيام بعملية تجليس مسألة الوحدة في الحضن الشعبي بدل الرسمي المهزوم وهذا يؤكد وجوب عدم حل الحركة. غياب هانوي العرب لا يعني غياب الشعب العربي. فلم نعترف لمرة واحدة أن هذه الأنظمة تمثل الشعب العربي. وهذا يؤكد وجوب بقاء الحركة وليس حلها.

"كان تصوري أن نقيم قواعد أيضاً في سوريا فزجوا بي يومها في السجن"(ص 50)

ألم يكن هذا طبيعياً طالما أصبح الفلسطينيون يعملون بشكل قطري؟ ألم يكن المفترض أن تفعل هذا حركة القوميين العرب هناك، وأن يتم النضال ضد قطرية النظام من داخل البلد، من الثوريين السوريين كعرب لصالح الوحدة وفلسطين؟ وطالما أن الكل قطري، فليس مستغرباً أن يتم ذلك من سوريا، فالنظام السوري لم يكن خارج لعبة القطرية.

في تفسيره للعلاقة مع حزب العمل الاشتراكي وعدم تشكيل أو إعادة تشكيل حركة القوميين العرب قال الحكيم:

"إننا منشغلون بأعباء ومعارك الحلقة الفلسطينية، أما أن نتولى مهمة حزبية قومية فهذا يتطلب إمكانات تفوق إمكاناتنا... أما الوصول لرؤية برنامجية قومية فهو يصطدم بعقبات ليس وحدنا من يذللها ناهيكم أن الإرادة اليسارية العربية لا تنحصر في حزب العمل".

هذا يؤكد قولي بأن العمل النضالي في القطر الواحد، طالما القطرية قائمة، لا بد أن يكون بأيدي ومبادرة المواطنين هناك. لا شك أن هذه المهمة ليست محصورة في الفلسطينيين ولا في أي قطر لوحده. ولكن وجود حتى هيئة تنسيقية لحركة عربية واحدة كان يمكن أن يتطور إلى شيء مختلف عن ما هو قائم اليوم. صحيح أن الموضوع الفلسطيني أوسع من أن يسمح بدور يقود الساحة العربية، ولكن كان لا بد من إيجاد عمل حزبي أو حركي على صعيد قومي. وهذه ليست تقصيرات الحكيم وحده، بقدر ما هي مشكلة كل من عايش المرحلة.

ورغم ذلك الانشغال، لم يبتعد الحكيم عن هذه الضرورة، وإن كان لم يتمكن من تنفيذها أو تجذيرها، بقوله "... بحيث نعمل ونسعى لأن تكون الجبهة أحد أنوية العمل القومي على امتداد الساحة العربية".

ويقول أيضاً:

"... إنَّ مواجهتنا وتصدينا للواقع السياسي المعقد بات يتطلب العمل الجاد لإحياء واستنهاض حركة الجماهير العربية من خلال إعادة الاعتبار نظريا وعمليا لشعارات الوحدة العربية والديمقراطية والتقدم الاجتماعي والعمل على إقامة أوسع جبهة عربية، من خلال تحالف عريض يضم كافة التيارات والاتجاهات السياسية المناهضة لما يسمى بالنظام العالمي الجديد. أي التيار الوطني والقومي والماركسي والأصولي الديني المتنور".

تشكل الفقرتان أعلاه مدخلاً للتعامل مع المهمة، ولكنهما لا توحيان بمشروع متماسك للتنطح لها. فعبارة "العمل القومي" مسألة عروبية بوضوح، ولكنها عامة كذلك. فأي عمل: هل هو عمل الأنظمة، حتى بشقيها القومي التقدمي والتجاري الكمبرادوري المتوكئ من المهد إلى اللحد على المركز الرأسمالي والخادم له ما بقيا كلاهما حيَّيْن؟

أما الفقرة الثانية، وهي لا شك أكثر تجذيراً من الأولى، ولكنها تنتهي إلى حالة فضفاضة. تبدأ باستنهاض حركة الجماهير العربية وتنتهي بقيام أوسع جبهة عربية تضم كافة التيارات.

لا بأس، ولكنْ، من يجب أن يقود هذه الجبهة؟ أم هي ديمقرطية العلاقة على طريقة جامعة الدول العربية؟ دورها فرض كفاية لا فرض عين، ومن حيث المهام لكلٍّ حق الاختيار المنفلت، كما يرى، بغض النظر عن وضوح أو عمى الرؤية. أما الأصولي الديني المتنور فقد يكون حليفاً في فترة القتال المسلح ضد الاغتصاب الصهيوني أو الاحتلال العسكري الأجنبي، وحتى خلال هذه الظروف لن يكون مأمون الجانب. فجماعات الدين السياسي، كالإخوان المسلمين، طالما تحالفت مع الأنظمة العربية وفتحت نوافذ حوار مع الولايات المتحدة والغرب الرأسمالي. لا يمكن لقوة سياسية منع أخرى من النضال الوطني ولكن التحالفات مسألة يجب أن تكون بأعلى دقة ممكنة.

والسؤال المعلق، وهذا موجه للجبهة وليس للحكيم: هل انتهت الجبهة إلى أحد أنوية العمل القومي؟ نواة لحركة عربية واحدة؟ قد يعتقد البعض أن هذا المشروع انقضى زمانه؟ لا بل هناك تكاثر لمن يغطون في هذا الاعتقاد أو يستفيدون منه. لكن تغوُّل رأس المال العالمي وتكتيل تكتلات هائلة فيه، واقتراب الكيان الصهيوني من الاندماج المهيمن في وعلى الوطن العربي، وتطبيق المركز لمشروع: "تركيز المركز وتذرير المحيط" بما يحمله من شرائح وشلل ومافيات فئوية وطائفية ومذهبية مركبة على عشائرية وحتى حمائلية لا توحي بغير خيار الحركة العربية الواحدة. المشروع التنويري والعلمي والعلماني. فلا يمكن لحريات منفلتة هنا وهناك في القطر الواحد وحتى في جزء من القطر وربما في حارة، لا يمكن لهذا التذرير اللامتناهي أن ينتج حالة تغيير ولا تنمية ولا بالطبع اشتراكية.

إن الحركة الاشتراكية نقيض حتمي للقطرية وتمفصلاتها المنحدرة إلى مستوى الأسرة والذات الفردية. وهذه مسألة علينا إعادة قراءتها عربياً. ولا يخفى أن الانحصار القطري جعل من السهولة بمكان خلع ثوب الاشتراكية كما تفعل الأفاعي.

ثم يكمل: "كنا نراهن على التحرير من خلال الوحدة، فجاء الانفصال ليضعنا وجها لوجه أمام ضرورة العمل القطري (سويد ص 18). لست واثقاً من دقة هذا الطرح. قد يكون الأصوب أن الانفصال وضعنا، أو كان يجب أن يضعنا، أمام ضرورة العمل ضد القطرية، العمل في القطر الواحد رغماً عنا، ولكن العمل ضد القطرية الواحدة قناعة منَّا.

القومي والقطري:

"حزب العمل الاشتراكي العربي أحد فروع الحركة". لكن لماذا حلت الحركة نفسها؟ هذا السؤال برسم الإجابة ليس إلى الحكيم نفسه أو وحده وإنما إلى الجيل القيادي الذي قام بذلك. فإذا كانت الهجمة ولا تزال ضد الأمة والوحدة العربية، فلا يمكن أن يكون التصدي بحل حركة ذات بعد قومي إلا إذا كانت الحركة نفسها قد يئست من البعد القومي سواء كفكر أو كضرورة أو إذا كانت حركة قُطرية بثقافتها. وربما كان هذا صحيحاً لا سيما أن الحركة تلخصت في الجبهة الشعبية كتنظيم فلسطين ببعدين وطني وأممي دون بعد قومي. وقد يكون هذا تساوقاً مع أطروحة الاتحاد السوفييتي والحركة الشيوعية التقليدية التي ترفض القومية العربية وتنحصر في النطاق القطري.

قال الحكيم:

" تعرضت القضية لانحرافين:

1- طغيان العام العربي على الخاص الفلسطيني مما غيب الهوية الفلسطينية رغم وجوب إبرازها في مواجهة عمل الصهيونية لطمسها.

2- نتج بعدها سيادة روح القطرية الفلسطينية التي وصلت أوسلو." ( سويد، ص 79).

فالمسألة انتقلت من الحد الأقصى إلى الحد الأقصى المقابل، من خلل على حساب قطر إلى خلل في قوى القطر نفسها. ألم يكن طبيعياً تدهور الحركة الوطنية الفلسطينية إلى قطرية ضيقة وتورطها إذن في الاعتراف بالكيان؟ فطالما تورطت الحركة الوطنية الفلسطينية في القطرية وفي علاقات مع الأنظمة العربية، يغدو من الطبيعي أن تنتهي في اتفاقات أوسلو مبتعدة عن حركة التحرر الوطني العربية التي لا شكَّ كانت في انحسار.

ما العِلَّة إذن؟ بل هي علل. ولكن يهمنا التأشير إلى واحدة هي أكثر تعلقاً بمناقشة إرث الحكيم. الحركة أو التنظيم القومي. فالتحلُّق القطري الذي أصاب التنظيمات القومية، وإن كان البعث قد تميز بعدم حلّ بنيته القومية رغم أنها لم تتفعَّل من ناحية عملية، إلا أن مختلف الحركات القومية الامتداد لم تعد قائمة. وهذا أعطى شرعية للقطرية الرسمية حتى لو من باب ملء الفراغ. فكلما تراجع البساط القومي اكتست الأرض بالتصحُّر القطري. فالطبيعة ترفض الفراغ، ومن يفرغ قِدره من اللحم يملأه بالماء والحصى.

أحد الإشكالات النظرية العالقة هنا هي أنَّ القطرية متطابقة تماماً مع تجزئة سايكس-بيكو، أي مع مصالح البرجوازيات التابعة. لقد أثبتت التجربة أنَّ الدولة القطرية ترتبط بحبل سُرِّي مع الكيان الصهيوني ترابط بقاء للطرفين. وهي متناقضة بخطورة مع المصالح والقناعة الكامنة لدى الطبقات الشعبية بالوحدة، بغض النظر عن عمق ثقافتها ووعيها القومي وحتى الطبقي. ومن هنا، فإن تحويل حركة القوميين العرب إلى منظمة قطرية هو حالة من الازدواجية:

· بلورة فصيل مقاتل بشراسة ضد الكيان الصهيوني.

· لكنه فصيل قطع دوره كطليعة نضالية من أجل حركة ثورية عربية.

وفي هذا الصدد، يمكنني الاستنتاج بأنه لو توفر توجه عروبي أكثر لدى الجبهة الشعبية لتمكنت من استعادة صلاتها حتى تنظيميا مع القوى الماركسية العربية الجديدة في عدة أقطار عربية، ولكانت بهذا قد ارتقت من حركة القوميين العرب ذات الأفق القومي إلى الأفق العربي الشيوعي.

حين لا يكون في الساحة سوى النظام والطبقة والخطاب القطري، يتورط العرب جميعاً في القطرية، بمن فيهم الفلسطينيون الذين هم قطريون بلا قُطر، ويصلون إلى اتفاق أوسلو: "إلى ولاية يعطيهم إياها الاحتلال" ويسحبها متى شاء، ويرضون في الحالتين!


* نُشر هذا المقال في الفصل السابع من كتاب "ثورة مضادة إرهاصات أم ثورة" لمؤلفه عادل سمارة، وصدر عن دار فضاءات في عمان عام 2012 . ص ص 55-85.

 

 

 

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 01-11-2013آخر تحديث