خطأ تاريخي ارتكبته بريطانيا - المستشار رشيد موعد

جاء صدور وعد بلفور بتاريخ 2/11/1917 في غير محله القانوني والإنساني؛ لأنه أعطى بموجبه حقاً ممن لا يملكه إلى من لا يستحقه، وكان قد سبق ذلك قبل 10 سنوات بالتمام والكمال صدور وثيقة على شكل توصية عن هنري كامبل بنرمن، رئيس وزراء بريطانيا آنذاك، حين جمع وزراء خارجية أوروبا عام 1907 وطلب منهم في هذه التوصية الحؤول لمنع قيام وحدة عربية تجمع مشرق الوطن العربي ومغربه، وتحقيق هذا الهدف لا يتم إلا بزرع جسم غريب في قلب الأمة العربية.

لم يكن أحد يعرف أن هذا الوعد الذي أصدرته بريطانيا على لسان وزير خارجيتها «جيمس آرثر بلفور» سيكون حدثاً كارثياً للأمة العربية عامة، وعلى فلسطين خاصة.

في الثاني من تشرين الثاني بعث وزير خارجية بريطانيا بالرسائل التالية لرئيس المنظمة الصهيونية العالمية اللورد "روتشيلد" :«يسعدني أن أنهي إليكم نيابة عن حكومة جلالة الملك التصريح التالي تعاطفاً مع أماني اليهود الصهيونيين التي قدموها ووافق عليها مجلس الوزراء: "إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين.. وسوف تبذل ما في وسعها لتيسير تحقيق هذا الهدف، وليكن مفهوماً بجلاء أنه لن يتم شيء من شأنه الإخلال بالحقوق المدنية والدينية للجماعات غير اليهودية المقيمة في فلسطين، أو بالحقوق والأوضاع القانونية التي يتمتع بها اليهود في أية دولة أخرى".. إني أكون مديناً لكم بالعرفان لو قمتم بإبلاغ هذا التصريح إلى الاتحاد الصهيوني..».

كانت الحرب العالمية الأولى فرصة للتحالف الصهيوني البريطاني مكنته من البدء بتنفيذ المؤامرة الكبرى على المشرق العربي وعلى فلسطين خاصة، إذ من المعروف أن الدولة العثمانية المهيمنة من الناحية القانونية والعسكرية على كل مناطق الشرق، كانت مشتبكة في حرب ضروس إلى جانب ألمانيا، ضد بريطانيا وفرنسا.. وكان همّ الصهاينة الوحيد آنذاك الحصول على وثيقة في ظل تغطية قانونية. لذلك عمل الصهاينة على الحصول على صك دولي، وكان دور عضو المنظمة الدولية "حاييم وايزمن" حاسماً في هذا الموضوع، وكذلك لعب اليهود البريطانيون واليهود الأمريكيون الدور الذي طلبته منهم "المنظمة الصهيونية العالمية" مقابل تعهد تعطيه بريطانيا العظمى لليهود، يضمن لهم حق «إنشاء وطن قومي في فلسطين»، وتحرك أفراد المنظمات الصهيونية سياسياً واقتصادياً وإعلامياً لهذه الغاية.. في حين كان للأوروبيين أيضاً قول في ذلك: «فلنتخلص من اليهود بتوطينهم بين العرب»، وهذا ما هدفت إليه وثيقة بنرمان عام 1907، كانت الأداة الصهيونية في متناول من يود استخدامها، وجاء هذا الاستخدام عبر "بلفور ووعده"، إلا أن هذا الوعد قد أخطأ المكان والمحل، حيث أعطى من لا يملك حق العطاء "وهي بريطانيا" إلى من لا يستحق "وهي الصهيونية". فمنذ بداية الحرب العالمية الأولى بذلت بريطانيا مزيداً من الجهود بهدف تأمين سيطرتها على المنطقة العربية من الدولة العثمانية، فقد فرضت حمايتها على مصر والكويت، وقامت بغزو العراق، وتركت سورية ولبنان لفرنسا. وكانت بريطانيا تنوي الاحتفاظ بفلسطين لنفسها لتوفر الحماية للسكان اليهود، ولتعمل على نقل المزيد من المهاجرين اليهود إلى هناك ليتاح لها تنفيذ بنود هذا الوعد..

إن وعد بلفور الذي منحته بريطانيا للصهاينة لا قيمة له -قانوناً- ولا يلزم الشعب العربي الفلسطيني بأي حال من الأحوال؛ لأن الدولة التي منحته لم يكن لها حق السيادة على فلسطين، ولأن بريطانيا اتخذته تعسفاً، وفي غياب الشعب العربي الفلسطيني صاحب الحق والسيادة على أرضه، فقد جاء هذا الوعد على شكل رسالة موجهة من الحكومة البريطانية إلى شخص عادي هو "روتشيلد" وكان بصيغة تصريح سياسي، وهذا لا يدخل في نطاق العلاقات التي يحكمها القانون الدولي، حيث منحت بريطانيا التي كانت منتدبة على فلسطين بلاد شعب بأكمله إلى الصهيونية، وهي حركة سياسية إرهابية، تعيش في كل قارات العالم كأفراد.

إن هذا الوعد، لا يعدوكونه تصريحاً لا يقوم على سند شرعي، وليست له قيمة قانونية، لأن ما بني على باطل فهو باطل.-حسب القواعد القانونية والفقهية- إذاً فهو لا يلزم إلا الجهة لتي أصدرته، ويتنافى مع القانون الدولي ونصوصه، لأن فاقد الشيء لا يمنحه لغيره.

وبموجب هذه القواعدلا يحق لأي دولة أن تمارس اختصاصاتها لتلحق الضرر بدول أو شعوب أخرى...

فقد قال «بادفان» أستاذ القانون الدولي في جامعة السوربون، ورئيس محكمة العدل الدولية سابقاًَ: «إن القانون الدولي يعترف لبريطانيا بحقها في ممارسة اختصاصاتها داخل حدود بلادها وعلى مواطنيها.. ولكن فلسطين التي يسكنها العرب منذ 13 قرناً لم تكن قط بريطانية».. وبالنسبة للآثار القانونية المترتبة على تصريح وعد بلفور فإنه:

أولاً- لا يتفق وروح تعهدات الاستقلال التي قدمت للعرب قبل صدوره، كما أن التصرف الذي جرى في فلسطين قد تقرر بالتشاور مع منظمة سياسية كان هدفها توطين غير الفلسطينيين في فلسطين، ألا وهي «المنظمة
الصهيونية العالمية» وهذا يعد تجاهلاً فاضحاً لحق مصالح الشعب العربي الفلسطيني في استشارته لتقرير مصيره.

ثانياً- إن بريطانيا قدمت من خلال هذا الوعد تنازلاً عن أرض، في وقت كانت هذه الأرض تشكل جزءاً من الامبراطورية العثمانية، ومع ذلك، فإن أهم حقيقة لا تقبل الجدل هي أن هذا التصريح في حد ذاته ليس له سند قانوني، فبريطانيا لم تكن لها أية حقوق سيادية على فلسطين، ولم تكن لها أية ملكية، ولا التصرف في الأرض.. بل كان التصريح عبارة عن مجرد بيان بالنوايا البريطانية، لا أكثر..

ثالثاً- أما القانون الدولي فكان له موقف في ذلك، فرأى أن هذا التصريح -باطل بطلاناً مطلقاً- لأن من لا يملك أعطى حقاً لمن لا يستحق..

إن استناد الحركة الصهيونية إلى وعد بلفور الذي جاء مناقضاً لقواعد القانون الدولي، هو استناد باطل وقد يبنى على ذلك كمستند لما نشرته وسائل الإعلام البريطانية عام 2002 على لسان "جاك سترو" وزير خارجية بريطانيا حيث قال: «إن الأسلوب الذي اتبعته بريطانيا بالتزامها بوعد بلفور لم يكن مشرفاً..»

وفي الذكرى المئوية لهذا الوعد المشؤوم التي تصادف يوم 2/11/2017 علينا أن نبدأ من الآن لحشد طاقاتنا القانونية والسياسية والفكرية والإعلامية للكشف عن بطلان هذا الفعل الذي أتته بريطانيا بدعم من أمريكا واستجابة لمطالب الحركات الصهيونية العالمية آنذاك.

ومن الوجهة القانونية.. يجب أن نقوم بجمع الوثائق والمستندات والأدلة التي تدعم مطالبنا بعدم شرعية هذا الوعد.. ومنها ما أدلى به كل من لويد جورج وجاك سترو وهما رئيس وزراء ووزير خارجية سابقان ليصار إلى إثارة هذا «الحق» بمناسبة المئوية الأولى، أمام المحافل الدولية المختصة لفضح هذا التجاوز القانوني الصارخ، علّّنا نحظى بسابقة في هذا المجال.

قاضي محكمة الجنايات السورية سابقاً
 

 

 

 

 

 

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 03-11-2013آخر تحديث