دوامة الأزمة المالية الأمريكية - محمد علي الحلبي

الثابت عمليا في مأثور الكلام عند العرب غناه بمضامينه الفكرية العميقة المعبّرة وصفاً وتحليلاً للحالة المُتحدث عنها،وفيه من الدقة ما يلمّ بجوانبها ونتائجها،ويحيط بها إحاطة السوار بالمعصم، لكأنيّ بالشاعر العربي بشار بن برد 95هـ -167هـ المعروف عنه أنه عاش في البصرة وبغداد بعد أن أعتقته من الرق امرأة ، وكان ضريراً، وله إبداعات في رحاب الشعر والوزن والحكمة الباع الأوسع فيقول اليوم مردداً كما لو كان معنا،ويلحق الكثير...الكثير به مرددين معه،ودوامة الأزمة الأمريكية تدق جميع الأبواب المغلقة والمفتوحة عالمياً:

وغدا كأن برأسه دوامة دارت بهامته فظل يدور

ورموز الأزمات الرؤساء الأمريكيون منذ الأزمة الأولى...أزمة الكساد الكبير عام1929حيث اضطر الرئيس"روزفلت"إلى إعلان إغلاق جميع المصارف وذلك اعتباراً من آذار1933وكان قد أغلق قبلها 500مصرفا أعلن عن إفلاسها،وخسر المودعون فيها ما يعادل3بليون دولار ثم سُمح لبعضها بالعودة للعمل بعد أن أمنت قدراً من السيولة ,وخلال التاريخ وبغد الأزمة دارت حروب شملت العالم برمته في آسيا وشرقها،وفي أمريكا اللاتينية،والحرب العالمية الثانية وحتى على الأرض العربية وفي إفريقيا ، والحروب بالنسبة للسياسة الأمريكية لها تأثير منشط على الاقتصاد الأمريكي على المدى القصير, كما وظهرت أزمات مالية واقتصادية هزت العالم نتيجة السياسات الرعناء في شتى المجالات،وراحت المتموجات الاقتصادية تصيب الأفراد والجماعات ينعمها حيناً وبأضرارها أحياناً كثيرة ،ففي يوم واحد وتحديداً في16أيلول1992ربح المضارب"جورج ساو روس" أكثر من بليون دولار في سوق المضاربة ،وأصيب بالخسارة في مقابل ذلك العديد من العباد المضاربين،وكانت حرب أفغانستان تلتها حرب العراق عام2003ازدهرت قبلها لمرحلة محددة أسواق التقنيات،ولم يمتد زمانها طويلاً فراحت مطلع عام2001موجات الانتعاش تهيمن على الأسواق العقارية، وسارعت المصارف والمؤسسات المالية لتقديم جلّ ما لديها من سيولات مالية على هيئة قروض،وفي كثير من الأحيان لم تتقيد بالشروط المتوجب على المقترض تأمينها ،وسعر الفائدة نصت العقود جميعها على حق الجهات الممولة برفع سعر الفائدة في حال إقراره من الجهات التي لها الحق بذلك ،كما وبيعت بعض القروض إلى جهات مالية ثالثة لقاء سندات مما خلق المزيد من السيولة المالية وضمان التدفق النقدي للشركات المُقرضة،وفجأة بدأ توقف سوق العقارات عن النمو،وارتفعت أسعار الفائدة حيث أدى ذلك إلى انخفاض في قيمتها،وراح العجز عن سداد القروض يتنامى ،بل بدأ المقترض يدرك أن قيمة عقاره أصبحت أقل بكثير من القرض المترتب عليه فتوقف العديد عن سداد التزامه،وبدأت عمليات الحجز على العقارات لتنشيط أسعارها أكثر وأكثر أثناء عرضها للبيع،والحصول على شيء من القروض المترتبة عليها....هكذا دخلت أمريكا من باب واسع أزمة مالية جديدة سُميت بأزمة العقارات....قروض هائلة مقابل عقارات مُصادرة ولا من مشتر،وارتفعت معدلات البطالة في الدورة الاقتصادية،وانخفضت واردات البنوك من السيولة حيث توقف دفع الأقساط السعرية والفوائد المترتبة عليها وأمام هذا الواقع المتردي كان لابد من التدخل الرسمي للحكومة الأمريكية وفق ما أجمعت عليه الجهات الإعلامية على شراء الصفقات والقروض الخاسرة من البنوك:

1- إعطاء الحكومة الضوء الأخضر لشراء أصول وصفقات متعثرة جراء أزمة الرهن العقاري بقيمة700بليون دولار.

2- إعطاء الخزينة مبلغ250بليون دولار مع إمكانية رفع المبلغ إلى350بليون دولار

3- تساهم الدولة في رؤوس أموال وأرباح الشركات المستفيدة من هذه الخطة مما يحقق أرباحاً إذا تحسنت الظروف

4- رفع سقف الضمانات للمودعين من100ألف دولار إلى250أالف دولار - سقف الودائع التي يعيدها البنك للعميل في حال إفلاس البنك -

.5- منح إعفاءات ضريبية بحوالي100بليون دولار للشركات والطبقات الوسطى, والبعض من المحللين عدّها خطة ناجحة بينما ذهب آخرون عكس ذلك،واقتصاديون اعتبروها بداية تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية،وأن الخطة بمجملها ليست أكثر من المزيد من محاولات الرأسماليين لتعزيز سيطرتهم عبر الدولة ومن خلالها،وهناك شبه إجماع بتأثير هذه الأزمة والأزمات التي سبقتها،وحتى بنتائجها والمؤكد أنها ستلحق بها مؤثرة على الاقتصاد الأمريكي والعالمي سواء كان غربياً،أم شرقياً،أم عربياً،فستقل المساعدات الأمريكية إن لم تتوقف وبالتالي سيضعف التأثير السياسي الأمريكي،وفي المدى المنظور لم يعد من مجال لحروب كبيرة سيمّّا وفي عودة القطبيات الدولية،وللتأكيد على وجهات النظر المأخوذ بها فقد أعلنت وكالة التصنيف المالي"ستاندرد أند بورز" أن شلل الميزانية الأمريكية مؤخراً منذ ما يقارب الشهرين كلف الاقتصاد في الولايات المتحدة ما لا يقل عن24مليار دولار،وربما أكثر من ذلك،واستمرار شلل الميزانية لمدة16يوماً أدى إلى تراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي بنسبة 0,6% وبعد جدال واسع بين أعضاء مجلس الشيوخ والنواب الأمريكي،ووصول العديد من القضايا إلى حافة الهاوية وقع الرئيس الأمريكي مشروع القانون الذي يوفر للسنة المالية2014التمويل لمشاريع ونشاط الحكومة الفيدرالية حتى15كانون الثاني2015ويسمح برفع سقف الدّين العام حتى7شباط2014وبذا أرجئت المشكلة برمتها....لقد تجاوز سقف الدّين رقم17تريليون دولار وكان قبلاً16,7تريليون،وسيتابع المسلسل في شباط القادم.ومن أبرز ضحايا الأزمة

1- بيع مؤسسة واشنطن للخدمات المالية أكبر الصناديق الأمريكية العاملة في مجال الإقراض والادخار لمجموعة(جي بي مورنما)المصرفية العملاقة بــ1,9مليار دولار.

2- أعلن بنك"ميديل لينسن" أحد البنوك الاستثمارية الكبرى قبول عرض شراء من بنك"أوف أمريكا"خشية تعرضه للإفلاس.

3- بنك الاستثمار"ليمان برازر"أعلن عن إفلاسه.

4- الحكومة الأمريكية تعمل على تأميم الجزء الأكبر من نشاط شركة"أي.أي.جي"أكبر شركة تأمين.

5- بنك"واكونيا"رابع أكبر مصرف أمريكي بيع لمؤسسة"سيتي كروب".

6- الحكومة البريطانية تتدخل لإنقاذ بنك"إيستد ني أو أس"من طريق قيام بنك"لويدز"بشرائه بمبلغ12مليار جنيه.7

- عشرات الألوف من موظفي البنوك والمؤسسات المالية في أمريكا وبريطانيا يفقدون وظائفهم.

8- انهيار سعر المجموعة المصرفية والتأمين البلجيكية الهولندية"فورتيس"لعدم قدرتها على الوفاء بالتزامها.

زلزال مالي واقتصادي أصاب أمريكا،ومن لهم علاقات وشيجة معها فاندفع العديد من المسؤولين للتصريح وتوضيح أبعاد الأزمة،فرئيس الوزراء البريطاني"غوردون براون"قال:"الاستهتار داخل الولايات المتحدة بالنظام المالي هو الذي أجج أزمة الائتمان المالي العالمي"وأمين عام الأمم المتحدة"بان كي مونيحذر"الأزمة المالية تهدد معيشة مليارات الأشخاص عبر العام خصوصاً الأكثر فقراً ورئيس البنك الدولي"زوليك" بيّن أن الأزمة ستؤثر سلباً على الدول النامية التي تواجه ضغوطاً على ميزانيات المدفوعات،والرئيس الروسي"بوتين"

يعلن صراحة"هذا لم يعد انصرافاً للإحساس بالمسؤولية من جانب بعض الأفراد،بل عدم إحساس بالمسؤولية لدى النظام كله".

وللمزيد من المعلومات والمعرفة فحجم القروض والعجز الترليوني يتوزع بين سندات ديون خارجية،وسندات داخلية،فللصين مبلغ1,2تريليون دولار،اليابان بحدود1,15تريليون،البرازيل أكثر من240مليار دولار،لدول الخليج بحدود270مليار دولار،وأكثر من5,5تريليون دولار ديون داخلية مباشرة،وغير مباشرة. وضع مالي واقتصادي أمريكي ليست فيه من نافذة تفسح المجال للأمل ولو بحدوده الدنيا....عجز متنام بالموازنة الاتحادية...عجز في الميزان التجاري مدن أمريكية أعلنت إفلاسها و آثار سلبية ستلقي بظلالها على أغلب دول العالم....الحلول ضاعت، والأمل المرجوّ مفقود، بل معدوم....الدوامة دائرة ومحيطها يتوسع،ويتوسع،وسرعة دورانها تزداد ويكبر منظرها،حيث ستبتلع ما بقي من بقايا اقتصادياًت ضعيفة ،والعالم أمام صدمات لا قبل له فيها،ولعل أطرف صورة تكاد تكون واقعية رسمّتها"العربية نت"في كتاباتها عندما ذكرتنا بالدين الأمريكي وحجمه.... قبل أن يصدر الرئيس"أوباما"قانونه ليرفعه إلى ما فوق17تريليون دولار،فالكاتب المبدع يقدّم لما كتب"يمثل الدين الأمريكي رقماً فلكياً لا يستطيع الكثير من البشر تخيله على أرض الواقع،أو يتخيل حجمه الحقيقي لو تمّ جمعه على شكل سيولة في مكان واحد حيث16,7تريليون دولار فيما يضم كل تريليون ألف مليار،ويضم المليار الواحد ألف مليون،وعلى اعتبار أن ورقة المائة دولار هي أعلى فئة من العملة الأمريكية فإن الحزمة الواحدة من الدولارات فئة100تحوي على10آلاف دولار مما يعني أن التريليون دولار يحتاج إلى100مليون حزمة،والتريليون دولار لو توفر على شكل سيولة في مكان واحد من العالم فإنه يحتاج إلى مليون حقيبة على اعتبار أن الحقيبة الواحدة تضم مليون دولار،وأن التريليون الواحد يحتاج لمساحة تعادل ملعباً لكرة القدم،ولو حاولنا نقل المبلغ لاحتجنا إلى أسطول من طائرات الشحن تتراوح بين 500طائرة شحن إلى ألف طائرة مكدسة بالدولارات من فئة 100لسداد جزء من الدّين وإذا سرنا وفق التوجه ذاته فإجمالي الدين يحتاج إلى 8500 طائرة شحن مكدسة بالدولارات من فئة 100 دولار للسداد ". صورة معبّرة عن واقع مؤلم لا لأمريكا فقط،بل عالمياً فالأزمات القادمة والحلول لها وحيدة الاتجاه،وهو رفع سقف المديونية،ودوامة الديون تزداد كبراً واتساعاً،فالناتج المحلي الإجمالي الأمريكي بلغ وفق معلومات صندوق النقد الدولي عام2008"14,241"تريليون دولاراً،ووفق قائمة البنك الدولي"14,204"تريليون ،وبرأي المخابرات المركزية الأمريكية" 14,26" بينما الدين المركزي تجاوز مؤخراً 17تريليون دولارا. العمل الجاد مطلوب لتلافي آثار الصدمات القادمة،وعلى المستوى الوطني العربي لابد من التصميم على الاستثمار العربي....العربي البيني تحسباً لكل الظروف،وفي ذلك ضمان أفضل للوضع الاقتصادي،فشباط2014موعد للتسوية لإبداع بعض الحلول قارب لاتفاق الحزبين الديمقراطي والجمهوري،ولن يمرّ إلا والدوامة يزداد عنفها،ولا حلول على المدى المنظور.

محمد علي الحلبي
 

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 10-11-2013آخر تحديث