الرواية الكاملة للدور الفلسطينــي في تحرير مخطوفي اعزاز- ناصر شرارة
 

ما هو الدور الفلسطيني في عملية تحرير المخطوفين اللبنانيين في اعزاز؟ «الأخبار» حصلت على نسخة من الوثيقة الفلسطينية التي تضمنت تفاصيل هذا الدور يوما بيوم منذ شهر ايلول 2012 حتى التحرير في 19 تشرين الأول الماضي

ناصر شرارة


على ورق رسمي معنون بـ«ارشيف ديوان الرئاسة ــ دولة فلسطين ــ مكتب الرئيس»، صيغ تعميم داخلي قبل نحو اسبوعين، أرسل باسم الرئيس الفلسطيني محمود عباس الى ابرز مقار البعثات الفلسطينية في العالم، وذلك لا حاطتهم بالدور الذي قامت به السلطة الفلسطينية في عملية اطلاق مخطوفي أعزاز اللبنانيين والطيارين التركيين وعدد من المعتقلات السوريات.
تضمن التعميم الذي صاغه بتكليف من عباس، السفير الفلسطيني في تركيا نبيل معروف الموكل متابعة الملف المذكور، وقائع ما جرى خلال التفاوض حسبما كان يبلغها تباعا لعباس ولرئيس جهاز الاستخبارات الفلسطينية ماجد فرج.
كما دققت «الأخبار» في بعض المعطيات التي وردت في التعميم الذي حصلت على نسخة منه، مع السفير معروف، وتورد أجوبته عليها بين علامة […]. وفي ما يأتي نص التعميم وتوضيحات معروف:
نص التعميم
«في الفترة من20-22 أيلول، كان الرئيس محمود عباس يقوم بزيارة رسمية الى تركيا. وسأل عن المخطوفين اللبنانيين التسعة، وإمكانية التواصل مع الخاطفين بهدف الإفراج عنهم، لما لذلك من اهمية كبرى في تخفيف التوتر على الساحة اللبنانية وهذا يصب أيضاً في مصلحة الفلسطينيين المقيمين في لبنان. وأعطاني تعليمات بالعمل بأقصى طاقة على هذا الموضوع لان المعلومات كانت تؤكد وجودهم في شمال سوريا قرب الحدود التركية.
فور انتهاء الزيارة، قام نبيل معروف في الفترة بين 10 و12 اكتوبر (ت1) بزيارة استطلاعية الى غازي عنتاب وبرفقته عارف صالح، حيث التقينا اللاجئين الفلسطينيين من سوريا في كيليس وقدمنا لهم مساعدات مالية بتعليمات من الرئيس عباس. كما أتيح لي المجال للالتقاء في معبر كيليس بأبو ابراهيم قائد عاصفة لواء الشمال في المعارضة السورية والمسؤول عن الخاطفين، وكان معه بعض اصدقائه قادة لواء التوحيد. وتحدثنا عن امكانية الإفراج عن اللبنانيين المخطوفين. في نهاية اللقاء تلقينا إشارات مشجعة إذ طلب ابو ابراهيم طلبات متواضعة الامر الذي دفعني للتوجه في نفس اليوم الى عمان لمقابلة سيادة الرئيس. [يقول معروف في ايضاحاته لـ«الأخبار» عن هذه المرحلة: أردت هنا ان اذهب الى أمكنة الخاطفين حيث يحتجزون اللبنانيين التسعة، ولكنني لم أتمكن، وهنا طلبت مساعدة السلطات التركية التي احضرت مسؤوليهم الى خارج منطقتهم في اعزاز، حيث اجتمعت بهم على معبر كيليس. كانوا ثلاثة: قائد لواء التوحيد الحاج عبد القادر صالح وشخص آخر له صلة قرابة بـ(رئيس الأمن السياسي في سوريا) اللواء رستم غزالة بالاضافة الى «ابو ابراهيم». تحدثت معهم وكانوا ايجابيين، مع ان «ابو ابراهيم» بدا بنسبة معينه، الأكثر تشددا بينهم. قال لي صالح: «لو ان المخطوفين بحوزتي لكنت اطلقتهم، كرمى لعيون فلسطين». واضاف: «يجب ان نضغط جميعا على ابي ابراهيم لإطلاقهم». اما ابو ابراهيم فكان يتحدث بايجابية ولكنه لم يتفوه بكلام واضح. وهنا خطر على بالي ان افتح هاتفي مع الرئيس عباس، من أجل إشعار الخاطفين بأن الموقف هام ولعل كلام عباس يغير من موقف ابي ابراهيم. وبالفعل تحدث عباس على هاتفي مع الأخير وقال له هذا موضوع مهم لفلسطين، وعلينا العمل من اجل وأد الفتنة وتخفيف التوتر. [رد ابو ابراهيم باجابات تنطوي على مجاملة].
يضيف التعميم :«في عمان طرحتُ (معروف) على الرئيس فكرة ان يقوم بزيارة غير معلنة الى تركيا ليبحث مع المسؤولين الاتراك امكانية التعاون معنا للإفراج عن اللبنانيين. وبالفعل تم ترتيب زيارة غير معلنة للرئيس الى تركيا يومي 16-17 اكتوبر (ت1)، التقى خلالها برئيس الوزراء (رجب طيب أردوغان) ووزير الخارجية (احمد داود اوغلو) التركيين وفريق من الاستخبارات التركية. ووافق رئيس الوزراء على تقديم الدعم وتأمين المساعدات المطلوبة من قبل الخاطفين».
[يوضح معروف هذه الجزئية قائلا: «خلال لقائي الأول بأبي ابراهيم في معبر كيليس، طرح علي طلبين محددين وقال إنه في حال تم تأمينهما سوف يفرج عن المخطوفين اللبنانيين». ويتحفظ معروف عن الإفصاح عنهما، يقول: «عيب، لا لن اذكرهما» ولاحقا في متن تعميمه يصفهما بأنهما كانا مطلبين متواضعين. ويؤكد«ان المهم في هذا المجال هو ان الاتراك قبلوا بتنفيذهما»].
يتابع التعميم: «بعد مغادرة الرئيس بثلاثة أيام توجه نبيل معروف برا الى غازي عنتاب بالاتفاق مع الاستخبارات التركية حيث طلبت منهم تسهيل خروج ابي ابراهيم الى معبر كيليس لكي نعرض عليه نتيجة اتفاقنا مع رئيس الوزراء التركي، ولكن اللقاء لم يتم، وعاد معروف من منتصف الطريق بعد ان علمت ان اللقاء سيكون مع مندوب عن ابي ابراهيم وليس معه شخصيا».
وفي شهر مارس (آذار) 2013 اتصل بي مندوب ابي ابراهيم وزارني في أنقرة وابلغني انه في أعقاب احدى المعارك والتي خسر فيها لواء عاصفة الشمال عددا من المقاتلين، ذهب هائجا الى المختطفين واطلق النار عليهم؛ ولم يفدني اذا كان هناك قتلى او جرحى. بعد ذلك وفي لقاء في أنقرة مع اللواء سليم ادريس والعقيد عبد الجبار العكيدي من الجيش الحر، علمت بأن ابا ابراهيم توفي اثر إصابته في احدى المعارك.
كانت القيادة على اتصال مع الأشقاء اللبنانيين سياسيين وامنيين، واشتملت على اتصالات هاتفية من قبلي مع اللواء عباس ابراهيم مدير عام الامن العام اللبناني الذي حضر يوم 29/ 4 / 2013 الى أنقرة ليلا، والتقيت به، أعطيته كافة المعلومات المتوفرة لدي وايضا أعطيته رقم تلفون سمير المعموري الذي اصبح مسؤولا عن المخطوفين، وبذلك تم التواصل مباشرة بين اللواء عباس ابراهيم وسمير العموري وغادر اللواء فجرا الى بيروت. [يقول معروف: «اللواء ابراهيم عمل بإرادة شجاعة في كل هذا الملف، ولكنني اترك خيار الحديث عن تفاصيل دوره فيما لو أراد هو». كما امتدح في هذا المجال الدور القطري المساعد جداً في اللحظات الاخيرة].
«يوم 2/ 5 / 2013 اتصلت بسمير العموري وتباحثنا بالموضوع واخبرني بانه تم تشكيل لجنة قطرية تركية مع هيئة علماء المسلمين في لبنان، وان هذه اللجنة هي المسؤولة عن متابعة الملف وإيجاد حل، وان من بين مطالبهم التي سلمت للجنة قائمة بأسماء المعتقلات السوريات المطلوب إلافراج عنهن، كما تم تسليم اللجنة فيديو عن الشباب المختطفين كدليل على انهم بوضع جيد. استمرت اتصالاتي على فترات غير متباعدة مع سمير العموري لمتابعة التباحث والاطمئنان على أحوال المخطوفين اللبنانيين. وفي نهاية شهر سبتمبر (أيلول) 2013 وبداية اكتوبر (ت1)، بدأت منظمة (تنظم الدولة الاسلامية في العراق والشام) «داعش» المعارضة تتحرك في منطقة أعزاز وسيطرت على بعضها. وهنا بدأت تزداد مخاوفي من ان يتم قتل اللبنانيين خلال هذه العمليات العسكرية؛ ولذلك كثفت من اتصالاتي مع سمير العموري فطمأنني عليهم.
يوم 1/10/2013 اخبرني سمير العموري في اتصالي معه بأن قضية الإفراج عن اللبنانيين تتحرك من خلال اللجنة القطرية التركية وانهم تقدموا بقائمة اسماء حوالي 300 امرأة مطلوب الإفراج عنهن؛ ثم تقلصت القائمة الى 127 سيدة؛ وقال لي ان الموقف الان هو التالي: اذا تم الإفراج عن السيدات فعندها سنقوم بدورنا بتسليم المخطوفين اللبنانيين الى اللجنة».
وقمت بعد ذلك وفي نفس اليوم، بالاتصال باللواء عباس ابراهيم وسألته في حال تأمين الإفراج عن المخطوفين هل هناك ضمان بالإفراج عن الـ 127 امرأة وكذلك أيضاً عن الطيارين التركيين المختطفين في لبنان. فأكد لي اللواء عباس ابراهيم انه يضمن شخصيا ذلك، وانه مسؤول عنه.
في اليوم التالي اتصلت مرة اخرى بالأخ عباس ابراهيم وتبادلنا المعلومات وأخبرته بأن جهودنا تتقدم اذا توفر العنصر الأساس وهو ضمان الإفراج عن المعتقلات السوريات والطيارين التركيين، فأكد لي اللواء عباس ابراهيم مرة اخرى مسؤوليته وجاهزيته لذلك. وهنا كان لا بد من الانتقال الى خطوة اخرى وهي الاتصال بأعضاء اللجنة لاطلاعهم على اخر التطورات واقصد بذلك الجانبين التركي والقطري.
في نفس اليوم (2/ 10/ 2013 ) قابلت السفير عمر أوبهون مساعد وزير الخارجية التركي للشرق الاوسط، وأبلغته بالمعلومات وان النتيجة ستكون الإفراج عن اللبنانيين في اعزاز والسوريات المعتقلات والطيارين التركيين، وطلبت منه ان ينقل المعلومات الى جهات الاختصاص وان يبلغني الموقف التركي.
يوم الجمعة 4 /10 / 2013 وبما انني لم استلم ردا تركيا، قمت بإعادة إرسال نفس المعلومات الى السفير اوبهون ولكن هذه المرة خطيا من خلال رسالة تحمل صفة السرية والاستعجال.
ثم قمت بنفس اليوم الجمعة (4-10) بزيارة السفير القطري الاخ / سالم الشافعي، وأبلغته فحوى المعلومات والاتصالات التي أجريتها، وطلبت منه إيصال هذه المعلومات الى المسؤولين القطريين. وبعد اقل من ساعتين اتصل بي السفير القطري واخبرني بأن معالي وزير الخارجية القطري د. خالد العطية يدعوني الى لقائه في الدوحة في اليوم التالي 5/10/2013. استأذنت سيادة الرئيس محمود عباس بالسفر الى قطر وأذن لي وحملني رسالة للعطية حول حاجة العملية الى دعم الحكومة القطرية.
وتوجهت الى المطار مغادرا الى الدوحة، وفي المطار تلقيت اتصالا من السفير اونهون اخبرني بأنني حصلت على الضوء الاخضر من الحكومة التركية وبأنهم سيدعمون العملية كلها».
يتابع معروف في التعميم: وصلت الدوحة، وفي اليوم التالي (السبت 5/ 10) التقيت مساء بوزير الخارجية القطري ورئيس جهاز الاستخبارات القطرية، وقدمت المعلومات التي لدي ونتائج اتصالاتي. ولمست الجدية الكاملة من الوزير العطية ورئيس الاستخبارات بدعم المسعى، وابلغني العطية بأنهم سيتحركون لإنجاحه.
فجر اليوم التالي عدت ( 6/10) الى أنقرة وكان معي على نفس الطائرة من دون علمي الفريق القطري الذي يشرف على ملف المخطوفين. وفي اليوم التالي اجتمعت في أنقرة مع الفريق القطري. وهنا يمكن القول ان العملية قد بدأت، حيث انتقل رئيس الوزراء القطري ورئيس الاستخبارات القطرية الى اسطنبول، وتم استدعاء مندوب عن لواء عاصفة الشمال (السيد ابو الحسن) وبدأت الماكنة بالتحرك: القطريون والاتراك واللواء عباس ابراهيم، عبر اتصالات مستمرة مع ممثل الخاطفين. وكنت انا على تواصل مع اللجنة وايضا مع سمير العموري. وطيلة الايام المتبقية حتى يوم السبت (19/10) كانت هناك مفاوضات شاقة وعسيرة طرحت خلالها محاولة لتقسيم الصفقة الى ثلاث مراحل، ثم مرحلتين، لكن اللواء عباس ابراهيم أصر على ان تكون مرة واحدة، ودعمه القطريون في ذلك. وهكذا كان حتى تم الإفراج عن الأخوة اللبنانيين وتمت عودتهم مع الأخوة الاتراك يوم السبت 19/10/2013».
ويختم التعميم: «جميع الاتصالات التي قمت (معروف) بها او أستلمتها، كنت اقوم بإبلاغها في حينها الى السيد الرئيس محمود عباس والى الأخ ماجد فرج رئيس جهاز الاستخبارات الفلسطينية».

مندوب أبي ابراهيم في السفارة الأميركية

يقول السفير نبيل معروف: «كان أبو ابراهيم أحيانا يتقدم بطلبات ثم يعود عنها. بدا لي انه ليس لديه قرار في هذا الملف، وانه كان مستفيدا من وجود هذا الملف بين يديه. لقد اصبح لكونه مسؤولا عن المخطوفين، بؤرة توتر ونقطة تركزت عليه الانظار. وبكلام آخر، وجد لنفسه عنوانا يلفت النظر اليه ما جعل دولا اقليمية ترسل اليه الوفود وتقدم له المساعدات، سواء من اجل ايجاد نفوذ لها في ملف المخطوفين او لدى المعارضة المسلحة في الداخل السوري حيث لابي ابراهيم مقاتلون هناك. ومعلوم ان معارضة الخارج التي يتكلم معها الإقليميون تعاني من عدم وجود لها في الميدان السوري. وهذه نقطة أفاد منها ابو ابراهيم الذي صار عنوانا يقصده الباحثون عن نفوذ عسكري مباشر داخل سوريا. وشعرت بأنه يريد إطالة القصة لأنه اصبح مستفيدا منها. وفي فترة لاحقة حاول فتح خط مع الاميركان. ورواية هذه الواقعة حصلت كما يوردها التعميم كالآتي:
«يوم 3 ديسمبر (كانون1)، اتصل بي ابو ابراهيم شخصيا وطلب مني ان استقبل مندوبا عنه ووعد بتسهيل عملية الإفراج عن اللبنانيين. وعندما وصل المندوب طلب مني إيصاله الى السفارة الاميركية في انقره، فأمنت له اللقاء، وعاد المندوب بعد ذلك الى غازي عنتاب مباشرة. [يقول معروف: يبدو ان الاجتماع لم يفض إلى شيء. فالمندوب الذي ارسله ابو ابراهيم ويدعى شوقي، متواضع الثقافة والتعليم. وقد خصصت له السفارة الاميركية لاستقباله احدى الموظفات فيها. لقد تجنبت ان اسأل ابا ابراهيم عما حصل مع مندوبه في السفارة الاميركية، ولكن بالنظر الى الشكل الذي استقبل استطيع التخمين بأن السفارة لم تكترث بعروضه].
ويردف التعميم: «يوم 6 ـــ 12 ـــ 2012 عاد مندوب ابو ابراهيم الى أنقرة مرة أخرى حيث التقيته واتفقت معه على ترتيب زيارة الى أعزاز. وأبلغني في هذا اللقاء انه اذا تم الأفراج عن المدونة طل الملوحي والمقدم (حسين) هرموش فان ابا ابراهيم سيوافق على اطلاق اللبنانيين.
وفي يوم 8 ـــ 12 ـــ 2012، توجهت الى أعزاز والتقيت ابا ابراهيم واثنين من الأخوة المخطوفين وبعد ان اطمأننت إليهم، اتصلت تلفونيا بالوزير اللبناني طراد حمادة في لبنان الذي تحدث مع المخطوفين واطمأن إليهم، وتحدثت مع ابي ابراهيم الذي عاد واكد المطالبة بالإفراج عن المدونة طل الملوحي وعن المقدم هرموش (أول المنشقين عن النظام) كما طالب بمشاريع تنموية لمنطقة أعزاز.
 

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 14-11-2013آخر تحديث