موسم الهجرة إلى الحِلم - د. فايز رشيد

تصاعدت وتائر الهجرة العربية مؤخراً إلى الغرب، الاف يجوبون البحر وبتنظيم من المهربين ينقلونهم في قوارب صغيرة، يحمّلونها أكثر من طاقاتها، فيكون الغرق نهايتها. العشرات إن لم لم نقل المئات من الرجال والنساء والأطفال يدفعون حياتهم في رحلة إلى المجهول. وبعد أن يدفعوا للمهربين أموالاً هي حصيلة شقاء أعمارهم! عائلات بأكملها تغرق مع أطفالها بهدف الهجرة إلى الدول الغربية. رحلة من العذابات القاسية والطويلة والمكلفة وغير المضمونة نهايتها، إن نجح الرّسو على شواطئ احد هذه البلدان، تجمعهم سلطاتها وتضمهم إلى أمثالهم في معسكرات، وتكون العذابات والمساومة. يبقون سنوات في هذه المعسكرات الى أن تنظر سلطات البلد المعني، في إعطائهم حق اللجوء إليها، هذا إن لم تقم بتسفيرهم إلى بلدانهم الأصيلة.

في أوروبا والدول الغربية عموماً ظهر العديد من الأحزاب القومية الشوفينية، التي تعمل على محاربة الأجانب المقيمين فيها، فكيف باللاجئين الجدد؟ أصبح من الصعوبة بمكان إعطاء الهاربين إلى هذه الدول، حق اللجوء إليها، الذي يتم تحت مبررات عديدة. في كثير من الأحيان تقوم سلطات هذه البلدان بتسهيل هجرة جنسية معينة إليها. الحالة المحددة التي نقصدها هي: تسهيل هجرة الشباب الفلسطيني، سواء منهم من يعيشون في فلسطين أو الذين يقيمون في الشتات.

هذه الهجرة تحديداً تتم من أجل اهدافٍ سياسية، فالذين يعيشون على الأراضي الفلسطينية يتم التسهيل لهم من أجل إفراغ فلسطين من العنصر الشبابي الحيوي. أما الذين يقيمون في الشتات فيأتي بهدف إنقاص عدد المطالبين بحق العودة إلى الأرض الفلسطينية، لذلك فإن سفارات وقنصليات الدول الغربية في رام الله وفي العديد من العواصم في البلدان الأخرى عربية وغيرها، تقدم التسهيلات والإغراءات للشباب الفلسطيني من أجل الهجرة. على هذه القاعدة هاجر عشرات الآلاف من فلسطينيي لبنان وفلسطينيين من الأرض الفلسطينية. وحتى اللحظة، فإن عشرات الآلاف من فلسطينيي سورية تمكنوا من الوصول إلى هذه البلدان، ولا يزال موسم الهجرة مستمراً.
وفي أسباب الهجرة للشباب العـــــربي التي أخذت تتصاعد في الآونة الأخيرة، خاصة من العراق ولبنان وســورية والدول العربية في شمال افريقيا، يمكن القول بداية لو كانت الأوضاع في بلدان المهاجرين مستقرة بالمعنيين الاقتصادي والسياسي وبالضرورة الاجتماعي، لما حصلت الهجرة. فالبطــالة بين الخريجين وضعف الرواتب إن وجدت الوظائف، وعجزها عن تلبية أهم القضايا الحياتية للشباب، كل هذه الظروف تدفعهم إلى الهجرة.

وفي كثير من الأحيان يقدم الغرب تسهيلات كبيرة للكفاءات من الدول العربية، التي لا تقّدر كفاءة أبنائها، فيكون مستقرهم في البلدان الأجنبية! فما أكثر الكفاءات العربية في الطب والهندسة، وحتى في علم الذرة وغيرها من التخصصات الأخرى، تعمل في الدول الغربية. لو وجدت هذه الكفاءات ظروفاً مماثلة للعمل في بلدانها لاستقرت فيها، ولكن للأسف فإن العديد من الدول العربية أصبحت طاردةً لأبنائها. بالمعنى السياسي الحروب والأحداث الداخلية في هذا البلد العربي أو ذاك، هي بحد ذاتها، عامل مساعد على هجرة الشباب منها، لذلك وفي أثناء الأحداث في العراق زادت الهجرة منه، ونتيجة للأحداث في سورية زادت نسبة المهاجرين منها وهكذا دواليك. المسألة الأهم من كل ما سبق، هي شعور المهاجر العربي بأنه ليس ذا قيمة في بلده. من حيث الحرية التي هي عامل حاسم في التقليل من الهجرة، تماماً مثل ممارسة الحياة الديمقراطية، وافتقادها مما يؤثر على زيادة أسباب الهجرة.

بالنسبة لهجرة الفلسطينيين في الشتات، فإن وضع العراقيل أمام العمل للفلسطيني (فمثلاً في لبنان يُحظر على الفلسطيني العمل في 72 مهنة ووظيفة)، هو بحد ذاته دعوة إلى الهجرة، ولذلك ولأسباب أخرى أيضاً فإن العديد من الشباب والخريجين الفلسطينيين، عندما لا يجدون عملاً في هذه الدولة العربية أو تلك، فإنهم يُدفعون دفعاً إلى الهجرة، خـــــاصة أن العائلات الفلسطينية في الشتات تعتمد في سد تكاليف متطــلبات حياتها على رواتب أبنائها المتخرجين من الجامعات، وبالفعل فإن الفلسطينيين ونتيجة لظروف وأسباب كثيرة يفتقدون إلى مصادر دخل أخرى، فأيضاً التملك للفلسطيني في العديد من الدول غير مسموح به.

للأسف نتيجة للخلافات البينية العربية فإن هناك افتقاداً للتنسيق بينها في ما يتعلق بملء الوظائف التي تحتاج إليها هذه الدولة أو تلك. أيضاً الوطن العربي غني بثرواته الكثيرة، لكن مجال التصنيع فيه قليل إلى الحد الذي يستورد فيه العالم العربي كل السلع، ولو كانت هناك خطة تصنيعية تكاملية عربية، واستيعاب للكفاءات من الأقطار الشقيقة الأخرى لما هاجر شاب عربي واحد إلى الغرب، ورغم الثروات ورغم مساحات الأرض الكثيرة والواسعة (في السودان على سبيل المثال لا الحصر) فإن الوطن العربي يعتمد على الغير في استيراد الاحتياجات الحياتية. ولو أخذنا دولة مثل الصين أو كوريا الجنوبية وغيرهما، فمن الصعب ان يخلو بيت عربي من أحد منتوجات هذين البلدين، رغم فقرهما المدقع في الاربعينيات والخمسينيات، فإن بلداً مثل الصين أصبحت عملاقاً اقتصادياً على الساحة الدولية تنافس أعرق الدول في التصنيع، وفي الكثير من القضايا الاقتصادية، وهي دولة دائنة (وليسن مدينة) للعديد من دول العالم.

إن من أسباب هجرة الشباب العربي أيضاً، التناقضات الطائفية والمذهبية والإثنية التي بدأ النفخ في كيرها مؤخراً، فالعالم العربي وبمختلف أقطاره، لم يعرف يوماً هذه التناقضات، وفجأة احتلت سلّم الصراع الأساسي التناحري في بلدان عربية كثيرة، إلى الحد الذي وصلت فيه إلى المرحلة الرئيسية في درجات التناقض، بمعنى أنها أصبحت التناقضات الأهم في هذا البلد العربي أو ذاك، بمعزل عن أن التناقض الرئيسي هو بين العالم العربي وبين العدو الصهيوني.

للأسف وصلت هذه التناقضات إلى مرحلة خطيرة، حيث أصبحت تهدد بعض الدول العربية بالتفتيت والتقسيم والاحتراب الداخلي فيها. إن هذه التناقضات تعتبر بيئة خصبة لهجرة الشباب من العديد من الدول العربية.
ولعل من الأسباب الاخرى أيضاً، ارتفاع نسبة درجات القبول في الجامعات العربية لدراسة هذه الفرع العلمي أو ذاك، الأمر الذي يدفع بالشباب العربي إلى الدراسة في الخارج. وفي حالات كثيرة يبقى معظم هؤلاء الشباب في الدول التي تخرجوا منها، خاصة الإغراءات الكثيرة التي تُقدّم من هذه الدول للكفاءات بينهم! لماذا لا يوجد كم من الجامعات في بلداننا العربية تكون قادرة على استيعاب كل الطلبة العرب من المحيط إلى الخليج؟ لماذا يذهب عشرات الآلاف من الطلاب العرب سنوياً للدراسة في الخارج؟ هذا لا يعني الانغلاق على الذات، وعدم التعامل مع الثقافات والعلوم الأخرى، بل العكس من ذلك، ففي حالة توفر العدد اللازم من الجامعات التدريسية، فإن الاحتكاك والتبادل العلمي مع العالم يزداد، والعكس بالعكس.

إن العديد من الأسباب أيضاً تكمن وراء الهجرة وذلك بحاجة إلى بحث وليس مقالة سياسية. إن من أخطر الهجرات هي هجرة العقول والأدمغة (وإليكم بعض الأرقام التي ثبتها الباحثان، أمجد عبدالله المنصوري والدكتور عبد العالي الدايخ في بحثهما المشترك: ‘هجرة العقول العربية’، الذي نشرته مؤسسة الفكر العربي): يهاجر حوالي 100 ألف من أرباب المهن، وعلى رأسهم العلماء والمهندسون والأطباء والخبراء كل عام من ثمانية أقطار عربية هي لبنان، سورية، العراق، الأردن، مصر، تونس، المغرب، الجزائر. كما أن 70′ من العلماء الذين يسافرون إلى الدول الرأسمالية للتخصص لا يعودون إلى بلدانهم. منذ عام 1977 ولحد الآن هاجر أكثر من 750 ألف عالم عربي إلى الولايات المتحدة. إن 50′ من الأطباء و23′ من المهندسين و15′ من العلماء من مجموع الكفاءات العربية يهاجرون إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا.

يسهم الوطن العربي في ثلث هجرة الكفاءات من البلدان النامية، خصوصاً أن 54′ من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج لا يعودون إلى بلدانهم، ويشكل الأطباء العرب العاملون في بريطانيا نحو 34′ من مجموع الأطباء العاملين فيها، وتجتذب ثلاث دول غربية غنية هي: أمريكا بريطانيا وكندا نحو 75′ من العقول العربية المهاجرة.

وبعد.. ألا يكفي هذا؟

‘ كاتب فلسطيني
 

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 14-11-2013آخر تحديث