الكاتب لا يُوَدِّعُ الكتابةَ حتى يُودِعُوهُ قبرَهُ

 الى محمد شكري وخبزه الحافي

 نضال حمد
 

بعد صراع طويل ومرير مع مرض العضال توفي في المستشفى العسكري بالعاصمة المغربية الرباط الروائي والكاتب المغربي الكبير والشهير محمد شكري، صاحب رواية الخبز الحافي (1972)، صاحب زمن الأخطاء ، صاحب الشطار ، رفيق وصديق الصعاليك والفقراء والجياع والعُزَل. كان الفقيد واحدا من الروائيين العرب القلائل الذين كتبوا بجرأة ، وأسسوا لأدب جريء وجديد في عالمنا العربي العالق بين مقص الرقابة وتخلف الحكومة.

استطاع محمد شكري خلال سنين عمره أن يقدم للقارئ العربي من المحيط ألى الخليج 15 عملا ، جلها من الأعمال الكبيرة التي تليق به وبقلمه المميز، لم أكن شخصيا أعرف كتاباته قبل وصولي الى العاصمة النرويجية أوسلو، لقد قرأت الخبز الحافي وأنا في أصعب مراحل حياتي النرويجية، حيث كنت أعيش بدون زوجتي وطفلي وبلا إقامة ، معلق بين الإقامة وألا إقامة في أغنى دول العالم ،لكن في معسكر لتجميع اللاجئين في العاصمة أوسلو ذات الألوان البيضاء الثلجية شتاءً والخضراء الطبيعية صيفاً.

عند مطالعتي للرواية أحسست بأن العالم فعلا صغير وأن هناك بعض أحداث من الرواية تتكرر هنا والآن ، مع المحتارين والعُزَل في معسكرات تجميع اللاجئين في المدن الأوروبية الكبيرة ، حيث الهاربون من جحيم الحروب القديمة والجديدة، الفارون من تحت الدلفة لتحت المزراب، في عالم اللجوء ومعسكراته كنا نعيش الخبز لابسا ثوب العوز، والمجهول مرتديا ثياب المعلوم، كنا متعلقون بقشة أملا في النجاة من هذه العيشة، كنا ولازلنا نعيش الخبز الحافي بالرغم من ارتداءنا لثوب الإقامة.

من أعمال شكري بالإضافة لما ذكرته أعلاه ، هناك المؤلفات التالية:الشطار ،السوق الداخلي ،الخيمة ، وجوه ، غواية الشحرور الأبيض ، مجنون الورد ، بول بونز وعزلة طنجة و جان جنيه في طنجة وتينسي وليامز في طنجة،طبعا رواية الخبز الحافي التي تحكي سيرة حياة الكاتب الذي كان أميّاً ثم تعلم القراءة والكتابة ,صارت لسان حال البؤساء في زمن المصائب والأخطاء، وتعتبر رواية زمن الأخطاء الجزء الثاني للخبز الحافي من الروائع أيضا، حيث في هذه التجربة الفذة يتحدث الكاتب الأجرأ في عالم العرب المغاربة عن مراحل حياته بكل جرأة وشجاعة وبدون خجل أو حواجز.

اثناء معرض الكتاب الذي اقيم في العاصمة المصرية القاهرة في يناير 2001 تم مصادرة ثلاثة كتب للروائي محمد شكري وهي الخبز الحافي والشطار صادران عن دار الساقي بالاضافة للخيمة صادر عن دار الجمل، وكانت هناك دعوات من فقهاء مصريين تدعو لعدم دخول تلك الأعمال لمصر.

اشتهر شكري بسيرته الذاتية "الخبز الحافي" التي صدرت في مطلع الثمانينات ودفعته إلى عالم الشهرة العالمية حيث ترجمت إلى أكثر من 20 لغة عالمية، لقد كانت شهرة الخبز الحافي لشكري عظيمة كما شهرة مائة عام من العزلة لماركيز أو البؤساء لفيكتور هوغو والأم لغوركي، مع أن شكري تميز من بينهم كلهم بأنه العربي الوحيد الذي سرد الأحداث الواقعية بلغة أدبية عربية تخطت حدودها الاقليمية ودخلت باب العالمية ليفهمها كل قارئ، وقد فعل ذلك رغم أنه يعيش في عالم ثالث، لا مكان فيه للإبداع حيث السيف مسلط على الرقاب ومستشفى الأمراض النفسية أو دهاليز وأقبية المخابرات عادة ما تكون بالانتظار.

بقيت اعماله ممنوعة من دخول المغرب حتى أواخر التسعينات،في تلك الأعمال الكبيرة قام الروائي المغربي بسرد واقع الحال في بلاده بالخمسينات والسيتينات ، حيث كان البؤس والحرمان والعوز والجوع والفقر سيد الموقف،حيث القوي يتحكم بالضعيف والغني بالفقير والحاكم بالمحكوم والمال بالأخلاق والأعمال ، ولا جنة على الأرض ولا جنة تحتها أو فوقها..

ولد محمد شكري في قرية بني شيكر من سلسة جبال الريف المغربية ، بضواحي مدينة ناظور الواقعة شمال شرق المغرب قرب مدينة طنجة سنة 1935. وقد جاء في لقاء أجرته معه جريدة البايس الاسبانية ما يلي :

" يعتبر شكري الكاتب اللعين في الأدب العربي المعاصر و البوكوفسكي المغربي،لقد حولته مواضيعه وأسلوبه إلي كاتب لعين، إلى كاتب يُقارَنُ بالأمريكي بوكوفسكي وبالكوبي بيدرو خوان غوتييرث، لكن وضع اللعين هو أصْخَب في العالم العربي والإسلامي.. ".

كان الفقيد يتحدث عن المرض بسخرية، يضحك منه، يتحداه ويتهكم عليه ، وقال عن مرضه " من المستحسن بعض الأحيان أن يمرض الناس حتى يكتشفوا المرض ". وقد صارع محمد شكري المرض العضال بثقة المؤمن بمصيره ، حيث كان هذا المرض اللعين يتواجد في ثلاثة أمكنة من جسمه، لم يتمكن من التفوق على السرطان لكنه وفي حياته تفوق على الحاكم والسلطان، أنتصر للمسحوقين والمعدمين، كتب لهم وكتب عنهم ، فكانت النتيجة ابداعات روائية وأدبية وسردية وصلت حد التألق والشهرة العالمية، فالخبز الحافي ترجمت ل 48 لغة حية.

يقول محمد شكري عن نفسه :

" طبعا! أنا عنيد، أنا من برج التيس، إذ تعلم أن الذئب سيأكلك لا محالة، لكنك تنطحه. وجوه ليس توديعا للكتابة، فالكاتب لا يُوَدِّعُ الكتابةَ حتي يُودِعُوهُ قبرَهُ".
 

تاريخ النشر 2003 / 11
آخر تحديث 11-2013

نضال حمد - أوسلو

مدير موقع الصفصاف

أعيد نشرها في ذكرى رحيل الروائي المغربي الكبير محمد شكري
 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 16-11-2013آخر تحديث