جميلة بوحيرد - رشاد أبوشاور

 

المناضلة الجزائرية التي زجتها سلطات الاستعمار الفرنسية في السجن بتهمة (الإرهاب)، حين كانت تقاوم مع أبناء وبنات شعبها الجزائري العظيم لتحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي الذي احتل الجزائر، ونهب ثرواتها، وتحكم بشعبها طيلة 135 عاما ابتدأت بحكاية (المنشّة) التي صفع بها الباي الجزائري مندوب فرنسا حين رفع عقيرته رافضا أن تسدد فرنسا ما عليها من ديون للجزائر، فتحركت أساطيل فرنسا، بلد الثورة والأخوة الإنسانية، واجتاحت الجزائر، وتعاملت معها كجزء منها في أفريقيا!.

، سمعت بها أنا وجيلي في النصف الثاني من الخمسينات، ومطلع الستينات ـ وما أدراكم ما الستينات! ـ من إذاعة صوت العرب، إذاعة الثورات العربية من المحيط إلى الخليج، وتأثرت مع غيري بأغنية وردة الجزائرية التي صدحت بها من إذاعة دمشق الشام، بعد حضورها إلى سورية وتخليها عن الإقامة في باريس.

جميلة يا جميلة
ياما عذبوها بالنار والحديد

وقرأنا قصيدة شاعر الياسمين نزار قباني () المؤثرة الموجعة المحرضة:

الاسم
تاريخ ترويه بلادي
يحفظه بعدي أولادي
تاريخ امرأة من وطني
جلدت مقصلة الجلاّد

جميلة عاد اسمها ليدوي من جديد مع ذكرى انطلاقة ثورة الجزائر في 1 نوفمبر عام 1954، ولكن بنبأ مؤسف يقول: في الجزائر ماتت المناضلة .

تذكرت الجميلات الثلاث، اللواتي اشتهرن عالميا بعد أن اعتقلتهن فرنسا، وعذبتهن، وهن: ، جميلة بوباشا، جميلة بوعزة، واللواتي مثلن عظمة المرأة الجزائرية التي تألق دورها في الثورة الجزائرية الرائدة لحركات التحرر في العالم الثالث.

سيمون دوبوفوار كتبت نصا طويلاً عن جميلة بوباشا، صدر في كتاب نقل إلى العربية مطلع الستينات، وجميلة بوباشا عرفت عن نضالها بتوسع من خلال مقابلات تلفزيونية معها، تحدثت فيها عن (علي لابونيت) البطل الجزائري الذي دوّخ البوليس الفرنسي في الجزائر العاصمة.

هل شاهدتم فيلم (معركة الجزائر) الإيطالي الرائع الذي منعت فرنسا الديمقراطية، فرنسا الثورة والكومونة،عرضه في باريس إلى ما قبل ثلاثة أعوام، بحجة أنه (صادم) لمشاعر الفرنسيين، بما يحتوي من مشاهد تعذيب وحشي مارسته أجهزة البطش الفرنسية على الثوار الجزائريين والجزائريات؟!

في ذلك الفيلم (التحفة) نتعرف على بطولة علي لابونيت، الإنسان الجزائري البسيط الذي تحوّل بفضل الثورة من (شقي) في قاع المدينة إلى بطل حقيقي، يضحي بنفسه، بعد سلسلة عمليات خطط لها وقادها في حي (القصبة) الذي اشتهر كثيرا إبان سنوات الثورة الثماني.

من قرأ كتاب (معذبو الأرض) لفرانس فانون، طبيب الأمراض العصبية المارتينيكي، الذي انتمى للثورة الجزائرية وكتب عنها أعمق وأفضل ما كتب، يعرف كيف تحوّل الثورة الإنسان من كائن سلبي ضائع إلى إنسان مبدع نبيل معطاء.

لم تمت، وهذا خبر جيد أراح ملايين محبيها في الجزائر وكل الوطن العربي الكبير، فهي أحد رموز حقبة زمنية ثورية عزيزة، وهي وإن توارت بتواضع، واختفت أخبارها، بعد انتصار الجزائر وزواجها من محاميها الفرنسي جاك فيرجس، ثمّ ممارستها لعمل خاص تعتاش منه _ عرفت خلال زياراتي للجزائر أنها تملك محلاً متواضعا لبيع الملابس_ حيث لم تسند لها أي مهمة رسمية بعد الاستقلال، مثل ألوف الثوار الذين نسوا في زحام السباق على السلطة.

يمكن أن تموت في أي وقت مثلها مثل أي إنسان، ولكن حضورها هي و(الجميلات) رفيقاتها في الثورة، وما أكثرهن من سيدات الجزائر، صاحبات الدور المشهود في المقاومة داخل المدن الجزائرية وعلى جبال الأوراس، واللوتي تحملن فقدان الزوج، والابن، والحبيب، والأب..وتعرضن لأبشع أنواع التعذيب في السجون الفرنسية الشهيرة جدا بوحشيتها وقسوتها..لا يمكن، ولا يجب أن ينسى تضحياتهن، فهن جزء بارز في تاريخ الجزائر الثوري.

قبل بضعة أشهر أثيرت ضجة حول مرض ، تسببت في حرج كبير للسلطات الجزائرية، فقد أعلن أنها مريضة وأنها بحاجة للعلاج، وأنها عوملت بلامبالاة وبإهمال من السلطات الرسمية، وهو ما أثار ردود فعل كبيرة داخل الجزائر وفي البلاد العربية، وهو ما دفع كثيرين للإعراب عن الاستعداد لتغطية كافة تكاليف علاجها في أي مكان من العالم، ومهما بلغت التكلفة، تقديرا لهذه الثائرة ودورها البطولي.

جميلة بترفع وكبرياء شكرت نخوة من عرضوا عليها رعايتهم، وأعلنت أن بلادها هي الأولى بالعناية بها..هكذا بوطنية صادقة، وبانتماء أصيل، فهي لم تشأ أن (تتاجر) بمعاناتها، أو برمزيتها وتاريخها.

الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقه، وهو أحد رموز ثورة الجزائر، وأول وزير خارجية لها، واصغر وزير خارجية في زمنه عالميا، ورئيس الجزائر الحالي، وهو من عمل على تحقيق المصالحة بعد سنوات الجحيم العشر من الصراع المدمّر، يقال إنه سيترشح للرئاسة للمرة الرابعة، رغم إنه في وضع صحي غير طيب.
جميلة تعود للواجهة، لا كمريضة يثار حول مرضها ضجة، ولا بخبر مؤسف عن وفاتها، ولكــن كمواطنة جزائرية كافحت من اجل جزائر حرة ديمقراطية، فقد أعلنت أنها في حال ترشح الرئيس بوتفليقة للرئاسة الرابعة فإنها ستنــزل إلى الشارع للتظاهر رافضة هذا الترشح.

الثوار بعد الانتصار يُنسون غالبا، ويقفز الانتهازيون على المناصب، ولكن الثوار الأصلاء لا يتقاعدون حتى لحظة رحيلهم، ويواصلون كفاحهم من أجل شعبهم وبلدهم وإنسانيتهم، وهذا ما تفعله هذه الثائرة الجزائرية الصلبة والنبيلة التي أتمنى لها طول العمر في بلدها الجزائر، البلد الذي بهر العالم بثورته، وكان نبراسا للشعوب المظلومة المستعمرة التي سارت على دربه فنالت حريتها، فالجزائر كانت مدرسة ثورية ذات زمن، وستبقى معلما بارزا في مسيرة الشعوب التي سارت على خطاها، وثارت لانتزاع سيادتها وحريتها واستقلالها.

 

 

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 20-11-2013آخر تحديث