مصر بين الشريعة و الشرعية - د.عادل عامر

إن حقيقة ما حدث في مصر خلال العام الماضي أن الإخوان المسلمين قد تعاملوا مع رئاسة الجمهورية على أنها شعبة من شعب الجماعة، ونحن ندفع وسندفع ثمن ذلك جميعا دما وأحقادا بين أبناء الوطن الواحد"!إن مطالب الشعب المصري ليست جديدة بل إنها متكررة منذ انتصار ثورته وإسقاط حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك والأهم من ذلك على القيادة الجديدة في مصر إن تنصاع إلى مطالب الشعب المصري رافضاً في الوقت ذاته تدخل الجيش في مجال السياسة معتبراً أن هذا الأمر يثير القلق.

والنتيجة أن المواجهة كانت دوماً صفرية. طبعاً اختلفت الحالات والنماذج العربية لكن إجمالاً كان للفائز كل شيء في الدولة والمجتمع، بينما يهمش الإسلاميون ويصنفون كممثلين للقديم البائد، ولم يقتصر الأمر على مجرد التهميش، بل امتد إلى الملاحقات الأمنية والاعتقالات. ونظراً لتعثر تجارب التحديث فإن ثماره ومظاهره انحصرت في شرائح اجتماعية ضيقة، وتركزت في المدن، ولم تصل إلى الريف، ومن ثم تحول إلى حاضنة للقديم الموروث. اللافت في الاستقطاب والصراع المجتمعي الموروث عربياً أمران، الأول: أن النخب الوطنية التي وصلت إلى الحكم في مرحلة الاستقلال الوطني – أغلبهم عسكريون – تبنت الحداثة الغربية سواء رأسمالية أو اشتراكية بدرجات مختلفة، ومع ذلك دخلت في صدامات دموية مع القوى الحداثية الليبرالية أو الاشتراكية، وتحالفت مع نخبة ضيقة من رجال الأعمال وأنصار الاستبداد والشمولية في الحكم، بعضهم انسلخ من النخب الحداثية أو الإسلاموية، ما يعني أن الاستقطاب لم يكن فقط حداثياً – جديداً، مقابل إسلاموي – قديم، وإنما كان الانقسام على الاستبداد مقابل الديمقراطية، واحتكار الثروة والسلطة مقابل العدالة الاجتماعية. وبالتالي ربما كان انقسام المجتمع والثقافة بين الوافد الغربي (الحداثة) وبين الموروث الإسلامي (القديم) مجرد غطاء أيديولوجي للاستقطاب والصراع حول الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتحرر الوطني.

الثاني: أن الإقصاء الممتد منذ عصر الاستعمار للقوى الاسلاموية ولد في المقابل ثارات تاريخية ونزعات انتقامية لدى تلك القوى ضد قوى ورموز الحداثة، تظهر بوضوح عندما يصل الإسلاميون للحكم، ولعل متابعة الحالة السودانية في عصري نميري والبشير تقدم تفاصيل كثيرة عن حالات الإقصاء والانتقام من القوى الحداثية أو حتى الإسلامية المستنيرة، وترافق ذلك مع ممارسة الاستبداد وزيادة معدلات الفقر والظلم الاجتماعي.الانتخابات الرئاسية المبكرة ليست بدعة ديمقراطية فهي ممارسة متعارف عليها بالديمقراطية تطالب بها المعارضة أحيانا في حال الانخفاض الشديد لشعبية الحزب الحاكم وأحيانا الحزب الحاكم نفسه يطلبها أما ليسلم الحكم للمعارضة خصوصا إذا كانت هناك أزمة اقتصادية فيحرجها أما الشعب أو أحيانا إذا كانت شعبيته مرتفعة جدا فانه يدعو لها لتمديد فترة حكمه إذا شارفت على الانتهاء ولعل اقرب مثال لازمة مصر هو استقالة الرئيس الفرنسي شارل ديجول سنة 1969 قبل أن يكمل مدته الدستورية، وذلك حينما لم يمنحه الشعب الفرنسي نسبة التأييد في الاستفتاء على إصلاحاته الدستورية المقترحة، هذا وديغول هو بطل تحرير فرنسا ! الوضع بمصر في 30 يونيو كان يستلزم حل لإنهاء حالة الاحتقان والغضب الشعبي وان كان مرسي قد قبل بعزل النائب العام وتشكيل حكومة ائتلافية في آخر خطاباته لكنه كان متأخرا جدا فالمطالب ارتفعت مزهوة بحالة الغضب الشعبي العارمة وأصبحت أما التنحي أو انتخابات مبكرة وهو ما رفضه مرسي وكان هذا السبب الذي يحتج به الجيش لتدخله وعزل مرسي لإنهاء حالة الاحتقان وتجنب حرب أهلية على حد تعبير قياداته.... وكم تمنيت أن تتم انتخابات مبكرة وتجنبت مصر هذه الأزمة فلقد كنت أرى الانتخابات المبكرة الحل الأسلم في حينها

ما حدث بعد عزل مرسي هو الأغرب فعدة دول ومنها دول الخليج سارعت بالاعتراف بالنظام الجديد بمصر والدول العظمى بالعالم آثرت الصمت خصوصا بالبداية وغض الطرف عما يدور في مصر وطالبت على استحياء بعودة 'نظام' ديمقراطي مدني للحكم بأسرع وقت دون تحديد إن كان هذا النظام السابق المعزول أو نظام جديد وكأن لسان حالها يقول انتهوا سريعا من التغيير وإجراء انتخابات حتى نعترف بالحكم الجديد ولا تحرجوننا مع شعوبنا ولا نناقض مبادئنا الديمقراطية إمام العالم فقط تركيا هي الدولة الوحيدة المؤثرة نوعا ما الذي احتجت علنا على ما حدث في مصر وطالبت بعودة الرئيس المعزول مرسي . بل الأكيد أن تطورات ونتائج الأزمة الراهنة في مصر كيفما كانت لن تمر دون أن تلقي بظلالها و تداعياتها على بقية دول الربيع العربي التي تبدو في حالة مخاض عسير قد يطول ربما أكثر من المتوقع فيدفع بالكثيرين إلى السقوط في فخ الإحباط واليأس ويدفع بآخرين ربما إلى الحنين إلى الماضي غير البعيد وهذا هو الأخطر والتحسر على زمن دكتاتوريات قد ينسى العامة في خضم الغموض و الخوف من المستقبل أنها كانت ولا تزال السبب الأول في التناقضات الحاصلة نتيجة ارث مثقل من الفساد والاستبداد ولكن أيضا من الخراب والتصحر الفكري والكساد الذي أصاب العقل حتى استعصت كل الأدوية والحلول على داء الحماقة الذي استفحل فأعيى كل مداو لها. -الباعث على الأسى أن يتحول هذا الاختلاف السياسي إلى حالة احتراب أهلي ما بين أنصار التيارات الإسلامية وكثير من التيارات المدنية المعتدلة وبعض فلول النظام جرت فصولها الدموية عند أسوار القصر الرئاسي باستشهاد بعض الأبطال المتوضئين وهو ما يلزم العقلاء بذل أقصى ما يمكنهم لرأب هذا الصدع المنذر بانهيار ليس الثورة المصرية ولا طموحاتها، بل بنية المجتمع المصري التي كانت طوال تاريخها الطويل مثالًا للتماسك إلى حد أنها لم تعرف مصطلح الحرب الأهلية طوال هذا التاريخ، هذا المصطلح المفزع الذي أطل على الساحة المصرية مهددًا بأوخم العواقب.وأيا ما كان المآل الذي ستنتهي إليه هذه الأزمة فإنه سيطرح الدستور، والأمل معقود على موافقة الشعب المصري عليه بنسبة عالية فليس هذا إلا بداية التجربة الديمقراطية التي تفصح في هذا المشهد العنيف عن بعض من حيويتها. ومن المحتم أن هذه التجربة ستكون قادرة على تصحيح ما قد يعتريها من أخطاء بفعل التجربة نفسها ومن داخل التجربة ذاتها. لذلك فإن الثقة في ميراث المجتمع المصري من التماسك والوحدة تجعل الآمال عريضة في سرعة احتواء الشعب المصري لهذه الأزمة العابرة في تاريخه، والتي قد لا تمثل أكثر من كونها إحدى وخزات ما يمكن تسميته بآلام الشفاء والتعافي من علل كثيرة أنشبها في الجسد المصري عهد مظلم من الفساد والقهر اسمه مبارك. نحن أمام جماعات كلما ازدادت أزمتها تمسكت بمخادعها ودفعت إلى مزيد التأزم الهروب إلى الإمام سيزيد الأزمة اشتعالا, الناس في الشارع يهتفون بسقوط الدستور وسقوط مرسي وسقوط النظام ولكن هؤلاء لا يسمعون كل هذه الأصوات ولا يدركون خطورة ما يحصل في الشارع, ولذلك فان كل السيناريوهات تبقى قائمة وسوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية سيزيد الوضع تعقيدا لمشهد الحالي يمكن اختصاره في أن المجتمع يقاوم بضراوة وليس فقط القوى السياسية الوطنية التي تتوحد الآن في مشهد نادر في مواجهة محاولة اختطاف الثورة ومواجهة نظام ظلامي ولا أبالغ إن قلت انه فاشي, وهذا الخطر الذي نراه يزحف على مصر اليوم لم يوحد القوى السياسية فحسب ولكنه استنفر المجتمع المصري الذي خرج بالملايين ليؤكد إن القضية أكبر من أحكام الإعلان الدستوري وان المؤامرة تناقض كل أهداف الثورة لأنها تعادي الحريات وهذا يظهر في مشروع الدستور.

وفي قناعتي أن أهل السلطة القائمة فقدوا شرعيتهم وكسبوا بسبب قراراتهم المزيد من الأعداء بما يتجاوز ما كان يسجل أيام مبارك. في ظل هذا المعطى هناك اليوم مقاومة ضارية من المجتمع للدفاع عن الحريات المهددة والمشهد بلغ درجة بات ينذر معها بكل الاحتمالات



كاتب المقال
دكتور في الحقوق و خبيرفي القانون العام

ورئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية

عضو والخبير بالمعهد العربي الاوروبي للدراسات الاستراتيجية والسياسية بجامعة الدول العربية

 

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 21-11-2013آخر تحديث