قراءة سريعة في انتخابات المجالس المحلية والبلديات العربية في الداخل الفلسطيني..

 محمد كناعنة – أبو أسعد

" نُخب وإنتخابات "

في واقع الحالة الاستثنائية التي يحياها العرب الفلسطينيين في الداخل المحتل منذُ العام 1948، يشارك هذا الجزء من شعبنا الصامد في أَرضهِ ووطنهِ، في انتخابات السلطات المحلية والبلديات للقرى والمدن العربية، وكذا في مُدن الساحل الفلسطيني أو ما يُسمى ب "المدن المختلطة"، ومن المعروف أَن الفلسطينيين في الداخل يشاركون في انتخابات البرلمان الصهيوني (الكنيست) وهذه تُقاوم بحملة مقاطعة كبيرة وذات طابع سياسي وطني مبدئي وتصل نسبة المقاطعة الحقيقية الى حدود ال 60% من العرب أصحاب حق التصويت، وبالمقابل تتجاوز نسبة التصويت في الانتخابات المحلية في بعض المواقع ال 90% وما يزيد.

والحالة الاستثنائية التي نشير لها هُنا ترتبط بالتعريف القانوني للعرب الفلسطينيين في حدود المحتل عام 1948 داخل دولة الاحتلال "اسرائيل"، إذ أُعتُبروا "مواطنين" يحملون بطاقة الهُوية "الاسرائيلية" وجواز سَفرها ويمارسون!! "حقهم الديمقراطي" في لعبة الانتخابات البرلمانية وكذا جهنّم انتخابات السلطات المحلية، وهذا التعريف القانوني أخرج عرب الداخل - ولو بروتوكولياً - من دائرة الحل للقضية الفلسطينية ولكنّه غير قادر على اخراجهم من دائرة الصراع، وهكذا وجدَ العرب ضالتهم داخل دولة الاحتلال في لعبة "الديمقراطية"، في بدايات الاحتلال كانَ المخاتير وعكاكيز السلطة هم من يتولون شؤون السكان العرب في ظل الحكم العسكري ورويداً رويداً بدأت تحصل المدن والقرى العربية على حق الانتخاب لمجالس بلدية تُدير شؤون السكان المحلية، وعلى مدار سِني الاحتلال، منذُ النكبة وحتى اليوم لعبت أجهزة الأمن والدراسات والأبحاث الصهيونية على مراقبة سلوك العرب في هذه الانتخابات حدَّ التدخل المباشر وغير المباشر في هذا السلوك خدمةً لمشروع وفكرة فرّق تسُد. وعلى مدار هذه الممارسة "الديمقراطية" كانت المنافسة في إطار مشروع "الخدمات" بين أحزاب سياسية وقوائمها الانتخابية وكتل انتخابية مختلفة ترتكز على المنسوب العائلي والطائفي والعشائري. وكان للرؤساء الوطنيين دوراً في تصعيد النضال ضد سياسة المصادرة والقهر القومي والتمييز العنصري، وتجلى ذلك في يوم الارض الخالد عام 1976، وأعتقد أن أحد الاخطاء التي وقعت فيها الاحزاب السياسية وخاصة (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة) في الداخل هي محاولة مجاراتها للعائلية والاعتماد على هذا المنهج حوّل مشروع تسييس "المعركة" الى مشروع حسم المعركة، مما أدى الى تحويل الانتخابات من مشروع حضاري مدني ذا طابع وطني، إلى برميل بارود انفجر في وجه المشروع الوطني المنادي بالمحافظة على الهوية الجمعية والانتماء الوطني وربطها بمشروع الخدمات الحياتية اليومية عبر السلطات المحلية العربية في مواجهة مشروع الدمج والأسرلة، وعلى ما يبدو قد صدق من قال في أروقة المؤسسة الصهيونية:- "لِنمنَحَهُم حق التصويت وسوف يتقاتلون عائلات وعشائر وطوائف".

وماذا بعد...

في الانتخابات الأخيرة والتي جرت في 22/10/2013 في المدن والقرى الفلسطينية في الداخل الفلسطيني تنافست أحزاب وحركات سياسية عريقة وتاريخية إلى جانب قوائم عائلية وطائفية ولوحظ إنسحاب الحركة الاسلامية (الشق الشمالي) من المنافسة بقرار رسمي.

فكيف تصرّف الناخب العربي؟!

لا شك أنّ الاقبال الكبير والواسع في عملية التصويت ليس نابعاً فقط من كون "المعركة" بينَ حمائل وعائلات وطوائف وعشائر، بل ويلعب الأمر دوراً أنّ هناك حاجة ماسّة للخدمات ومنها التعليم والصحة والبُنى التحتية والخدمات الاخرى عبر هذه المؤسسة المرتبطة بجهاز الحكم المركزي وأذرعته المختلفة، ورغم كل التصريحات والدعاية الانتخابية حول هذا المرشح أو ذاك تبقى التحالفات والانتماءات العائلية والطائفية هي الأقوى.

وكانت نتيجة الانتخابات من الأشد صدمة عبر تاريخ هذه العملية، فتنافُس الاحزاب كان أشد ضراوة بينها من تنافسها مع قوائم العائلية والطائفية، وخسرت الجبهة الديمقراطية- والحزب الشيوعي معاقل تاريخية ولم تنجح في قوائم الرئاسة إلا في معقل واحد هو يافة الناصرة بينما خسرت الناصرة وعرابه وسخنين ودير حنا (مثلث يوم الارض) ولم ينجح التجمع الوطني في ايصال رئيس حزبه السيد واصل طه في كفر كنا وكذا حنين زعبي عضو كنيست لم تصل الى نسبة 10% في الناصرة وكذا الرفيق رجا اغبارية قائد في أبناء البلد والحركة الوطنية لم يحصل على ال 10%، بينما حصل العائليين على أغلبية الأصوات وحصدوا معظم المقاعد وهذا مؤشر خطير على فشل الأحزاب في رؤيتها لطبيعة هذه الساحة ولطبيعة المنافسة فيها، وهذه النتائج فيها ضرب للحزبية والعمل الحزبي، وألأحزاب هي الخاسر ألأكبرفي هذه المعادلة، وتجدر الاشارة هنا أن عدد من الرؤساء الوطنيين نجحوا بدعم من الاحزاب وليس بإسمهم، وهم لا يتعدون أصابع اليد الواحدة، وكان نجاح مرشح قائمة جبهة العمل الوطني المدعومة من حركة أبناء البلد في مجد الكروم الرفيق سليم صليبي في الفوز برئاسة المجلس المحلي بمثابة الشمعة في نفق هذا الظلام الذي يلف حالنا في الداخل الفلسطيني خاصة وأنّهُ ينتمي الى أصغر عائلات البلد وخاض الانتخابات ببرنامج سياسي وطني خدماتي وفاز بالأغلبية الساحقة، وهذه ظاهرة تَستحق الدراسة والتمحيص على درب ألإستفادة من التجربة وطنياً وتعميمها قطرياً .



محمد كناعنة – أبو أسعد

عضو المكتب السياسي لحركة أبناء البلد

 

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 06-11-2013آخر تحديث