مصير المقاومة الفلسطينية بين القمع الأمني و التواطؤ الفصائلي - محمد حرب


الثائر خياره الأوحد هو خيار الرفض لكل أشكال الظلم و القهر ، ومن أسمى الأهداف التي يسعى لتحقيقها الحرية والكرامة والعدالة و التي ليست من صنف الهدايا التي يهبها المستكبرين لغيرهم ولا يمكن أن تجدها بين البضائع المعروضة في الأسواق العالمية .

وقضيتنا الفلسطينية العادلة ما هي إلا تجسيد كامل للمواجهة بين الإستضعاف في أشد صوره وبين الإستكبار في أعتى أشكاله ، فالمواجهة الحتمية المتأججة المستمرة بين النقيضين هو الوضع الطبيعي و يعبر عن جوهر الصراع بين الحقيقة و الزيف ، و قد بدأت هذه المواجهة بين أصحاب الرسالات السماوية و خَدمة الشيطان و كان من أهم فصولها يوم أن جاس عباد الله أصحاب البأس و الإيمان في ديار شذاذ الأفاق يمحقون زيفهم و يمسحون دنسهم في أرض الجزيرة يقودهم سيد الرسل وخير إنسان عرفته الأرض والسماء ، وقد كان يتقدمهم في مشهد عظيم مسقطاً علوهم و ساحقاً وجودهم .

وساحة فلسطين هي موضع المواجهة الثانية ولكنها مواجهة لم يختصرها الزمان و أبقاها متقدة لاكثر من نصف قرن رغم كل محاولات الردم و الإطفاء للهيبها ولكن يأبى الله و حزبه و أنصاره أن يقبلوا بهذا العلو ليستطيل ، و الصراع الذي لا وجه له إلا التدافع و التلاطم ظل ينغص على هذا الكيان وجوده و أمنه و يكبح توسعه و ظل يؤرق حماته من رجال الكابوي و الذين يدورون في فلكهم .

و ما يهمنا في هذه المرحلة مستقبل هذه المواجهة ومآلها ، فقد وصلت قضيتنا في دورانها لمرحلة غريبة من الإشتباك ، ولكي نستجلي الصورة فعلينا أن نعين مواقع الأطراف جميعاً من القضية ومن بعضها ومن العدو ومن المحيط .

١- لا يختلف إثنان في التطور الإعدادي الذي تمتلكه فصائل المقاومة الفلسطينية مما يجعلها أقرب للجيوش المنظمة من الحركات الثورية ، و كذلك لا يختلف أحد أن حجم التمويل إرتفع مستواه ليكون شريكاً أو بديلاً عن البعد الأيدلوجي و ليحل محل التربية في إيجاد المفاهيم العسكرية المعنية بالضبط .

٢- التنازع بين الشعار و التطبيق أوجد إختلالاً في الأدوار و زاد من التشابه والتشابك لصالح التيار الذي يرى التسوية السياسية مع العدو ضرورية لبناء الكيان الفلسطيني .

٣- الفرقاء السياسين لم تعد نقطة الإفتراق بينهم ترتكز على الخيارات ( التسوية ، المقاومة ) بل أن الحاضر في صراعهم هو شرعية التمثيل وأحقية القيادة ، وهذا العراك الذي لا ينتهي ضجيجه الفاسد سوف يظل مستمراً لكونه يعتاش على ثقافة الرفض للآخر و الغياب للشعور الوطني و الفهم المنحرف للدين و فساد المزاج السياسي للنخب وغيرها من اسباب كثر .

٤- السقوط السياسي لبعض من يمثلون الوجه الفلسطيني كان قد أرخى ظلاله على بقية الأطراف لأن الواقع مهما رفضناه فأنه يصبح جزءا من تصوراتنا التي نراها أمام أعيننا وفي غياب خيارنا الأصيل فأننا نبحث عن الجديد مما هو حاضر أمامنا وهذا جعل التساقط عملية مستمرة متسلسلة مرتبطة بعمر التجربة وضراوة الصراع .

٥- الإنسلاخ من موقع صاحب القضية الأصيل الذي يظل رافض لانزوائها ولو لمدة زمنية لخوفه الدائم من خسارة تهدد حقه ، و الجلوس في موقع المتعاطف و الرافض فالهدنة أضحت من سنوات هي الأصل و الفعل المقاوم من قبيل الطوارىء ، و تحجيم القضية بإختزالها في رد الفعل المؤقت أو تقديم وعود لحروب مستقبلية تحريرية تماماً كوعود العرب التي ما زلنا في انتظارها من أكثر من نصف قرن.

والمقاومة التي تعرقلت بفعل الضبط الأمني سابقاً عندما كان فريق أوسلوا يحكم السيطرة على الواقع الفلسطيني بشكل كامل و يحاول أن يثبت أن بإمكانه تحقيق حلم الدولة عبر هذا العبث السياسي المسمى بالتفاوض ، هذه المقاومة عادت على أشدها في إنتفاضة الأقصى لتثبت أن خيار التسوية لا يمكنه أن يسير على قدميه لكونه كذبة ، مجرد كذبة أخرى أطلقتها عصابات هذا الكيان المسخ الذي أراد أن يطمس حقنا الأصيل و أن يشرعن لجريمته عبر إتفاقيات السلام الكاذب ، وكان من المفروض أن تمترس المقاومة في خندقها سيظل مبقياً لجذوة الصراع مشتعلة و سيغنينا عن سقوط آخر لن يأتينا إلا بمزيد من التراجع ، ولكن نفس اللعبة تكررت ، فبدل أن يتم الاذعان أكثر للخيار الذي وهبنا الوجود فأنه تم القفز من الخندق و الهرولة خلف الغنائم التي ألقاها عدونا و الخروج من خلف الواقيات ومن فوق الحاميات ، و حولت دفة الصراع لتكون داخلية وعلى وهم السيادة وكانت الانتخابات و أصبح الفرقاء يقفون في نفس النفق الكئيب يتلمسون الشرعنة من شياطين الارض وقواديه ، فالآن توحد مضمار السباق فلم يعد كل منهم يختار ميدان مختلف ، والفارق اصبح زمني و إجرائي كالفارق بين المرأة البكر و المُجربة على فراش العهر فالنتيجة واحدة ولكن الحياء يظل محفزاً للفحل الذي يعتليهم ولكن سرعان ما يتساوى الطرفان بعد انكشاف الستر .

و الكفاح المسلح الذي ظل قبلة الفلسطينيين لم يعد مقبولاً عند نخبهم و أصحاب القرار فيهم، و الايام تزيد الفاصلة ما بين النظرية والتطبيق ، فقد إبتدأت الثورة الفلسطينية والتي قادتها الفصائل الوطنية و في مقدمتها حركة فتح وكانت تعلي من شعار الكفاح المسلح كخيار اوحد لتحرير فلسطين من البحر للنهر إلى أن وصلت للفظ هذا الخيار أمام العالم وتحجيمه على مستوى التنفيذ ( لست ممن يرى ان حركة فتح تركت الكفاح المسلح وما زال لها فعل ولكنه محجم و غالبا ما يكون خارج عن اطارها المنظم وانما معبرا عن ثقافتها العظيمة سابقاً )وللاسف فان المسار السياسي الذي لا يقف على ارض واحدة ويتنقل ما بين الثوابت الفلسطينية ( القديمة منها و المجددة ) وما بين الضرورات الدولية التي دائما ما تفرز لنا تغييرات مكروهة فتزيدنا قابلية للمحرمات و تحول المرفوض إلى موضع تفكير وبحث ثم إلى يتحول لما يشبه القناعة بما هو متوفر ثم يصبح مقبولاً ثم نزينه ليصير مطلباً وطنياً وخلافه خيانه .

هذا الفريق الفلسطيني الصميم اوقع نفسه في حضن الشيطان وقبل شروطه ثم راح يتعذر بالظروف والوقائع وها هو اليوم يزيد من لفظه للخيار الاصيل خيار المقاومة و يطمس كل ادبياته و تراثه و يمنع الآخرين من حقهم في ممارسة دورهم في وجه الاحتلال و هو عاجز عن إقناع غيره بهذا الخيار فهو يفتقد القدرة على تشكيل رؤية كاملة لادارة الصراع مع هذا العدو فقد ظل يتكتك في الكواليس و يتحرك بطريقة يوم بيوم وهو قانع بهذا الكيان السلطوي الموهوب له متغافلاً عن كل الحقائق حوله والتي تكررت امامه لعقود من الزمن وهو ما زال يرفض ان يعيها ويتعامل على اساسها ، فكيف لشعب محتل ان يسقط خيار الكفاح حتى لو اراد ان يستخدم خيار التفاوض فان خسارته مؤكدة لان اوراق القوة لديه قد أتلفها بمحض ارادته.

هذا الفريق الذي فقد القدرة عن إقناع نفسه قبل غيره بمساره السياسي لم يجد الا الآلة الامنية العمياء ازاء الخيار الصائب خيار المقاومة اما إستجابة للاتفاقات الامنية او خوفاً من عواقب الافعال من جانب الغول المترصد على الحدود او حماية للدولة المحظية التي يمتلكها من المنافس الداخلي الذي يطمح في ضم كل الاشياء اليه جملة حتى ولو كانت متناقضة ولا تقبل الاجتماع .

وأما الفريق الذي تداعي حديثاً و دخل المضمار فأنه ما زالت تنقصه الخبرة والتجربة ولكنه في رأي نفسه محصن ومدعوم من السماء ، و ما يفعله هو فعل الرب بصورة السياسة ، فسياسته شرعية و تنازلاته شرعية و منعه للخيار الذي ما زال يتغنى فيه شرعي و حتى دخوله اروقة التفاوض سيكون شرعي .

هذا الفريق الذي قدم الاصيل في طريق الدخيل ، و اراد الغنيمة قبل النصر بدأ سقوطه من مكان صعوده ، فنصره كان بوابة انهزامه ، فيوم ان خرج العدو على اثر ضربات المقاومة كان هو يفكر في جائزته ، وعندما القيت عليه عباءة الانتخابات لبسها سريعا دون حتى ان يتفقد لونها أو حشوتها الداخلية وعندما نال فوزا ساحقا انتشى و أزاح الفريق الآخر باطشاً به في مشهد دموي مضخماً الأذى الذي تلقاه سابقاً وقد داس في طريقه نسيجنا الاجتماعي و اتصالنا الوطني و قد صار واضحاً ان سكوته عن الظلم السابق الذي وقع عليه لم يكن اعلاءا للوطن ولكنها محض حسابات تقوم على القوة والضعف و الربح والخسارة .

هذا الفريق الفلسطيني المتشح بعباءة الدين أو الديني الذي وجد نفسه فلسطيني فجأة (حماس ) ركب قطار المقاومة ليصل إلى السلطة وأما وقد وصل فأنه الآن يكتفي من المقاومة مقدار لقيمات بين الفينة الأخرى ظاناً انه بذلك قد جمع الشتات وامتلك اللحظة و المستقبل، و حقق الحلم الذي طالما حلق في الفضاء ، حلم الخلافة القادمة حتى ولو في مربع تحتضنه الشياطين ، ومع كل ذلك لا أدري كيف استطاع هذا الفريق الحصول على قبول قاعدته العريضة التي تربت على ترانيم الدم والشهادة و الفداء أن واجبها يعلوا على امكانها ومع ذلك هي اليوم تؤجل الفعل بعد أن إمتلكت القدرة لأن الاوان لم يحين ، وأضحى مصطلح التكتكة دارجا بينهم وكانه آخر صيحة في فطنة الساسة الجدد الملتحين ، وكومة الأسئلة التي في جعبتي تلح علي دوما في أن أبادر بها عند اي لقاء مع أحدهم ، هل حقاً أنهم لم يطلعوا على تجربة السابقين ( الوطنيين ) اولم يسمعوا بدعواهم او لم يفكروا من يحدد وكيف يمكن أن تاتي هذه اللحظة المناسبة ؟ والى حينها ما هو الذي سيتغير فيهم ؟ و هل اصبحت حدود غزة مصونة وحدود الاقصى مباحة ؟و هل هناك فارق بين المقاوم الفلسطيني المباح في الضفة وذاك الذي لا نقبل التعدي عليه في غزة ؟ هل غزة منيعة وترفض ان تداس ارضها كمصر ( كامب ديفيد) ؟، كيف يقبل رفاق الموت وابناء الاسر ان يكونوا صبورين على هذا العدو ؟ وما هي المعادلة الجديدة التي أرست والمسماة بالتوافق الوطني ؟ كيف يمكن ان يتوافق ابناء الوطن على نسيانه او فلنقل على تأجيله ؟ كيف يمكن ان تصبح الوزارة و مكاتبها متقدمة باشواط على البندقية و القنبلة ؟ اي صيغة يمكن ان يتمالىء عليها ابناء الوطن ليبقوا انفسهم في دائرة الانتظار ؟ هل اسكرت السلطة حماس ؟ اذن فماذا عن ابناءها هل قبلوا بان يكونوا اجيرين لما لم يعرفوا اوانه ؟ أو أنهم قبلوا بسبب الضبط الحديدي الذي الفوه وتربوا عليه ؟ فماذا عن غيرهم ماذا عن الجهاد الاسلامي اين ريادتهم و تصدرهم للفعل ،؟ و ماذا عن البقية هل أسكتهم الضعف أم أخرسهم الخوف ؟ واذا كان هذا هو الحال كيف لنا ان نسميه توافق وطني ؟

وما حقيقته الا تواطؤ فصائلي بنوده العجز و الخذلان و النكوص و التربع على موائد الانتصار المزيف الذي أصبح يوهب لنا في كل بضعة اعوام لنزداد انزواء عن فلسطين الوطن وفلسطين القضية وفلسطين الهدف وفلسطين القبلة وفلسطين القداسة وفلسطين الهم والوجع .

والحل لا يمكن ان ينبثق من موطن الخلل الذي لطالما تجرعنا ويلاته هذا الخلل الذي على رأسه الحالة الفصائلية التي رهنت قرار الوطن في ايدي طغمة من النخب المنسلخة الا من ذاتها ، المستحق الاوحد لان يتصدر المشهد الفلسطيني هو الذي كتب وصيته و تلمس الموت عند كل منعطف ، أما من طمح أن يحيا طويلاً خلف الميكرفونات و أن ذاته أقدس من كل الأشياء وأن بإمكانه أن يؤجل فلسطين الوطن والقضية من أجل بقاءه فهذا مكانه حتماً في موقع آخر غير قيادة المسيرة ، ولكي نبدأ مراحل النهوض الفلسطيني فأنه علينا أن نخرج من الدوائر التي تحدد الفعل وتجعله قاصرا على المصالح الحزبية حتى لو كان في ذلك سحق للوطن .

لذا فأن الحل يكمن في رأيي ان نعود للحالة النضالية الشعبية الجماهيرية فالوطن اكبر منا جميعا ، وليس علينا ان نقسم انفسنا تبعا للايدلوجيا والافكار فهل رايتم في جيوش العالم من يقسم الويته تبعا لافكار المنتمين لهذه الالوية ، الحالة الشعبية تعني اننا انحزنا لفلسطين و الصراع الايدلوجي ليس مكانه ميدان المعارك ، كان يمكن ان نوائم بين الايدلوجيا الفصائلية والمسيرة النضالية ولكن لان ذلك كان المنحدر الذي زلت اقدامنا فيه دوما ، فان وطينتنا الصادقة تلزمنا من الخروج من عنق الايدلوجيا الا رحابة الوطن و الامة والانسانية ، فهذا الاحتلال هو تمام الباطل هو مركز الشر في هذا العالم لكونه تجسدت فيه كل الجرائم دفعة واحدة وهو يحتاج للخيريين كافة يحتاج للذي لا ينفك عن ربط صراعه بالسماء و هذا حال معظمنا لكن دون شطط يفسد فهمنا للسماوي و يضلل توجهنا الوطني ، ويحتاج للذي يرتكز على انسانيته يريد الحرية والعدالة والكرامة لجنسه البشري دون اي استثناء فلا يقصي اي طرف وتحت اي حجة قائمة على الوقائع الزمانية ، فلسطين هي المنطلق والمسيرة والغاية ومن لا يحتكم لذلك فما هو الا زبدا آخر ستمحوه الريح ،

المقاومة و الكفاح والجهاد و النضال ليس ابتكار احد من عباقرة النخب الفصائلية وليس هناك براءة اختراع لاحدهم على هذه المفاهيم الاصيلة ، ولا توجد اوراق ملكية للنهج النضالي في جعبة أي من الذين يتصدرون المشهد الفلسطيني ليخرج علينا بانه شطب او الغي او اجل او انه ينتظر الفرصة ليقوم بما يراه مناسباً ، نعم من الممكن ان نتوحد في الية لهندسة الفعل و اخراجه في شكل اجمل لكن ان يقصي احدنا البقية ويعتبر نفسه الوكيل الشرعي والوحيد و الممثل والمنصب وان النصر سيكون حليفه وحده فهذا لن يكون ، فالسماء والارض ابرزت لنا من التجارب ما يجعلنا على يقين انه لا انتصار لمن ترك خلف ظهره رفاقه او لمن ازاح غيره من الميدان او من اقفل باب المعارك بأي حجة .

فأقفال باب الصراع مع هذا الكيان من أي طرف كان مآله الحتمي الاستبدال و تجربتنا الوطنية ترسخ هكذا فهم ، المقاومة لن يوقفها الا زوال هذا الكيان و خلاف ذلك هرتقة ومحض حروف لا تسوى المداد التي كتبت فيه وهي حتماً لعنة على من صدق و وافق على هذا التوقف ، لانه من يتوقف عن رفض الشر فأنه يصير جزءا منه و تستحيل حياته لظلام بدون نهاية .

فلسطين ، غزة

مصير المقاومة الفلسطينية بين القمع الأمني و التواطؤ الفصائلي
 

 

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 08-11-2013آخر تحديث