الاستيطان والتهويد والمواقف الاستهلاكية - عوني صادق

خطط استيطانية جديدة، وعطاءات للبناء في القدس والضفة الغربية، وتقسيم وشيك للمسجد الأقصى، وأوامر للبدء ببناء جدار في الغور على الحدود الأردنية . وفوق ذلك، نتنياهو يجدد مطالبته الاعتراف ب “الدولة اليهودية”، وبتنازل الفلسطينيين عن حق العودة! وفي المقابل، تنديد عربي، وقلق دولي، بينما وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، متفائل بأن المفاوضات “الإسرائيلية” - الفلسطينية ستحقق الأهداف، وتجلب السلام إلى المنطقة في الأشهر المقبلة . . هذه ليست جزءاً من الخطوط العريضة للوحة سيريالية تقع عليها أعيننا وحسب، بل هي فقط عناوين الأخبار في يوم واحد .

فبينما أعلنت حركة (السلام الآن) أن الحكومة “الإسرائيلية” ستطرح عطاءات لبناء (1860) وحدة سكنية جديدة في القدس والمستوطنات الكبرى، سبقتها صحيفة “هآرتس-” 1/11/،2013 وكشفت أن الحكومة ستبني (5000) وحدة سكنية جديدة، منها (1500) وحدة في شرقي القدس . هذه الإعلانات، جاءت متزامنة مع إطلاق سراح (26) سجيناً فلسطينياً من الذين اعتقلوا قبل توقيع (اتفاق أوسلو) و”كثمن” لإطلاقهم، بينما أفاد (مركز الأسير الفلسطيني للدراسات)، في تقريره الشهري عن شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، حول الاعتقالات وأوضاع السجون في الضفة، أنه في هذا الشهر تم تنفيذ (240) عملية اقتحام للقرى والمدن والمخيمات والأحياء اعتقل خلالها ما يزيد على (390) مواطناً فلسطينياً، بينهم (65) طفلاً، و(3) فتيات، ونائبان، هما: نزار رمضان ومحمد ماهر يوسف، من الخليل . في الوقت نفسه، سلمت سلطات الاحتلال إخطارات لمواطنين فلسطينيين بهدم (15) بناية سكنية في القدس، تضم نحو (200) شقة سكنية بما يعني تشريد عشرات العائلات من السكان . وكانت قبل يومين من تسليمها هذه الإخطارات قد هدمت بنايتين وسلمت إخطاراً بهدم بناية ثالثة .

لقد دفعت إجراءات الحكومة “الإسرائيلية” وتصرفات المستوطنين وجيش الاحتلال، بعض المسؤولين الأمنيين، والمعلقين العسكريين، إلى التحذير من أن تؤدي إلى زيادة منسوب الإحباط عند الشباب الفلسطيني، وما يمكن أن يؤدي إليه ذلك على الصعيد الأمني . وجاء في تقارير صحفية، أن محاولات غلاة المتطرفين في الحكومة والكنيست تغيير “الوضع القائم” في المسجد الأقصى، يمكن أن يؤدي إلى اندلاع انتفاضة ثالثة . ولفت المعلق العسكري لصحيفة “هآرتس” عاموس هرئيل، النظر إلى أن هذه المحاولات كان ما يشبهها في الماضي، لكن لم يكن لها كثير من المؤيدين، لكن الوضع تغير بعد انتخابات الكنيست الأخيرة مع اتساع نفوذ حزب “المتدينين” و”البيت اليهودي”، حزب المستوطنين . وقالت الصحيفة إنه في الأشهر الأخيرة “لا يمر يوم من دون وقوع حدث داخل الحرم أو بالارتباط به”، لافتاً إلى وجود عشرات المنظمات اليهودية التي تعمل تحت قيادة مشتركة . كما أشارت إلى وجود (لوبي) داخل الحكومة والكنيست يعمل لتغيير “الوضع القائم” في الحرم، وتقسيمه مكانياً وزمانياً .

إزاء تلك الإعلانات والإجراءات، والنشاطات الاستيطانية والعنصرية “الإسرائيلية”، استنكر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، الإعلان عن مزيد من البناء الاستيطاني، مشيراً إلى أنه “يتعارض مع القانون الدولي، ويشكل عقبة في طريق السلام”! ورأت الولايات المتحدة الأمريكية، راعية المفاوضات و”عملية السلام في المنطقة”، أن النشاط الاستيطاني “ليس خطوة تخلق أجواء إيجابية للمفاوضات”! لكن وزير الخارجية أثناء وجوده في القاهرة، وفي مؤتمر صحفي عقده مع وزير الخارجية المصري أمين فهمي لم ير ذلك، إذ كان متفائلاً، ويبدو واثقاً من أن المفاوضات ستنجز أهدافها في الأشهر المقبلة! من جانبها، دعت الخارجية الروسية الفلسطينيين و”الإسرائيليين” إلى تجنب “الخطوات الاستفزازية” التي من شأنها “أن تجهض المفاوضات”! وبالطبع لم تتأخر الجامعة العربية عن التنديد بالممارسات “الإسرائيلية”، الاستيطانية وغير الاستيطانية .

في الجانب الفلسطيني، بدورها نددت الخارجية الفلسطينية بالممارسات الاستيطانية “الإسرائيلية”، وقال وزير الخارجية رياض المالكي إنهم “يدرسون التوجه إلى المحاكم والمنظمات الدولية المختصة”، وقال عضو اللجنة التنفيذية واصل أبو يوسف إن التوجه سيكون إلى مجلس الأمن .

وكان كبير المفاوضين الفلسطينيين، الدكتور صائب عريقات، (ومعه عضو الوفد المفاوض الدكتور محمد اشتيه)، قد أعلن أنه وضع يوم 31/10 استقالته واستقالات أعضاء الوفد المفاوض بتصرف الرئيس محمود عباس، احتجاجاً على قرارات الاستيطان الجديدة وهدم المنازل في القدس . لكن مصادر إعلامية ذكرت أنه نتيجة لتصريحات عريقات، اتصل الشريك الأمريكي في المفاوضات، مارتن إنديك، بالرئيس عباس الذي أكد له أن الوفد الفلسطيني المفاوض سيواصل التفاوض حتى تنتهي الأشهر التسعة التي تعهد بها أمام وزير الخارجية الأمريكي جون كيري . أما “هآرتس”، فذكرت أن الرئيس عباس تعهد لكيري بعدم الانسحاب من المفاوضات على الرغم من إعلان عريقات تقديم استقالته وأعضاء الوفد المفاوض، وذلك في اتصال هاتفي أجراه كيري معه، وأضافت الصحيفة “الإسرائيلية” تقول، اعتماداً على مصادر “إسرائيلية” مطلعة، إنه خلافاً لما تنشره وكالات وجهات فلسطينية، فإن عريقات لم يقدم استقالته، بل “تحدث بشكل عام ومبهم” حول الاستقالة! وأن كل الصخب الذي رافق تصريحات عريقات، كان لحاجة الأخير إليه “لأسباب ودوافع فلسطينية”، وأنه عاد مساء اليوم نفسه وأصدر بياناً نفى فيه أن يكون قدم استقالته .

وإذا كان من الواضح أنه حتى الذين يتمسكون بالمفاوضات يعلمون أنها لن توصل إلى شيء مما يقال إنها تستهدفه، فإنه من النافل أن يقال إن كل المواقف العربية والدولية، وقبلها المواقف الفلسطينية، ليست أكثر من مواقف استهلاكية حتى لا تتوقف عجلة التهويد والاستيطان .

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 08-11-2013آخر تحديث