وقفة عِزْ : مخيم فلسطين في برلين - بقلم نضال حمد

 

برلين بين الماضي والحاضر .. شرقها وغربها ووحدتها

  برلين المدينة التي كانت حتى قبل نحو ربع قرن من الزمن مدينتين شرقية وغربية، ثم توحدت بعد انهيار الدول الاشتراكية وجدارها الشهير، الذي كان يفصل بين غرب وشرق العاصمة. لتصبح برلين الموحدة من اكبر العواصم الأوروبية وأكثرها تجديدا وتطويرا في البنى التحتية والمواصلات والشوارع العريضة والاوتوسترادات السريعة التي توصل مدن ألمانيا بالعاصمة وبأوروبا.

 من سبق له معرفة ميدان الكسندر بلاتس حيث البرج الشهير الذي يوجد فيه مقهى شهير، من أيام ألمانيا الشرقية، الديموقراطية، الاشتراكية، سيجد ان الميدان تغير كثيرا وتجددت شوارعه وعماراته ومؤسساته وأشكال حاراته. كذلك الأمر مع يوارنيونبيرغ وفريدريك شتراسة وشونيبيرغ وبانكوف وكل مناطق شرق برلين.

أكثر ما يميز المدينة وفرة المقاهي والمطاعم والملاهي الليلية التي تنتشر في شوارع العاصمة بكثرة ووفرة. إذ لا يمكن لأي زائر في برلين ولو كان من أي دولة في العالم إلا أن يجد ما يريده من الطعام والمأكل. فكل دول العالم ممثلة هناك بمقهى أو مطعم أو محال تجاري لبيع المأكولات والمواد الغذائية. لكن أكثر تلك الشعوب المستوطنة في برلين نسبة هي التركية والكردية والعربية ودول شرق أوروبا.

برلين بالوجه الفلسطيني

 لذا فان الأمر لا يخلو من غرابة فالفلسطينيون في برلين عاصمة ألمانيا منتشرون في كل مكان من المدينة وفي برلين تلتقي بأبناء المخيمات والجبهات الفلسطينية وكأنك تستعيد شريط الذكريات أمكنة ووجوه وأسماء حقيقية وأخرى حركية. وبالذات إذا صادف وجودك حصول فرح فلسطيني او عرس كما نقول نحن أهل شمال فلسطين ومخيمات لبنان.فهناك تلتقي بكثيرين كان فَرَقَ بينك وبينهم الزمن وعوالم الشتات واللجوء، وما بعد الهزائم والتشرد وانهيار القيّم والمبادئ والانتماء لذا كثيرين ممن كنا نظن أنهم مناضلين. وكذلك ما بعد عصر الانحطاط السياسي الفلسطيني الذي أوصل القضية الى أسفل سافلين ومازال يقودها نحو ىالهاوية.

هذا هو العرس الفلسطيني الذي لا ينتهي

في العرس الفلسطيني البرليني تحيى فلسطين وتستعاد العادات والتقاليد وتصبح الدبكة الشعبية الفلسطينية سيد الموقف والحضور والعرس الكبير. وقد تشرفت بحضور حفل زفاف نجل الأخ غازي حمد ( أبو حلمي ) الذي أقيم يوم الأربعاء الفائت في إحدى صالات الأفراح ببرلين. وكان العرس فلسطينيا بكل معنى الكلمة. وقد أعجبت جدا بالدبكة الشعبية التي قادها بامتياز الأخ عفيف العلي وإخوانه وأقرباؤه الذين مازالوا يحملون الموروث الشعبي الفلسطيني في دماءهم وحضورهم أينما حلوا وحيثما حطت رحالهم. فصديقي شامان العلي شقيق عفيف كان في بولندا قبل ربع قرن وأكثر يمتعنا بدبكته الشعبية التي لا تختلف عن دبكة شقيقه الأكبر عفيف لانها من نفس المدرسة ونفس الموروث الثقافي.

في العرس سعدت بلقاء أصدقاء قدامى وبآخرين جدد، فهناك التقيت بالمناضل القديم مازن الحاج وبالمناضل القديم أبو حسن وبالمبدع ناصر. وبالأصدقاء البرلينيين د. خليل عياد ومنير وفائق وآخرين. وبنسيب العائلة الأخ إبراهيم. وسعدت جدا بسماع عبارات الثناء على كتاباتي ومقالاتي ومجموعتي القصصية الأخيرة وموقع الصفصاف من الأخت زوجة الصديق عفيف العلي. ومن آخرين وأخريات في العرس وفي برلين.

أماكن فلسطينية في برلين

من المطاعم الناجحة والراقية التي تعرفت عليها مطعم سانتا روزا للصديق خالد النصر في شرق برلين على شارع فيريتسكفيغ وهو متفرع من شارع شينيبيرغ بمنطقة بانكوف. وهو مطعم ستيك هاوس يقدم وجبات اللحم مع الخضراوات وهي وجبة شهية. في المطعم الجميل الشكل والرونق والديكور والألوان يشعر الإنسان بالدفء والراحة وبالسعادة خاصة حين تتسرب الموسيقى الى مسامعه وعقله وأحاسيسه. ومما يزيد المكان متعة خفة دم وبسمة صاحبه الدائمة وطيب قلبه ومحبته للنجاح والتقدم والعمل. وهو مناضل فلسطيني قديم وله تاريخ مشرف في مخيم عين الحلوة ولبنان. ولخالد أيضا مطعم آخر في منطقة بوخ القريبة من برلين.

هناك أيضا مقهى شهرزاد الجميل القريب من وسط المدينة على شارع داهلمان ستراشي 27 جانب اديناور بلاتس وغير بعيد عن ساحة الكودام حيث الكنيسة التاريخية المعروفة. وهو مطعم ومقهى يقدم أيضا النارجيلة. وأصحابه فلسطينيون وهو بإدارة نبيل تكلي حسبما قرأت على البطاقة التي أعطيت لنا في المقهى.

كما هناك شرق برلين على شارع كلايري والدوف ستراشي 5 بالقرب من فريدريش ستاد بلاتس مقهى ومطعم لشخص فلسطيني من بلدة اكسال الجليلية الفلسطينية، كان يحمل المقهى اسم (اكسال) ولكنه تحول الآن ليحمل اسم "كازالوت" و هو مطعم ومقهى كبير ومرتب وجميل ولا بد من ان يستمتع اي شخص يجلس هناك لارتشاف كوب من الشاي بالنعناع او الميرمية. ولتناول بعض الفاكهة والمأكولات والحلويات العربية. إضافة لإمكانية تدخين نفس (شيشية) او (نارجيله) يقدم بشكل أنيق و يدل بعد التدخين على أن الذي يصنع رؤوس النارجيلة في المطعم مجرب وصاحب خبرة..

 مقهى الجواد الشعبي الذي يشبه الى حد كبير مقاهي مخيماتنا في لبنان وسورية.   

في برلين تجدون المقهى الفلسطيني الشعبي العادي كما الذي في المخيم، بديكوره وأثاثه ورواده واللغة المستخدمة حول الطاولات وأثناء الحديث على لعبة ورق أو مسالة سياسية أو حتى رياضية. وقد تكون لعبة الورق  لعبة عربية أو تركية أو ألمانية. 

يقع مقهى الجواد على شارع زينون اليه مقابل محلات أسواق الشام التي يملكها شخص صفصافي من آل زغموت في مخيم عين الحلوة وغير بعيد عنه هناك استراحة الباشا لأصحابها من مخيمات الشمال في لبنان. هذه الاستراحة الصغيرة دائما وبحمد الله مليئة بالزبائن من الجنسين ذكورا وإناث، الجميع يأتون الى الاستراحة كي يستريحوا ويأكلوا  لقمة فلسطينية لذيذة مع صحون الفول والفتة والحمص والمناقيش بزعتر أو بالجبن واللحم، كذلك الفطائر بسبانخ.

يأتيك طلبك الساخن، حيث تنبعث منه عن بعد الرائحة الطيبة والنكهة العربية، يقدم لك مع صحن خضراوات فيه الزيتون والنعناع والبندورة والمكابيس. فيما الشاي يقدم مجانا مع الوجبات وبإمكان الزبون شرب المزيد. لكنه شايا بالنسبة لي غير جيد ورديء.

في استراحة الباشا التي يستريح بعد انتهاء العمل بعض عمالها في مقهى الجواد مع الشيشة ولعب الورق.. فيها كما في المقهى يمكن بعد الانتهاء من الطعام قراءة آخر أخبار وإعلانات عرب برلين في مجلتي (المدينة) و (الدليل) اللتان تصدران في برلين ولعرب برلين.  

مقهى الجواد البسيط جدا وهو من المقاهي الشعبية الفلسطينية والعربية البرلينية التي اعتدت على زياراتها مؤخرا وقضاء بعض الوقت فيها مع أبناء مخيم عين الحلوة ومخيمات لبنان وسورية وبالذات مع الصديق عبد خطار زميل المهنة والمهام الإعلامية الصعبة.ومع خالد وثائر والمسافر الغائب الحاضر حسام أبو شادي..

 في مقهى الجواد العادي والبسيط لصاحبيه أبو عرب وشقيقه، الفلسطينيان من مخيم الرشيدية، اللاجئان المقيمان في برلين كما عشرات آلاف الفلسطينيين الآخرين. يعمل أيضا شاب بشوش يدعى أبو طوني. مع تعدد وتكرر زياراتي وجلساتي منذ أشهر وفي كل سفراتي البرلينية مؤخرا، صارت طلباتي معروفة لأبي عرب وكذلك لأبي طوني وهي شيشة تفاح مخلوطة فاخر ونخلة مع عصير بارد.

مقهى الجواد دائم (العجقة) ولكن الوجوه هي نفسها.

مقهى الجواد يعج بالرواد من شباب المخيمات.

هذا المقهى يقع كما سبق واسلفنا على شارع ( زينون اليه ) الشهير في منطقة (نيوكولين) في برلين والذي يعرف بشارع العرب، وكنا في موقع الصفصاف قبل نحو سنة ونصف اعددنا تقريرا من حلقتين عن هذا الشارع ومحلاته ومطاعمه ومقاهيه العربية ورواده من العرب وغيرهم، وعن احد رموزه الحية "لطفي طه"، الذي التقينا به قبل أيام في مقهى الجواد. ويدعي لطفي انه طبيب الشارع وطبيب  يعالج حتى الأطباء بحسب ادعاءاته، مع انه بلا شهادة وبلا علم. يقدم لك بطاقة مكتوب عليها انه طبيب أمراض جنسية. كان قبل ان تمنعه الشرطة الألمانية يبيع المنشطات الجنسية لكل من يرغب بشرائها من الذكور والإناث في برلين وجوارها، وكان دائم التجول على دراجته النارية التي تشبه محمولات التنظيمات الفلسطينية في زمن الفاكهاني. في مقهى الجواد جلس لطفي يستعيد بعض الذكريات من أيام كان فدائيا وأيام كان الفدائي فدائيا بالفعل.

لكن أين دراجته أو محمولته؟

 اخبرني بان الشرطة الألمانية صادرت "ممنوعاته ومحمولاته " وضربته وعطبت ساقه، ومنعته من التجول "بمحمولته" البرلينية المعروفة، التي سبق وتكلمنا عنها في التقرير السابق عن شارع عرب برلين، وان هناك دعاوى وشكاوى ومحاكم بينه وبينهم. 

 يقع مقهى الجواد بالقرب من منزل شخص قريب لي هو ثائر خليل ابن الصفصاف ومخيم عين الحلوة، الذي بدوره عرفني على الجواد وفرسانه من لاعبي الورق الآن، مع أن بعضهم كان في لبنان من لاعبي كرة القدم في أندية الدرجة الأولى. وكذلك من أبطال المصارعة سابقا. ومنهم المغني والتاجر والعامل والعاطل عن العمل والمصلي وغير المصلي .. في المقهى هناك تلفازان واحد للرياضة وآخر للأخبار و للمسلسلات.

هؤلاء الرواد أو الفرسان أو الزبائن تجمعهم "الاركيلة" ولعبة "الشدة" كما نقول بالعامية.

غالبية رواد الجواد هم من الشباب الفلسطيني الذين كانوا يحملون في المخيمات الفلسطينية في لبنان وسورية عنوان الصراع على اكتافهم وقاتلوا وناضلوا منذ بدايات الثورة وحتى مجيء أهل أوسلو وخرافاتهم وبهلواناتهم الاوسلوية، ومن ثم صعود المد الإسلامي، وكذلك صعود حركات التطرف والتكفير الإسلامية.

وصل هؤلاء الى برلين إما قبل او بعد ذلك ومع فشل برامج الفصائل والتنظيمات والمشروع الوطني بعد خروج الثورة الفلسطينية  برا الى سورية والاردن وبحرا على متن سفن الشتات من بيروت سنة 1982 الى تونس والجزائر وليبيا واليمن والسودان والعراق. ومن ثم حرب المخيمات القذرة سنوات 1984 - 1987. ومعارك التصفيات بين الفصائل والتنظيمات والحركات التي مازالت مستمرة في مخيم عين الحلوة حتى يومنا هذا. وكذلك مع وصول القيادة الفلسطينية الى انحرافات سياسية خطيرة وخروج عن ثوابت المشروع الوطني كما حصل في اتفاقيات أوسلو ومشتقاتها فيما بعد. بالإضافة للسياسات العنصرية التي تتبعها السلطات اللبنانية مع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان والظلم والقمع والقهر الواقع عليهم في مخيماتهم المحاصرة ومحاربتهم بلقمة العيش وفرص العمل، وتحول التنظيمات الى شركات.

كل هذا كان سببا في هجرة الشباب الى ألمانيا وأوروبا بشكل عام. و في أوروبا البعض منهم إما انحرفوا أخلاقيا فأصبحوا يتاجرون ويتعاطون المخدرات أو تحولوا سياسيا عبر تلقفهم من قبل الجماعات الإسلامية والمساجد المنتشرة هناك وكلا الأمرين خطير وغير صحي. لان المخدرات خطرة والتطرف كذلك. لكن هناك أيضا كثير من الشباب الفلسطيني الناجح والذي له مكانته في المجتمع الألماني. يكفي ان هناك في ألمانيا أكثر من 5000 أكاديمي فلسطيني.

بعض الأصدقاء لم تكن تطيب لهم جلساتي في مقهى الجواد بسبب الضوضاء والدوشة والصراخ والصياح واللغة المستخدمة بين رواده. وكذلك بسبب التهوية المعدومة حيث أن دخان الاراجيل والسجائر يغطي المكان فيحوله الى ضباب يعم المقهى، ويبدو ان هذا العجب العجاب لم يكن ولا يزعج لاعبي الورق والمدخنين في الجواد.

شخصيا كنت كلما أصل الجواد أقوم بطلب فتح الأبواب كافة وتهوية المكان بالرغم من البرد في بعض الليالي البرلينية التشرينية.

كنت اقضي في مقهى الجواد الذي أعجبتني فيه البساطة و ريحة المخيمات، بعض السهرات القصيرة والجلسات السريعة مع بعض الأصدقاء والمعارف قبل ان نذهب لنجلس ونتحدث في مقاهي أخرى، إمكانية السمع والإصغاء والحديث فيها كبيرة بعكس مقهانا المخيمي.

عَرَفت أصدقاء لي مثل خالد النصر وعبد خطار وغيرهم على مقهى الجواد من الداخل بعدما ظلوا لسنوات يرونه من الخارج.

قبل سفري بقليل يوم الخميس الفائت اعد لي أبو طوني آخر شيشة برلينية في مقهى الجواد على عجل بسبب موعد السفر.

 ثم سألني يا دكتور: كم تأخذ معك الرحلة من هنا الى أوسلو؟

وأنا طبعا لست بدكتور لكن جرت العادة عند بعض الناس مناداة كل شخص دارس ومتعلم أو معروف بالدكتور. قمت بلفت انتباههم مرة وأخرى ولكنهم لم ينتبهوا لذلك. ظللت دكتورا ومازلت عندهم. . 

أجبته بان وقت سفري ساعة ونصف فقط لا غير.

قال كيف بهذا الرانج ..

قلت لا بل بالطائرة.

فهذا الرانج سيعود الى صديقنا خالد النصر الذي وضعه تحت تصرفنا أنا والصديق عبد خطار حين سافرنا الى مدينة لايبزيغ الألمانية وهي تبعد اقل من 200 كلم عن برلين، لتغطية وقائع مهرجان الفيلم العالمي الوثائقي بنسخته ال56 والذي بدأت أعماله بمشاركتنا وحضورنا يوم 28-10-2013 وتنتهي أعماله يوم الأحد الموافق الثالث من نوفمبر تشرين الثاني الجاري. .

لايبزيغ مدينة جميلة وعريقة كنت تعرفت عليها سنة 1988 حيث ذات صيف زرتها هي وأخواتها من المدن الشرقية مثل درزدن المدينة الأجمل والأعرق شرق ألمانيا، التي دمرها الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية. وكذلك مدن كارل ماركس ستاد وماغديبورغ و روستوك وبرلين الشرقية، حيث ميدان الكسندر بلاتس وبرجه الشهير، ومن هناك كنا نتوجه الى بوابة فريدريك شتراسه الشهيرة التي تنقلنا من برلين الشرقية الى برلين الغربية والعكس. كل ذلك أثناء رحلة تعرف على ألمانيا الشرقية أو الديمقراطية. ولايبزيغ الآن أجمل مما كانت عليه قبل أكثر من 25 عاما مضت. سأتحدث عن لايبزيغ وعن مهرجانها في مناسبة أخرى.

 

نضال حمد

 

مجموعة من الصور

بطاقتي الصحفي في مهرجان الفيلم الوثائقي العالمي في لايبزيغ الدورة 56

أبو أمين وأبو حسن في استراحة الباشا

 عفيف العلي يرفع علم فلسطين في عرس فلسطيني ببرلين

استراحة الباشا

داخل مقهى الجواد

من العرس والعريس باللباس الشعبي الفلسطيني

*

في استراحة الباشا

في مهرجان الفيلم بلايبزيغ

العرس

فائق وابنته داليا في العرس

الفرقة في العرس

نضال مع ابراهيم

مازن ونضال

مع د. خليل عياد ومنير

مع الصديقين عبد خطار وخالد النصر في مقهى ومطعم كازالوت الفلسطيني في برلين

*

رابطان عن تقرير سابق عن شارع زينون اليه في برلين

*

*

رابط فيديو العرس في بر لين

http://www.youtube.com/watch?v=bCPMN3jGz_c

*

 

 

 

 

**

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 03-11-2013آخر تحديث