لم تتبق أراض للدولة - فايز رشيد


قال مدير دائرة الخرائط والمساحة في بيت الشرق بالقدس المحتلة خليل التفكجي في تصريح لإحدى الصحف الأردنية، “إن الكتل الاستيطانية الكبرى ومنطقة الأغوار تقعان خارج أي اتفاق فلسطيني-يتم التوصل إليه في العملية السلمية”! بداية إن الوصول إلى اتفاق بين السلطة و”إسرائيل” أمر مشكوك فيه، فالعديد من وزراء الائتلاف الحكومي الحالي صرّحوا مراراً، بأن أية دولة فلسطينية بين الأردن و”إسرائيل” سوف لن تقام، وإنه إذا ما جرى طرح القضية على مجلس الوزراء الحالي، فإن الأغلبية العظمى من الوزراء ترفض إقامة هذه الدولة . على صعيد آخر، فإن المفاوضين الفلسطينيين أنفسهم وعلى الأخص صائب عريقات كانوا قد صرّحوا مراراً، بأن جولات المفاوضات لم تزحزح الموقف “الإسرائيلي” قيد أُنملة عن تعنته برفض الحقوق الوطنية الفلسطينية .

الذي يشغل بال القادة “الإسرائيليين” هو الأمن “الإسرائيلي”، ولذلك فما دام التنسيق الأمني مع السلطة قائماً، وما دامت “إسرائيل” لا تدفع ثمن احتلالها للمناطق المحتلة، وما دامت السلطة تلاحق المقاومين الفلسطينيين في الضفة الغربية، وكذلك الأمر بالنسبة لسلطة حماس في القطاع (فرئيس الأولى يعتبر الكفاح المسلح “إرهاباً” والسلطة الثانية عقدت هدنة طويلة الأمد مع العدو)، فما الذي يضغط على الدولة الصهيونية ويجبرها على القبول بإقامة دولة فلسطينية لذا كان نتنياهو واضحاً في شرطه الجديد والمتمثل في ضرورة اعتراف الفلسطينيين “بيهودية دولة إسرائيل” قبل إجراء التسوية معهم . ما الذي يعنيه هذا؟ يعني باختصار، صعوبة التوصل إلى اتفاق مع الكيان الصهيوني يعترف فيه بإقامة الدولة العتيدة حتى على ربع مساحة الضفة الغربية، إضافة إلى القطاع، وحتى لو منزوعة السيادة، بخاصة أن السلطة الفلسطينية تخلّت عن كل اشتراطاتها لاستئناف المفاوضات مع “إسرائيل”، وذهبت تحت ضغوط أمريكية إليها بالثمن الصهيوني .

بالمعنى العملي، فإن مساحة غور الأردن هي ثلث مساحة الضفة الغربية وهو يقع على حوض مائي كبير، ومرتفعاته ضرورية (وفق وجهات نظر القادة الصهاينة) للأمن “الإسرائيلي” . هذا إضافة إلى المستوطنات التي تحتل من مساحة الضفة الغربية (هي والجدارالعنصري) 43% وهذا باعتراف مصادر السلطة نفسها، فبالمعنى الفعلي ما يتبقى من مساحة الضفة الغربية هو أقل من 25%، وهذه ليست متواصلة جغرافياً إن في الضفة الغربية نفسها فهي كانتونات متقطعة الأوصال ومعزولة بعضها عن بعض، كذلك ليس من وصل جغرافي بين الضفة الغربية وغزة، إضافة إلى الانقسام السياسي والجغرافي بينهما، فعلى أي مساحة ستقام الدولة الفلسطينية ؟إن إمكانية قيام هذه الدولة العتيدة والحالة هذه، انتفت! هذا عملياً في هذه اللحظة، وإذا لم يجر مصادرة المزيد من أراضي الضفة الغربية! لكن خليل التفكجي ذاته يقول في مقابلته مع الصحيفة “فإن سلطات الاحتلال أقرّت إقامة زهاء 5600 وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية المحتلة بما فيها القدس المحتلة خلال الشهر الماضي فقط” . المقصود القول، إن المساحة المتبقية من أراضي الضفة الغربية (وهي 25%منها) مرشحة للتناقص التدريجي بفعل المزيد من الاستيطان!

وفقاً لاتفاق أوسلو المشؤوم، فإن القضايا المهمة المتعلقة بالحقوق الوطنية الفلسطينية كالقدس وحق العودة والمياه والسيادة وغيرها قد تم تأجليها إلى ما يسمى بمفاوضات الوضع النهائي! الكيان الصهيوني أوضح مواقفه من كل هذه القضايا منذ احتلاله الأراضي في عام 1967 ويكررها في كل يوم . القدس يجري تهويدها، ولا لحق العودة ولا للانسحاب من حدود 4 يونيو ،1967 ما تحت الأرض من مياه وما فوقها من سماء إضافة إلى المعابر والمياه الإقليمية ستظل تحت السيادة “الإسرائيلية” . الآن ازدادت الشروط، لا حق للفلسطينيين في التواجد في منطقة غور الأردن، الكتل الاستيطانية تتبع “إسرائيل”، إضافة إلى اشتراط الاعتراف “بيهودية إسرائيل” . رغم كل ذلك، تذهب السلطة إلى المفاوضات! ولو اعترفت السلطة الفلسطينية “بيهودية الكيان الصهيوني” فستتفتق أذهان القادة “الإسرائيليين” عن اشتراطات جديدة أخرى، هذه هي الطبيعة الصهيونية الشايلوكية الابتزازية! يبتزون التنازلات من السلطة واحداً بعد الآخر، ومن يتنازل مرة سيتنازل مرات عديدة أخرى .

لقد طالبت ألوان الطيف السياسي الفلسطيني كافة (بما في ذلك الفصائل الوطنية والإسلامية) بوقف المفاوضات مع العدو الصهيوني وما زالت تطالب حتى اللحظة . استفتاءات كثيرة أجرتها معاهد مختصة عديدة في الضفة الغربية وغزة أظهرت أن أغلبية الشعب الفلسطيني (8 .69%) أي ما يزيد على ثلثي الشعب الفلسطيني في المنطقتين تطالب السلطة بوقف المفاوضات . أما الفلسطينيون في مناطق الشتات كافة فحدّث لا حرج، 98% منهم يقفون ضد المفاوضات، فمعظم هؤلاء ينتظرون العودة المظفرة إلى مدنهم وقراهم وأراضيهم، ومع ذلك تفاوض السلطة! التي لم تتعلم من دروس أوسلو، ولا من دروس التفاوض مع العدو على مدى عشرين عاماً . السلطة لم تقف لمراجعة المرحلة السابقة بكل أخطائها . ما يهم السلطة هو الانتصارات الدبلوماسية، لقد عبّر الرئيس الفلسطيني بُعيد خطابه في الأمم المتحدة عن سعادته البالغة وسروره الكبير، لأنها المرة الأولى التي تُعامل الأمم المتحدة فيها فلسطين كدولة عضو مثل الدول الأخرى كافة . كان بذلك يشير إلى أهمية اعتراف الأمم المتحدة بفلسطين عضواً مراقباً في العام الماضي .

لكن ما يهم شعبنا هو الوقائع على الأرض وليس الانتصارات في الهواء! عبّر عباس عن سعادته أيضاً لأن أوباما أشار في خطابه في الأمم المتحدة إلى حدود عام 1967 (مجرد إشارة) لكن الوقائع على الأرض هي غير إشارة أوباما، فالإدارة الأمريكية تتبنى المواقف “الإسرائيلية” من التسوية جملة وتفصيلاً، وتضغط على الفلسطينيين لإبداء التنازلات ل “إسرائيل”، والقبول بالحل “الإسرائيلي”! كفانا أوهاماً . وبالفعل لم يتبق من مساحة الضفة الغربية ما يستحق أن تُقام عليه دولة.

 

 

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 08-10-2013آخر تحديث