أمريكا تمنع المعونة عن مصر - د: عادل عامر


إن الولايات المتحدة حتى لو رغبت في منع المعونة العسكرية لمصر، فإن هذا القرار سوف يكلفها ملايين الدولارعلى شكل غرامات وشروط جزائية، بالإضافة إلى أنه سيفقد عدد كبير من العاملين في الصناعة الأمريكية وظائفهم، كما سيوثر على مصالح اللوبي الخاص بصناعة الأسلحة''.إن هذه الأسباب، هي الميزانية التي خصصتها أمريكا لشراء الاسلحه المصرية والتي تصل إلي 80 % ، للان الميزانية التي وفرتها أمريكا بالفعل لمصر عام 2011 والتي وصلت إلي 25 %.إن أموال دافعي الضرائب الامريكيه والتي تذهب لصالح التعليم والتدريب العسكري لمصر تصل إلي 1.9 مليون دولار سنويا، بالاضافه إلي الضرائب الامريكيه والتي تخصصها لصناعه الاسلحه المصرية والتي قدرتها بحوالي 1.3 مليار دولار منذ عام 1987.

إن الولايات المتحدة ومصر قد وقعتا بالفعل أكثر من اتفاقيه أسلحه مربحه للجانبين منذ عام 1988، للان الإنتاج المشترك للدبابة من طراز «أبرامز M1A1» . أن العلاقة بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية صعبة وغير مرنة فيما يخص المعونة الأمريكية وإمكانية تغييرها وفقًا للظروف'

إن الشركات الممولة للعمليات العسكرية بين البلدين لا تشتمل فقط علي صناعه الاسلحه مثل شركات «لوكهيد مارتن» و«رايثيون» و«بوينغ»، وشركه «نورثروب غرومان» ولكنها تشتمل أيضا علي الشركات التي تصنع الأجهزة المنزلية الامريكيه.

إن الحكومة الامريكيه كان عليها إن تدفع لمصر 1.1 مليون دولار سنويا في مقابل قيام جماعات اللوبي بتسهيل التدخل الأمريكي في شئون الحكم في مصر.و انه بحلول عام 2010 كانت الولايات المتحدة قد نجحت بالفعل في التدخل فيما يقرب من 279 اتفاقيه عسكريه تابعه لمصر، حيث بلغ أقصي درجات التدخل إثناء المقابلات التي أجراها ضباط الجيش المصري مع أعضاء من الكونجرس فيما بينهم ممثلين عن مقاولي الدفاع ومسئولي الإدارات.

للان أعضاء الكونجرس الأمريكي لديهم حافز كبير لتدفق الاعتمادات العسكرية إلي مصر بغض النظر عما يحدث من سفك للدماء، ولكن في المقابل إذا قامت الحكومة بإلغاء هذه الاتفاقات فسوف تكون مسئوله عن الدعاوي المدنية من صانعي الاسلحه نظرا لأنهم سوف يطالبون بتعويضهم عن الخسائر في الإرباح.للان السبب الأهم وهو إن مقاولي الدفاع الأمريكي يوفرون الإشغال للعديد من العملين بمصانعهم، ضاربا المثل بشركه «جنرال ديناميكس»، التي يعمل لديها أكثر من 107 موظفا بولاية أوهايو فقط.

أن تأجيل تسليم مصر الطائرات الأربعة، والتي كانت جزء من صفقة بقيمة 2.5 مليار دولار تم توقيعها في عام 2010، على أن يتم تسليم مصر 20 طائرة قبل ديسمبر 2014، تم تسليم نحو 14 طائرة منها حتى شهر يونيو الماضي. أن المعونة ليست ورقة ضغط، وأمريكا غير قادرة على لي ذراعنا بواسطتها، لأن ما تقدمه لنا من مساعدات تأتي تشجيعا على التوجه نحو السلام، بموجب اتفاقية «كامب ديفيد» الموقعة بين مصر وإسرائيل، أي أنها تحقق فائدة مشتركة بين البلدين وليست إحسانا من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها «كارت» وحيد لإعاقة توجهات مصر نحو الاستقلال الوطني. إن التصريحات والقرارات الأمريكية المستمرة بشأن قطع المساعدات أو تعليقها مرفوضة تماما، ولن نقبل أن يكون الشعب المصري دُمية في يد الولايات المتحدة، كما أن تضارب التصريحات الأخيرة يأتي في إطار الابتزاز الأمريكي والضغط المستمر على مصر، لضمان عدم استقلالية القرار الوطني، لذلك لا بد أن يكون للدبلوماسية المصرية ردها القوي بشان مسألة المعونة. أن مصر دولة مستقلة ذات سيادة وأن شعبها قادر على بناء دولته وجيشه واقتصاده بالاعتماد على موارده وعلى إرادته. لمعونة الأمريكية لم تكن يوما من الأيام مفيدة لمصر، بل كانت الأداة التي مكنت الولايات المتحدة من السيطرة على الحكم المصري وتحويل مصر العظيمة إلى دولة ضعيفة، تابعة للبيت الأبيض، تدور في الفلك الأمريكي. بالمعونة سيطرت أمريكا على الحكومة المصرية واستخدمها الأمريكيون لتنفيذ التعليمات، حتى وإن كانت ضد الشعب المصري. أي حديث عن استقلال مصر ونهضتها لا يبدأ بقطع المعونة ليس له معنى، فمصر التي قامت بثورة على عملاء أمريكا لن تقبل بأن تستمر الأموال الأمريكية التي أفسدت الحكم السابق لإفساد الحكم الجديد. المعونة الأمريكية أداة سياسية وأمنية تخدم مصالح الأمن القومي الأمريكي وليست صدقة أو منحة كما يروج المفسدون والإعلام المضلل.

في عام 1974 بدأ السادات يعيد العلاقات مع أمريكا وتلقي المنح والقروض الاقتصادية، وعقب التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد في 1979، بدأت المعونة الأمريكية بشكلها الحالي، معونة سنوية عسكرية قدرها 1,3 مليار دولار، ومعونة اقتصادية سنوية قدرها 815 بدأ تخفيضها منذ 1999 ووصلت هذا العام 2011 إلى 250 مليون دولار.

المحصلة النهائية للمعونة أن أمريكا هي الرابحة ومصر هي الخاسرة، وسنثبت بالأرقام أن المعونة لم تكن لصالح مصر، ولم يستفد منها المصريون.

الخسائر الناتجة عن المعونة العسكرية لا تقدر بمال، ودفعنا مقابل هذه المعدات القديمة التي يتخلص منها الجيش الأمريكي، ثمنا باهظا من سيادتنا وقدرتنا وصناعتنا العسكرية، وأخرجنا النظام السابق بسبب المعونة والتبعية من التاريخ والجغرافيا. الخسائر الناتجة عن المعونة الاقتصادية أكثر من أن تعد، لقد قضوا على الاقتصاد المصري بلعبة الخصخصة، وبددوا ممتلكات الشعب في عملية بيع القطاع العام، وأنهوا الرأسمالية الوطنية، وأسقطوا الصناعة الوطنية بالضربة القاضية. من واقع الأرقام نكتشف أن الأموال التي قدمتها أمريكا على أنها معونة لدعم الاقتصاد المصري تبين أنها معونة لإنعاش الاقتصاد الأمريكي. لقد حصلت الولايات المتحدة على أضعاف ما قدمته في صورة صادرات أمريكية، وتحولت مصر إلى سوق كبرى للإنتاج الأمريكي، حتى أصبحت من أكبر مستوردي السلع والخدمات الأمريكية على مستوى العالم. المعونة الاقتصادية التي قدمتها أمريكا لمصر خلال الفترة(من 2000 إلى 2011) حسب إحصاءات خدمة أبحاث الكونجرس الأمريكي بلغت 6,189 مليار دولار فقط، في حين بلغ إجمالي الصادرات الأمريكية لمصر خلال نفس الفترة 52,483 مليار دولار، وإذا علمنا أن إجمالي الصادرات المصرية لأمريكا خلال نفس الفترة بلغ 18,821 مليار دولار نكتشف أن الفارق لصالح أمريكا يبلغ 33,761 مليار دولار، وهذا المبلغ هو الذي يشكل العجز في الميزان التجاري طوال السنوات الأخيرة. إن إجمالي المعونة الاقتصادية التي حصلت عليها مصر منذ عام 1948 وحتى 2011 بلغ 31,07 مليار دولار، و يؤكد القادة الأمريكيون أن ثلثي المعونة يستفيد منه مواطنون أمريكيون يعملون مستشارين وعمالة فنية، فمعنى هذا أن ما خسرته أمريكا يبلغ نحو 10 مليارات دولار.

عندما تدفع أمريكا 10 مليارات دولار وتكسب 52,483 مليار دولار فهي الرابحة بالتأكيد. هذا مبلغ زهيد في مقابل السيطرة على الاقتصاد المصري وفتح مصر كسوق لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي الذي يعاني من الكساد، ومن المتوقع استمرار استنزاف الاقتصاد المصري على أيدي طبقة المستوردين المـتأمركين حتى بعد قطع المعونة، ما لم تعالج هذه الثغرة القاتلة بل الأخطر في موضوع الأسلحة أن المعدات المقدمة لمصر لا يمكن استخدامها ضد إسرائيل، من خلال برامج الكمبيوتر الموجودة بها، فالطائرات المقاتلة مبرمجة على عدم التوجه لإسرائيل، بالإضافة إلى أن الأقمار الصناعية تستطيع التحكم في حركة هذه المعدات من طائرات ودبابات وسفن. وهناك وقائع أكدت شل حركة الطائرات في الجو وتحويلها إلى كتلة من الحديد. ولهذا السبب لا تشتري الدول الأوروبية كفرنسا وبريطانيا وألمانيا المعدات الأمريكية، وتعتمد كل دولة على الطائرات المقاتلة والمنظومات التي تصنعها.

كاتب المقال
دكتور في الحقوق و خبيرفي القانون العام

ورئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية

عضو والخبير بالمعهد العربي الاوروبي للدراسات الاستراتيجية والسياسية بجامعة الدول العربية
 

 

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 13-10-2013آخر تحديث