نصر أكتوبر . . المعاني والدلالات - فايز رشيد


أربعون عاماً مضت على حرب أكتوبر، يوم استطاع الجيشان العربيان المصري والسوري، اختراق خط بارليف (الذي جرى تشبيهه بخط ماجينو) وخطوط النار في هضبة الجولان . المفاجأة كانت مذهلة للكيان الصهيوني الذي اعتقد قادته أن العرب لن تقوم لهم قائمة بعد هزيمة ،1967 ولذلك لم يتوقع “الإسرائيليون” الحرب . تلك الأيام اتّسمت بارتفاع وتيرة الشعور القومي لدى أبناء الأمة العربية الواحدة من المحيط إلى الخليج . لم تكن القطرية البغيضة متغلغلة في أذهان الكثيرين كما هي عليه الآن! ذلك الزمن كان لمفهوم الأمن القومي العربي صداه الواسع بين الدول العربية كافة . حين اتخذ قرار العبور في السادس من أكتوبر كان العرب أقلّ انقساماً وأعلى احساساً بضرورة تحقيق الوحدة العربية . لم تكن الصراعات المذهبية الطائفية والإثنية منتشرة تنخر الجسد العربي بكامله، كما هي الآن في هذا الزمن الرديء . لقد أبى الإخوان المسلمون في مصر إلا أن ينغصوا على أبناء الشعب المصري احتفالاتهم بمناسبة نصر أكتوبر، فقاموا بتظاهرات وحراكات استفزازية أدت الى قتل وجرح العشرات من أبناء الشعب المصري . حرب أكتوبر أرادها السادات حرباً تحريكية لا حرباً تحريرية، ولو جرى الاستمرار فيها بالإرادة التي ابتدأت بها، لتغير وجه المنطقة تماماً . وبغض النظر عن إيجابياتها وسلبياتها التي أتت بفعل محاولة إنهائها سريعاً، فإنها كانت غنية بالدروس المستفادة من مسارها ولعل أبرزها:

أولاً: تحطيم أسطورة الجيش “الإسرائيلي” الذي اعتقد القائمون عليه واستراتيجيون عسكريون عديدون على صعيد العالم بأنه “الجيش الذي لا يُقهر”، ومن مذكرات موشيه دايان وزير الحرب آنذاك وغولدا مائير رئيسة الوزراء اتضح أن “إسرائيل” كانت على أبواب إعلان هزيمتها، لولا الضغط الأمريكي على الرئيس السادات لوقف الحرب الدائرة، ولولا الجسر الجوي الأمريكي الذي استمر على مدى أيام ينقل الأسلحة ل”إسرائيل”، ووصل هذا الدعم إلى الحد الذي شارك فيه طيارون أمريكيون بعد أن قاموا بطلاء طائراتهم (لتبدو وكأنها طائرات “إسرائيلية”) في القتال، بالمقابل فإن هذه الحرب أثبتت قدرة الجندي العربي على اجتراح المعجزات، عندما تتوافر الإرادة والقرار . لم يتصور الاستراتيجيون العسكريون على صعيد العالم السرعة التي قام الجيش المصري خلالها بإحداث ثغرات في خط بارليف، ولا في الطريقة التي تم بوساطتها اختراقه . اعتقد هؤلاء بأن الخط بحاجة إلى قنابل نووية من أجل عبوره . أثبتت هذه الحرب، أن العقلية العسكرية العربية قادرة على التمويه وعلى الاستعاضة بوسائل بسيطة بديلاً عن أعقد أنواع الأسلحة .

ثانياً: أهمية الاستثمار السياسي الصحيح للحرب . للأسف بعد أيام قليلة فقط من بدء الحرب جرت مباحثات الخيمة عند الكيلو 101 بين السويس والقاهرة، بين قادة الجيشيين المصري والصهيوني، وجاءت اتفاقية الفصل بين القوات بعد ثغرة الدفرسوار، والتي لم تكن لتحدث لو جرى القضاء على الجيش “الإسرائيلي” فيها منذ بداية حدوثها (هذا وفقاً لمذكرات الفريق سعد الدين الشاذلي) . كان ذلك بسبب قرار من السادات بعدم التعرض لها، الأمر الذي يؤكد أن الرئيس المصري آنذاك أرادها حرباً لتحريك العملية السياسية، والذي أوقف الحرب وتوصل إلى قرار بوقف إطلاق النار مع “الإسرائيليين”، في الوقت الذي كانت فيه الحرب على الجبهة السورية ما زالت مشتعلة، وهو الأمر الذي أدى ب”إسرائيل” إلى تركيز معظم قواتها على تلك الجبهة . بعدئذٍ بدأت مفاوضات (العزيز) هنري وأفضت فيما بعد إلى زيارة السادات المشؤومة للقدس في عام ،1977 ومن ثم إلى اتفاقية كامب ديفيد السوداء، والتي أخرجت أكبر بلد عربي من الصراع العربي - الصهيوني، والتي فتحت الباب لاتفاقيات مع أطراف أخرى، مثل اتفاقية أوسلو مع القيادة الفلسطينية، ووادي عربة مع الأردن . لذا فإن قرار القتال الصائب، جرى استثماره بطريقة سياسية خطأ، ولو جرى استثماره بطريقة سليمة وصحيحة، لجرى تحرير المناطق المحتلة كافة فلسطينية وعربية منذ عام ،1967 على طريق هزيمة المشروع “الإسرائيلي” في المنطقة العربية .

ثالثاً: لقد أثبتت هذه الحرب صحة ودقة مصطلح أثبت كفاءته وسلامة نهجه في العلاقة بين المحتلة أراضيهم، والغاصبيين الذي يحتلون هذه الأراضي، وقد أثبتته تجارب حركات التحرر الوطني على صعيد آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وهذا ما سبق أن استنتجه الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، عندما قال مقولته الشهيرة “ما أُخذ بالقوة لا يُستّرد بغير القوة” .

عشرون عاماً من المفاوضات الفلسطينية مع العدو الصهيوني لم تزدْه إلا تعنتاً في رفض الحقوق الوطنية الفلسطينية . كذلك فإن مؤتمر مدريد الذي حضرته أطراف عربية، لم يؤد إلى تحرير الجزء المتبقي من هضبة الجولان العربية السورية، ولا مزراع شبعا العربية اللبنانية! عشرون عاماً من المفاوضات وتوقيع ثلاث اتفاقيات مع أطراف عربية لم تزد العدو إلا توسعاً في استيطانه ومصادرته للأرض الفلسطينية، والقيام بحروبه العدوانية على الفلسطينيين والعرب، وزيادة انتهاكاته لسيادة الدول العربية على أراضيها، ورفضه لما سمي “بمبادرة السلام العربية” التي اقترحتها قمة بيروت ،2002 هذا العدو لا يستجيب إلا للغة القوة على طريق انهائه مشروعاً استعمارياً في المنطقة العربية .

إن حرب أكتوبر أثبتت ضرورة تمسك الدول العربية كافة بمثياق الدفاع المشترك، انطلاقاً من وحدة الأمن القومي العربي، فالكيان الصهيوني ليس خطراً على فلسطين والفلسطينيين فحسب، وإنما على الدول العربية كافة وبلا استثناء وعلى أبناء الأمة العربية من المحيط إلى الخليج، هذا ما لا نقوله نحن، ولكن مسيرة هذا الكيان وطبيعته وسياساته والأفكار الصهيونية التي قام عليها، والتي ما تزال المنبع الأساسي لخطواته العملية المتعلقة بالتعامل مع الفلسطينيين والعرب، لكل ذلك فإن أبناء شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية الواحدة وحكومات دولنا، كلهم مطالبون ببناء استراتيجية جديدة لمقاومة هذا العدو ومجابهة مخططاته التآمرية .


 

 

 

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 16-10-2013آخر تحديث