قيادي جهادي في المقاومــة: «السرايا» باقية - آمال خليل

من بوابة الجنوب، استعر الهجوم مؤخراً على سرايا المقاومة. لكن ليس بنسختها الأصلية عندما تشكلت لتكون «السرايا اللبنانية لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي»، بل لكونها «ميليشيا» يستخدمها حزب الله في لعبة الداخل سياسياً ومذهبياً. لكن مؤسسيها، وفي عيدها السادس عشر، أعادوا تثبيت بوصلتها إلى الوجهة الأولى والأخيرة: فلسطين

آمال خليل


قبل أسابيع، أطلقت مجموعة صيدا في السرايا اللبنانية لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، ورشة عمل داخلية تهدف إلى تعزيز الإطار التنظيمي والهيكلي وإشراك عناصرها بحلقات تثقيف سياسية وإرشادية ترفع من مستوى وعيهم وانضباطهم والتزامهم بمبادئ السرايا. الورشة ليست جزءاً من إعادة النظر في أداء سرايا صيدا بسبب اتهام عناصرها بـ«الزعرنات والتشبيح والاعتداء على الناس». بل على ما يقول حسام، أحد مؤسسي المجموعة في المدينة، إنها «جزء من مسار طبيعي تسلكه التنظيمات خلال نشوئها، وقد أجّلت السرايا قسراً إجراء ورشة داخلية بسبب التوترات الأمنية في صيدا ولبنان، لا سيما حالة أحمد الأسير.». المجموعة لا تحتاج الاستعانة بكوادر من حزب الله كي تشرف على الورشة، «المجموعة قادرة على تنظيم نفسها»، يؤكد حسام، وهو الآن واحد من الكوادر الذين يتابعون مئات المنتمين إلى السرايا، بعد خوضه تجربةً طويلة في جناح المقاومة لأحد الأحزاب اليسارية منذ كان في 16 من عمره. يؤكد حسام لـ«الأخبار» أنه «لا يزال ماركسياً لينينياً مؤمناً بالعدالة الاجتماعية والكفاح المسلح لتحرير الشعوب». يقول إنه «ليس الوحيد في صيدا الذي استقال من الأحزاب الوطنية واليسارية لينضم إلى السرايا، بعد انكفاء هذه الأحزاب عن العمل المقاوم المباشر لأسباب شتى». يقر حسام بأن مقارعة إسرائيل ليست على الحدود الجنوبية فحسب، إذ إن «للمقاومة في الداخل أعداء كثراً لا يقلون خطراً عن إسرائيل. ومن واجبنا حمايتها». الشاب، الذي رفع السلاح على لبناني مثله خلال الحرب الأهلية لأنه كان ينتمي إلى «خندق الفاشيين وعملاء إسرائيل وأميركا»، لن يتوانى عن «حمل السلاح الآن ضد أمثالهم، لأن المعركة ضد المقاومة واحدة منذ عام 1948». يرفض حسام اعتبار سرايا المقاومة أداة سياسية ومذهبية بيد حزب الله يستغلها لمصالحه في الداخل، «نحن لسنا مرتزقة» يقول، مشدداً على أن الكثير من العناصر «انتسبوا إلى السرايا للدفاع عن المقاومة وليس عن حزب الله الذي لا يحتاج لأحد لأن يدافع عنه». يشير حسام إلى صورة عملاقة للسيد حسن نصر الله علقها عند مدخل بيته الصيداوي، تقابلها صورة عدة لزوجته «السافرة والمودرن»، ثم يضحك من شائعات التشيّع والتدين التي يتهم حزب الله بنشرها بين المسلمين السنة في صيدا من خلال السرايا. «لا زلت كما كنت، لا أصلي وغير مقتنع بالعقيدة الدينية سوى أني سني بالهوية»، يقول مستذكراً الجلسة الأولى له في السرايا عندما سأل مسؤولاً في حزب الله والسرايا «ماذا تريد مني أن أفعل؟ فأجابه: ابق في طائفتك وعلى سلوكك الاجتماعي والعقائدي وفكّر بالعودة إلى التنظيم الذي كنت فيه ومارس المقاومة من خلاله».
تلك النصائح، عمل بها هادي الفلسطيني، الذي يلتزم الهدوء السياسي والعسكري، حيث يقيم في منطقة سيروب التي تضم خليطاً لبنانياً وفلسطينياً من تيار المستقبل والتنظيم الشعبي الناصري إلى حماس والجماعة الإسلامية والسرايا. خلال معركة عبرا بين الجيش وانصار الشيخ أحمد الأسير، أوضح لجيرانه الذين استغربوا التزامه في منزله بأن «شباب السرايا مش زعران ولا نتدخل بالشؤون الداخلية ولا نستخدم السلاح إلا في مواجهة إسرائيل». وحول استغرابهم لضيق وضعه الاقتصادي وعدم تمكنه من إيجاد شقة لكي يتزوج برغم انتمائه للسرايا، يؤكد أنه لا يتلقى بدلاً مادياً، فيما يوجد زملاء له عاطلون من العمل.

غير بعيد عن هموم حسام وهادي ورفاقهما، تستعر الحملات ضد السرايا. ولا يمر يوم صيداوي من دون شائعة عن اعتداء شبان من السرايا على مواطنين أو تسببهم بإشكال وإطلاق نار. قبل أيام، انتشرت في المدينة بيانات تطالب بحل السرايا وتعوّل على «صدق قول السيد حسن نصر الله، لأن الظروف التي رافقت تشكيلها زالت مع انتهاء الأسباب والمبررات التي وجدت من أجلها، وتحولت لاحقاً إلى مصدر إزعاج وخوف وباتت مشكلة تزيد الأمور تعقيداً».

في حديث لـ«الأخبار»، يوضح أحد القادة الجهاديين في المقاومة أن «حزب الله أجرى عام 2006 تقييماً لاستخلاص العبر من عدوان تموز وأدخل السرايا ضمن سلم الأولويات. إذ وجد الحزب أن كل المعارك المستقبلية مع العدو يجب أن تتوافر لها بيئة حاضنة بسبب أهمية عنصر الدعم والمؤازرة الشعبية للمقاومة ضد إسرائيل». ويقر القيادي بـ«وجود بيئات لبنانية خلال العدوان لم تكن حاضنة للمقاومة أو معنية في الأساس»، كاشفاً أن «الحرب المقبلة مع إسرائيل ستكون في كل لبنان وليس من الضروري أن تبدأ من الجنوب. لذا فإن كل لبناني قادر على حمل السلاح يجب أن يكون جاهزاً لأن المجتمع اللبناني كله يجب أن يكون مجتمع مقاومة وفقاً لمعادلة (الشعب والجيش والمقاومة)». وقال إن السرايا «ستكون واحدة من المفاجآت الكبرى التي سيكتشفها العدو في حال قرر العدوان. فالإسرائيلي إذا فكر بأن يتحرك على أي بقعة لبنانية سيواجه بكمائن وقتال من رجال السرايا أينما كان وليس في البيئة الشيعية فحسب».

ماذا عن امتعاض بعض حلفاء الحزب عن استقطاب السرايا محازبين لهم والعمل في بيئاتهم السياسية ذاتها؟ يؤكد القيادي أن «السرايا فضلت أن تفعّل القوى والتيارات الموجودة الملتزمة بفكر المقاومة بدلاً من تأسيس مجموعات جديدة لئلا تحرجها في محيطها وتستدعي عداء ضد الحزب».

إلا أن حساسية الحلفاء برزت في صيدا قبل أشهر من خلال ما عرف بـ«إشكال صيدون». حينها، اشتبك عدد من الجيران، بعضهم ينتمي إلى السرايا وآخرون ينتمون إلى التنظيم الشعبي الناصري، على خلفية أسباب شخصية. الإشكال الفردي الذي تسبب به أصحاب سوابق، فضح قلوباً «مليانة»، قبل أن يعمل الحزب على استيعابها. وفي هذا الإطار، تقرر تفعيل قرار قديم اتخذه الحزب يرفض انتساب أي عنصر ترك التنظيم لينضم إلى السرايا، في مقابل الترحيب بمن يرغب من عناصر السرايا بتركها والانضمام إلى التنظيم. وعلى نحو تدريجي، بادر الحزب لتطويق ذيول إشكال صيدون واسترضاء حلفائه الصيداويين لا سيما النائب السابق أسامة سعد الذي اعتبره القيادي «أحد قادة المقاومة الذي يثق به الحزب ثقة عمياء ويضع كل إمكاناته بتصرفه»، نافياً الشائعات التي روجت لخلاف مع التنظيم.

غيوم الصيف بين الحلفاء فتح شهية الخصوم في صيدا على الهجوم على السرايا، لا سيما النائبة بهية الحريري والرئيس فؤاد السنيورة بعد معركة عبرا. يرى القيادي أنهما «يريدان تكريس المذهبية من خلال التصويب عليها»، معتبراً أن «من يهاجم السرايا لا يريد فلسطين أو مقاومة اسرائيل»، متسائلاً «في حال تحولت إلى سرايا «داعش»، هل يتوقف هجومهم؟». ورفض القيادي الشائعات التي يروجها تيار المستقبل من أن الحزب ينشر التشيع بين الشبان السنة من خلال السرايا، مؤكداً «رفض الحزب تحول عناصر السرايا من طائفتهم إلى التشيع لأنه يجر علينا ردة فعل سلبية من محيطه الذي نريده أن يبقى مقيماً فيه، وينقل إليه فكر المقاومة وليس أن يتركه ويأتي إلينا». وذكّر القيادي أولئك المشككين والرئيس سعد الحريري الذي انتقد الحزب بسبب تأسيس مجموعات السرايا في المناطق السنية، بأن السرايا «عامل اطمئنان وصمام أمان لمنع الفتنة والإشكالات المذهبية وانفجار الوضع المتأزم في السنوات الأخيرة، ومنها أخيراً معركة عبرا، عندما تولت ضبط إيقاع الشارع في حارة صيدا وتعمير عين الحلوة وصيدا القديمة لمنع انفلاتها». وتوقف القيادي عند صيداويي السرايا «الذين تربوا على مآثر الشهيد معروف سعد واحتضان عائلاتهم للمقاومة الفلسطينية»، كاشفاً عن أنهم طلبوا من قيادة السرايا «إعدادهم للمشاركة مع المقاومة الإسلامية في معركة استعادة الجليل في فلسطين المحتلة». من هنا، يرفض القيادي أن ينزل بعناصر السرايا إلى «المهاترات المذهبية أو اتهامهم بالمشاركة في معركة عبرا أو ممارسة التشبيح والزعرنات»، معتبراً أن «السرايا تدفع ثمن التحريض المذهبي للمستقبل».

مع ذلك، لا يصدق الكثيرون مثالية عناصر السرايا. في البلدات الشيعية أي البيئة الحاضنة الأصلية، يصنف بعض هؤلاء بـ«الزعران والشبيحة والعاطلين من العمل، الذين إما لفظتهم الأحزاب أو رفضهم حزب الله أو رفضوا هم الدخول في الحزب واحتمال ضوابطه الدينية والسلوكية»، ولكي لا «ينحرفوا» أو يتحولوا إلى مثيري إشكالات وفساد اجتماعي، «استوعبهم الحزب في إطار السرايا التي نسي كثيرون أنها أنشئت لمقاومة الاحتلال وأن دورها هذا قد انتهى في ظل التطور النوعي والحضور الطاغي للمقاومة الإسلامية».

لكن القيادي «الجهادي» في المقاومة يدافع عن «مناقبية هؤلاء العناصر الذين فيهم نخبة المجتمع ومثقفوه».

صيداوياً، أقر بوجود أفراد يتسببون بإشكالات «تحمل طابعاً فردياً وليس عقائدياً أو مذهبياً وبالتالي ليس لأنهم سرايا». يتحدّث عن «الحرية الاجتماعية لعناصرها التي لا يتدخل فيها الحزب»، رافضاً «تشويه سمعة مئات الصيداويين المنتسبين إلى السرايا بسبب قلة بادرت أصلاً إلى تحسين سلوكها الإنساني مع عائلاتها ومحيطها». وكان عناصر السرايا قد تبلغوا، بحسب القيادي، بأن الحزب «يرفع الغطاء عنهم في حال قاموا بعمل خارج عن القانون، أما داخلياً، فيتعرض لعقوبات مسلكية ضمن الأطر التنظيمية ومن يكرر الخطأ يُطرَد». وعن «الانتساب إلى السرايا طمعاً بالمعاش الشهري وتأمين ظهر قوي»، ينفي القيادي تلقي عناصرها أجراً ثابتاً، بل «تصرف لهم موازنات تشغيلية من نقليات واتصالات»، فـ«السرايا ليست باب رزق للعاطلين من العمل وليست استعراضاً لمن يريد حمل السلاح تباهياً، بل السلاح يوزع للحماية الشخصية ضمن خطة محددة».

لا تقلّ خطورة عن حزب الله...

بعد أيام تطفئ السرايا شمعتها السادسة عشرة. ففي الثالث عشر من شهر تشرين الثاني من عام 1997، أعلن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله تأسيس «السرايا اللبنانية لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي». إعلان جاء بعد شهرين على استشهاد ابنه، السيد هادي على أرض الجنوب. حينها، تقدم شبان لبنانيون وعرب ومسلمون يطلبون من الحزب قبول انتسابهم إلى المقاومة الإسلامية. الحزب لم يكن بوارد قبول غير اللبنانيين في صفوفه. لكن طبيعة الحزب الدينية حالت أيضاً دون مشاركة لبنانيين آخرين، فبرزت الحاجة إلى إيجاد فصيل مستقل يسير إلى جانب المقاومة الإسلامية وتقدم له كل أنواع الدعم. في المؤتمر الصحافي، وضع نصر الله أرقام هواتف بتصرف الراغبين بالانضام إلى السرايا، مهما كان انتماؤهم الطائفي والمناطقي والعقائدي والسياسي. ولم يكد ينهي السيد كلامه حتى انهالت الاتصالات، وغصت مراكز الحزب بآلاف الراغبين. أسئلة الملف والاستمارة اللتين كان على المنتسب تعبئتهما، تطرقت إلى بياناته الشخصية وخبرته العسكرية ومؤهلاته العقلية والنفسية والجسدية وإذا ما كانت عليه شبهة التعامل مع العدو أو عملائه، وتجنبت الاستفسار عن إيمانه الخاص، بل إنها لفتت نظره إلى حرصها على «الحرية العقائدية والدينية والاجتماعية التي تحرص السرايا على ألا تقترب منها».

من قبلت طلبات انتسابهم إلى السرايا، خضعوا لمحاضرات ودورات نظرية وتدريبية. المحاضرة الأولى والأهم كانت حول هدف الحزب من إنشائها. يقول أحد أبرز قادة السرايا الحاليين إن إنشاءها كان «قراراً استراتيجياً اتخذته قيادة الحزب بعد مشاورات ونقاشات طويلة بهدف إشراك أكبر عدد من اللبنانيين في العمل المقاوم ضد العدو الإسرائيلي وإيجاد بيئة حاضنة للمقاومة على أكبر مساحة ممكنة على أرض الوطن ونقل الفكر المقاوم إلى أوسع شريحة». ويستذكر من تلك المرحلة «تلقي مسؤولي الحزب مئات المراجعات من شبان منتمين إلى أحزاب وقوى مارست العمل العسكري المقاوم لكنها انكفأت على نحو تدريجي ولأسباب مختلفة، فيما بقيت ملتزمة بفكر المقاومة. أولئك رغبوا بالمشاركة مجدداً بالعمليات الميدانية بعد أن ذاقوا طعم مقارعة العدو والانتصار عليه». لبى الحزب رغبة هؤلاء، فكانت السرايا تعبيراً عن النسيج اللبناني المتنوع طائفياً.
في 14 آذار من عام 1998، بدأت السرايا عملها العسكري الميداني بعد شهور من التدريب، ونفذت حوالى 380 عملية فعالة ونوعية ضد العدو حتى عام 2000. لكن تحرير الجنوب فرض تخفيض وضع السرايا برغم محافظتها على جهوزيتها والبقاء على هيكليتها. إلا أن عدوان تموز، أعادها إلى الواجهة مجدداً.

الحملات الأخيرة على سرايا المقاومة، ساهمت بقبول أحد أبرز قيادييها الحاليين بإجراء مقابلة، إذ «لا يصرف قادتها من وقتهم للرد على الشائعات والتشويش الذي يطلقه من لا يعلم بحقيقة السرايا وحجمها ومسؤولياتها». ومن رايات لبنان والحزب والسرايا الخضراء، التي جلس بينها وتحت صورة الشهيدين السيد عباس الموسوي والحاج عماد مغنية، أعلن القيادي لـ«الأخبار»، بابتسامة عريضة أن السرايا «لا تقل خطراً على أعداء حزب الله عن الحزب نفسه، وأن لها مجموعات مدربة وموجودة حيث تقتضي الحاجة لها ومسرح عملياتها على مساحة الوطن»، ناصحاً بالكف عن مهاجمتها لأنها «باقية باقية باقية».

الاخبار اللبنانية -سياسة - العدد ٢١٣٠ الجمعة ١٨ تشرين الأول ٢٠١٣



 

 

 

 

 

 

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 19-10-2013آخر تحديث