النرويج ومأزق تطرف بعض الشباب المسلم  - نضال حمد

اليوم الاثنين الموافق 21-10-2013 نشرت الصحافة النرويجية خبرا عن سفر مراهقتين نرويجيتين شقيقتين من أصل صومالي الى تركيا ومن هناك الى سورية للجهاد في بلاد الشام. الأولى تبلغ من العمر 18 عاما والثانية 16 عاما.  وسبق لوسائل الإعلام النرويجية ان نشرت الخميس الفائت 17-10-2013 ما أبرزته فضائية بي بي سي عبر تقرير لمراسلها في النرويج ادعي فيه ان احد مخططي ومنفذي عملية المجمع التجاري ويستغايت في نيروبي بكينيا هو شاب صومالي نرويجي الجنسية يبلغ من العمر 23 عاما واسمه حسن عبدي ذوهولو. واحدث هذا الخبر بلبلة وضجة في الأوساط الصومالية في النرويج.

يوم الجمعة الفائت 18-10-2013 اتصلت بي فضائية بي بي سي عربي هاتفيا للمشاركة في نشرتها الإخبارية والتحدث ضمن تغطيتها للموضوع عن الصومالي النرويجي حسن عبدي ذوهولو المتهم بمشاركته في الهجوم على المركز التجاري في نيروبي بكينيا الشهر الفائت. والذي بحسب التقارير كان ينتمي لحركة الشباب الصومالية الإسلامية المتشددة المسئولة عن هجوم نيروبي ولكن اللقاء لم يتم بسبب خلل فني طارئ في الاتصالات الهاتفية.

اتصال بي بي سي عربي وتزايد أعداد الأحياء والقتلى ضمن الشباب المسلم النرويجي الذين يتوجهون عبر بلدان عديدة أهمها تركيا ولبنان والأردن للجهاد في سورية، عبر شبكات محلية وعالمية تنقلهم الى سورية، جعلني اهتم أكثر بالموضوع. مع العلم انني كنت قد بدأت فعلا الاهتمام به قبل أسابيع قليلة ومع صدور كتاب "الجهاد النرويجي" للباحث في الشأن الإسلامي لارش اكيرهاوغ. هذا الباحث كان قبل سنوات من اليساريين الراديكاليين المساندين بقوة للقضية الفلسطينية وللقضايا العربية وكان من مؤسسي وقادة لجنة التضامن مع العراق ضد الغزو الأمريكي والغربي. لكنه بعد سفره الى بلاد عربية وإسلامية وتعلمه اللغة العربية تغير وتبدل ثم أصبح من الباحثين في الشأن الإسلامي بالنرويج. ولا اعرف كيف أصبحت قناعاته بالنسبة للقضية الفلسطينية بعد تحوله. وقد اتفقت معه على لقاء في المستقبل القريب للتعرف أكثر على أفكاره و ومواقفه الجديدة. وأقوم منذ أيام بقراءة كتابه عن المسلمين والجهاديين في النرويج.

في موضوع المتهم الصومالي بهجمات نيروبي قالت المخابرات النرويجية وعلى صفحتها الالكترونية في بيان نشرته قبل أيام قليلة وأكدت فيه انه لغاية الآن لا معلومات أكيدة عن الاسم وعن مصرع المواطن النرويجي ( الصومالي) الذي كانت تراقبه منذ سنوات. لكنها أكدت أيضا أن المعلومات المتوفرة لديها تعزز فرضية مشاركته في الهجوم. وبحسب بعض المختصين النرويجيين الباحثين في الشأن الإسلامي فانه ليس من المستبعد ان يكون هذا الشخص مشارك في عملية نيروبي. خاصة ان هناك ما بين 20 الى 30 صوماليا نرويجيا سافروا في وقت سابق الى الصومال للقتال ضمن حركة الشباب الصومالية الإسلامية المتشددة. هذا من غير ذكر أعداد الشباب المسلم من أصول عربية وغير عربية ومن حملة الجنسية النرويجية الذين سافروا للقتال في سورية ومنهم شاب نرويجي من أصل تشيلي كان اسلم قبل سنوات واعتنق الفكر السلفي كما جاء في كتاب لارش اكيرهاوغ عن الجهاد النرويجي.  

في كتابه "الجهاد النرويجي"- ( نورشك جهاد ) الذي صدر في النرويج هذا العام ويعالج قضية التطرف الإسلامي وانتشاره بين بعض أبناء الجالية المسلمة في النرويج، تطرق الباحث والصحفي لارش اكير هاوغ الى موضوع حركة الشباب الصومالية و المتعاطفين معها أو المنضوين تحت رايتها في النرويج. وكان اكيرهاوغ في وقت سابق قال لوسائل إعلام محلية نرويجية انه على القادة والوجهاء الصوماليين في النرويج ان يقولوا بوضوح للشبيبة الصومالية انه من الخطأ التعاطف والتضامن مع حركة الشباب الإرهابية. وأضاف الرجل في نفس المقابلة : يجب على الشخصيات العامة وأئمة المساجد اتخاذ مواقف لان هذا خطر. فهذه ليست آخر مرة سنسمع فيها عن صوماليين نرويجيين يشاركون في هجمات إرهابية. وأعرب عن قلقه بشأن مصير الشباب الذين لديهم تعاطف وعلاقات مع المتطرفين. وفي ختام كلامه قال : ليس من المؤكد ان هؤلاء المسافرين سيكون لديهم الدافع لمهاجمة النرويج ولكنهم يتلقون أوامر بمهاجمة الغرب. 

غلاف كتاب لارش اكيرهاوغ

خصص لارش اكيرهاوغ في كتابه مساحة واسعة للحديث عن الإسلامي النرويجي المتشدد محيي الدين محمد ( اعتقل في الأردن ومنع من دخول السعودية وتونس وتمكن من الوصول الى سورية عبر لبنان للقتال هناك ونشر صورا له من سورية وهو يحمل السلاح في يوتيوب وفيس بوك ووجه تهديدات للنرويج بحسب ما جاء في كتاب الجهاد النرويجي... وتحدث لارش في كتابه أيضا عن آخرين منهم شقيق محي الدين محمد الذي ذهب للجهاد في سورية لكنه لوحق في لبنان فعاد الى النرويج. وكذلك عن الشاب الجزائري النرويجي الذي قتل أثناء المشاركة في القتال في سورية هذا العام. وأيضا عن التشيلي النرويجي الذي ذكرناه أعلاه وعن بعض الباكستانيين النرويجيين من جماعة امة الرسول المتشددة.

يوسف الشاب الجزائري النرويجي الذي قتل في سورية

يبدو ان موضوع التشدد الإسلامي في النرويج وتغلغل التنظيمات المتشددة في صفوف الشبيبة المسلمة النرويجية دق ويدق مضاجع الجهات المختصة النرويجية. فهناك باحث آخر يدعى أيضا لارش وهو شخصية نرويجية معروفة سألني قبل أسابيع على هامش ندوة عن فلسطين التقينا خلالها ان كنت اعرف إسلاميين أو فلسطينيين إسلاميين سافروا الى سورية للجهاد هناك. الشيء الذي لا اعرفه ولم أكن اعرفه. سؤاله جاء في معرض حديثه عن بحث يقوم بإعداده عن هذا الموضوع.

عودة لقضية الشاب الصومالي :

 المخابرات النرويجية قالت في وقت سابق ان الشاب الصومالي أصبح على قائمتها للمراقبين المتشددين بعدما أنهى المدرسة المتوسطة وذلك بعد قيامه بالتردد على المتشددين وبعد ان أصبحت أفكاره أكثر راديكالية. وتقول التقارير انه غادر النرويج الى الصومال سنة 2008 ولم يعد إليها لغاية اليوم ولكنه كان على اتصال مع شخص في النرويج معروف باسم حركي ( عكرمة )، وهذا الشخص كان يعيش في السابق في النرويج وهو من قادة حركة الشباب الصومالية وأضافت المخابرات النرويجية ان وحدة أمريكية حاولت اختطافه من بلدة (بعراووي) الصومالية لكن العملية باءت بالفشل وتمكن عكرمة من النجاة.. 

في يوم 11-10-2013 كتب غاير لانس في الموقع الالكتروني للمخابرات النرويجية تحت عنوان " إرهاب حركة الشباب مهم للنرويج":

" الهجوم الإرهابي على المركز التجاري في نيروبي يظهر بوضوح ان حركة الشباب (الصومالية) لاتزال قادرة على تخطيط وتنفيذ عمليات إرهابية داخل وخارج الصومال". هذا الكلام يظهر تخوف المعنيين النرويجيين من إمكانية قيام المتطرفين بأي عمل عدواني في النرويج في المستقبل او في اية لحظة تسنح لهم بذلك مع وجود قرار لدى فئات إسلامية متشددة مثل تنظيم القاعدة بمهاجمة النرويج عقابا لها على مشاركة قواتها في أفغانستان او بسبب نشر الرسوم الكرتونية المسيئة للرسول.

جدير بالذكر ان المتهم الصومالي كان بحسب مصادر أمنية نرويجية على علاقة بجماعة " أمة الرسول" الإسلامية المتشددة في النرويج. والتي لها مقاتلين في سورية يقاتلون نظام الرئيس بشار الأسد. وقد قتل البعض منهم في المعارك الدائرة هناك. هذا وكان الباحث لارش اكيرهاوغ تحدث عن هذه الجماعة في كتابه الجهاد النرويجي.

من حق النرويج ان تقلق بشان انخراط الشباب المسلم في تنظيمات جهادية تمارس الجهاد في بلدان عديدة ولا تخفي عدائها للغرب ولكل من لا يفكر بنفس تفكيرها ولا يؤمن بما تؤمن به من أفكار. لكن النرويج التي تساهلت مع سفر الجهاديين للجهاد في سورية كما بقية الدول الغربية عليها أن تبحث عن حلول لهذه المعضلة. وهنا تكمن أهمية العلاقة بين المساجد وأئمتها ومشايخها والسلطات النرويجية. لان دور المساجد والأئمة يجب أن يكون في خدمة الإنسانية أولا وفي سبيل منع التطرف ونشر لغة التسامح والاعتدال والمساواة والرحمة. والتصدي للتطرف والتشدد ومنعه وصده والحيلولة دون تغلغله في صفوف الشباب المسلم. نقول هذا لمعرفتنا بمدى تأثير المساجد وخطبائها وأئمتها ومشايخها على الشباب المسلم في هذه البلاد. وللعلم فأن كل المساجد الإسلامية في النرويج تتلقى دعما ماليا وميزانية سنوية من الدولة النرويجية مثلها مثل أي كنسية مسيحية في البلاد. ويعتبر مسجد الرابطة الإسلامية الذي يتبع بشكل رسمي أو غير رسمي جماعة الإخوان المسلمين العالمية اكبر هذه المساجد التي تحتضن المسلمين النرويجيين الناطقين باللغة العربية بالذات. نقول هذا لان هناك جالية إسلامية باكستانية ضخمة وهي الأكبر في النرويج ولها مساجدها التي لها بدورها روادها. .

في الختام نسال : ترى إذا عاد المجاهدون الشباب الى النرويج من سورية وغيرها من بقاع الأرض  كيف سيكونون؟

هل سيكونون أكثر اعتدالا أم أكثر تطرفا وتشددا؟

 

 

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 21-10-2013آخر تحديث