مقالة بوتين والعنجهية الأمريكية - د. فايز رشيد

نشر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مقالةً في صحيفة"نيويورك تايمز"تحت عنوان"دعوة للحذر"موجهة إلى الأمريكيين بشكل عام , لكن الضجة التي أثارتها المقالة بين العديد من السياسيين الأمريكيين, كانت كبيرة وتميزت ردود أفعالهم: بالصلف والعنجهية والاستعلاء الفوقي،وكأن هؤلاء يعيشون في واقع غير الذي نعيش فيه, واقع تتحكم فيه الولايات المتحدة دون رقيب أو حسيب!نعترف أن الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ودول المنظومة الاشتراكية وانتهاء الحرب الباردة ,عاشت مرحلة ذهبية في عالم تميز بالقطب الواحد،وبقيادة أمريكا للساحة الدولية،ومن ثم وبعد مضي عقدين من الزمن : ظهرت روسيا والصين كدولتين كبيرتين ومؤثرتين إلى الحد الذي يمكن القول فيه:أن قطباً عالمياً آخر بدأ في التشكل في مواجهة الولايات المتحدة وخلفائها.أصحاب الرؤوس الحامية في كل من واشنطن وتل أبيب وعموم العواصم الغربية لا يريدون الاعتراف بهذا الواقع الجديد،الذي يفرض حقائقه واقعاً على الأرض.إحدى هذه الحقائق:أن الولايات المتحدة لم تعد اللاعب الوحيد على الساحة الدولية ,فروسيا والصين(وبخاصة الأولى)لهما وجهات نظر مغايرة لما تراه واشنطن وتحدده من مواقف سياسية , وعلى سبيل المثال لا الحصر:القضية السورية،والمشروع النووي الإيراني وكذلك حقيقة:أن كوريا الشمالية أصبحت لاعباً نووياً , بحيث بات صعباً توجيه ضربة عسكرية لها من قبل الولايات المتحدة ودول المعسكر الغربي.

بدايةً،فإن مقالة بوتين حول سوريا: مؤدبة الكلمات, وتتطرق إلى أهمية الصداقة بين الشعبين:الأمريكي والروسي , وتؤكد على أهمية هذه العلاقة.كذلك فهي تخلو من أية تعابير أو مصطلحات يُفهم منها, التحدي،وتؤكد على أهمية الأمم المتحدة ودورها في حل القضايا والخلافات الدولية،وكيف ستتحول هذه المنطمة إلى شكل لا فائدة منه،إن تصرفت الدول العظمى, خارج إطارها ودون قراراتها . المقالة توضح:المخاطر الكبيرة التي ستنشأ من أخذ بعض الدول قراراً بتوجيه ضربة عسكرية إلى سوريا خارج إطار الأمم المتحدة:"اندلاع موجة جديدة من الإرهاب ,تقويض الجهود متعددة الأطراف التي تبذل من أجل تسوية المشكلة النووية الإيرانية , والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي, ناهيك عن حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ,وقد ينسف منظومة القوانين والنظام الدوليين!....ويستطرد...دعت روسيا منذ البداية إلى حوار سلمي يمكن السوريين من وضع خطة تسوية من أجل مستقبلهم.نحن لا نحمي الحكومة السورية بل القانون الدولي".

وفي مقالته يقول بوتين:"ما يثير القلق هو: أن التدخل العسكري في النزاعات الداخلية في الدول الأجنبية قد أصبح أمراً مألوفاً بالنسبة للولايات المتحدة , فهل هذا في مصلحة أمريكا على المدى الطويل؟أشك في ذلك.فالملايين في جميع أنحاء العالم لم تعد ترى أمريكا بوصفها نموذجاً للديموقراطية , بل أنها أضحت تعتمد على القوة الباطشة التي تستجمع حولها حلفاء وفق مبدأ :من ليس معنا فهو ضدنا".بهذه الروحية يكمل بوتين مقالته المهمة,لتي يختتمها بترحيبه للعمل سوياً مع الرئيس أوباما, وتوجيه النقاش نحو المفاوضات , واختيار مسار التسوية الدبلوماسية والسياسية بعيداً عن استخدام لغة القوة ,مؤكد أن :علاقة العمل والعلاقة الشخصية التي تجمعه بالرئيس الأمريكي أوباما"تتسم بثقة متنامية"وأنه يكن له كل الاحترام وقرأ بعناية خطاب أوباما إلى الأمة الأمريكية ,مذكراً بحقيقة وهي"أننا حين نتوجه إلى الله بالدعاء ليباركنا فإن علينا أن لا ننسى أنه خلقنا متساوين".

ردود الفعل الأمريكية تميزت بالنزق والغضب الشديد غير المبرر, فالسيناتور الديموقراطي بوب مينديز الذي يرأس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ صرح لشبكة"سي إن إن""لقد رغبت في التقيؤ بعد قراءة افتتاحية بوتين. أنا قلق عندما يأتي شخص من الكي جي بي ليخبرنا ما هو في مصلحتنا الوطنية وهو ليس كذلك".السيناتور جون ماكين قال عبر"توتير""افتتاحية بوتين هي إهانة للولايات المتحدة ولذكاء كل أمريكي".السيناتور الجمهوري جون كورنين قال:"لدينا سبب وجيه للتشكك في أن موسكو شريك دبلوماسي موثوق فيه.روسيا هي جزء من المشكلة في سوريا وليست جزءاً من الحل".لقد أبدى السيناتور جيمس انهوف لشبكة"سي إن إن"اعتراضه على أسلوب وعبارات بوتين مشيراً إلى محاولات الرئيس الأسبق رونالد ريغان التقرب من الروس.وقال"إنني أشعر بالرئيس ريغان يتقلب في قبره".في نفس السياق جاءت وجهات نظر وتعليقات لسياسيين ومعلقيين وكتّاب أمريكيين, لكن أحداً من كل أولئك لم يكتب رداً مكتوباً موضوعياً وحقيقياً يفنّد فيه(خطأ)وجهة نظر الرئيس بوتين هذا أولاً.ثانياً:تميزت ردود الفعل الأمريكية على المقالة بأنها(تطاول)من بوتين على(البلد الأعظم)ولسان حالهم يود القول"من هذا العبد الذي يتطاول على أسياده الأمريكيين"!هذا غيض من فيض ردود الفعل الأمريكية على ما كتبه بوتين.

لقد شبّه الرئيس أوباما بوتين منذ فترة"بأنه التلميذ الكسول الذي يجلس في آخر الفصل غير عابئ بما يجري حوله،كان ذلك في أحد مؤتمراته الصحيفة على هامش قمة العشرين التي جرت في إيرلندا الشمالية في يونيو/حزيران الماضي،تصوروا ماذا يقول رئيس دولة عظمى عن رئيس دولة عظمى وريثة الاتحاد السوفياتي؟إنها الوقاحة الأمريكية بكل صلفها.

 

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 22-09-2013آخر تحديث