قصّة: عندما نسيت اسم صديقي - رشاد أبو شاور


كنت أتمشى في بوابة الصالحية، عندما تنبهت على صوت أُنثوي:

التفت:

_ فريال..ياه.. سنوات مضت يا فريال لم أرك فيها.

تأملت وجهها، فوق خصلة من الشعر الأبيض تختلط بشعرها الأسود الباهت.

ابتسامة ذابلة تشي بحزن ووحشة.

ركزت نظرة على رأسها، وتساءلت بدهشة:

_ تحجبت!

ضحكت ضحكة من خارج القلب:

_ كبرنا يا صديقي..كبرنا، ولم يعد من اللائق أن...

انقطعت جملتها.حولنا يمّر المتسكعون، ومن يتأملون واجهات محال بيع الملابس، وبيننا صمت وتقاطع نظرة ثابتة.

حاولت أن تبدو مرحة كأيام زمان:

_ أنت ما أخبارك؟

_ كما عهدتني..أنا على حالي.

_ يعني لم تتزوج؟

_ لأ...

_ أحسن لك، والله أحسن.

_ من كل قلبك؟!

تنهدت تنهدة مديدة:

_ لا أدري.بجد لا ادري. أنت تعرف السبب، أم نسيت؟

كانت متزوجة، وبعد عشرة أعوام قال لها زوجها: أريد أبناء يا صديقتي، هي أخبرتني بذلك، وكنت يومها مع صديقي وصديقها( عبد...) نجلس في مقهى الروضة. فحصا نفسيهما واكتشفا أنها عاقر..وتطلقا بود، أمّا هي فقررت أن لا تُطلّق مرة أُخرى، واختارت صديقا لها صديقي( عبد...)، الذي اشتهر في الجامعة كفيلسوف يتحدث باستمرار عن سارتر، وكامو، وكولن ولسون وتحديدا عن كتابه اللامنتمي.

كان صديقي ( عبد...) يرفع قبّة قميصة حول عنقه، ويسدل شعره الأسود الغزير على صفحتي وجهه، وعلى عنقه، وفوق ياقة القميص البيضاء المنشاة دائما. ( كان يرتدي قمصانا بيضاء ونادرا زرقاء فاتحة).

كانت قد استأنفت الدراسة بعد الطلاق، وكان عمرها حوالي السابعة والعشرين _ تزوجت وهي في السابعة عشرة_ والتحقت بكلية الحقوق.

في ( بوفيه) الجامعة رأته، فخفق قلبها لطلته، لوسامته، لطوله الفارع، لمشيته اللامبالية، لتحلّق الشباب والصبايا حول طاولته.

وقت قصير فإذا بها تصبح واحدة من الشلة، ثمّ قريبة منه، ومن بعد لم يعودا يفترقان.

عرف أنها مطلقة، وأفهمها أنه لن يتزوج لأنه متزوج من الكتب، والسينما، والمسرح، ولأن المسرح فقير في بلادنا فهو سيسافر إلى لندن لمشاهدة مسرح شكسبير في لندن، وربما البقاء هناك، والتعرف عن قرب بكولن ولسون.

لم تثقل عليه، فهي لم تكن تفكر في الزواج، فما دامت عاقرا فلتكن صداقة حميمة وكفى، واستمرت علاقتهما حتى وفاته العبثية.

كان صديقي ( عبد...) بوهيميا بأناقة لافتة، وكان يقحم كلمات ومصطلحات إنكليزية في حواراته، وأحاديثه.

عندما زار كولن ولسون دمشق، ووقف عند مدخل المركز الثقافي العربي في شارع أبي رمانة، يحيط به الدكتور حسام الخطيب، والقاص والمترجم يوسف شرورو صديقه القادم معه من لندن، ومترجم بعض أعماله، مدّ صديقي عبد، وكنت خلفه تماما، يده بود مع ابتسامة، وخاطب كولن ولسون بود وكأنه صديق قديم:

_ أهلا كولن..قرأت كل كتبك بالانكليزية، وقرأت روايتيك الشك وضياع في سوهو. بودي لو أتحدث معك عن كتابك سقوط الحضارة، ولكن الوقت لا يسمح. في كل حال: أهلاً بك كولن في دمشق، سألتقيك في لندن، فانا قادم قريبا، وسنستأنف حديثنا..أهلاً يا صديقي.

ابتسم كولن ولسون بوجهه الطفولي، وبدا مأخوذا بهذا الشاب الواثق من نفسه، وهز يده كأنه صديق حميم.

مثقفو دمشق تحدثوا عن ثقة صديقي( عبد...) بنفسه، وعن تحضيره لزيارة لندن، ومنهم من بالغ وأكد أن كولن ولسون قدم له كرتا عليه عنوانه وهاتفه، ودعاه لزيارته، بل وأكد عليه أن لا يحضر للندن دون أن يتصل به.

فجأة مات صديقي ( عبد...)، في حادث عبثي شبيه بموت ألبير كامو صاحب (الإنسان المتمرد) الكتاب الذي كان معجبا به.

مات صديقي وهو يعبر شارع خالد بن الوليد بعد أن غادر بيته، قرب الإطفائية، دهمته سيارة تاكسي عمومي..فقتلته على الفور، بعد أن رفعته في الهواء ورمته على الرصيف.

بعد الجنازة رأيت فريال مرات قليلة في مقهى الروضة، و..منذ سنوات، ربما خمس سنوات لم ألتق بها.

جذبتها من يدها، وابتعدنا عن الرصيف لننتحي تحت واجهة أحد المحال، ووقفنا صامتين عاجزين عن قول شيء.

وإذ طال صمتنا رفعت عينيها إلى عيني:

_ لماذا لا نلتقي؟ أنا لا أكون مشغولة بالعادة مساء..وأنت؟ أم تراك تزوجت، وتشغلك هموم الأسرة؟

حاولت أن أبدو مرحا:

_ أنا على مذهب صاحبي: لا زواج...

_ لنلتق، ولنستذكر تلك الأيام، أيام كنا نضحك، ونعيش ولا على بالنا...

مدّت يدها براحة مفتوحة، وضغطت على راحتي وكأنها تتشبث بها.

عندما ابتعدت، واختفت في الزحام، سألت نفسي عن تتمة اسم صديقي( عبد...)، ولم أهتد لتذكر اسمه كاملاً: أهو عبد الرحمن، عبد الرحيم، عبد الهادي، عبد الحليم..يا إلهي أيعقل أن أنسى اسم صديقي الحميم؟!

أسرعت خلفها وأنا أمط قامتي علّي أراها، لأسألها ماذا كان اسمه الكامل، ثمّ خجلت خجلاً ثبّتني في مكاني، فقفلت راجعا دون أن أعرف إلى أين أتوجه. ثم تساءلت: إلى أين كنت متوجها قبل ألتقي بفريال؟ وسالت نفسي : هل ما زالت تتردد على مقهى ال..رو..ضة. هل تجلس وحدها، أم إنها بعد صديقي ( عبد...) تحجبت، وغرقت في العمل اليومي الروتيني لتنسى وتسلو؟!

استدرت، وأخذت سبيلي خلفها مؤملاً أن ألتقي بها في مقهى الروضة، فقد خطر ببالي أنني لم أكن أعرف معنى اسمها فريال، وأنها هي ..وهي وحدها من سيخبرني بمعنى اسمها..ومن غيرها يمكن أن أسأل؟!


 

 

 

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 29-09-2013آخر تحديث