ثقافة الجريمة المعاصرة، والثقافة الملعونة - أحمد حسين



*فلسطين المحتلة 1948

مدخل

الثقافة هي البشر التاريخيون في تعدداتهم البيئية وتبايناتهم التطورية، وبالتالي سلوكهم التاريخي الإجتماعي. هي آلة الطبيعة التي تنتج التفاصيل المرئية وغير المرئية للحركة ( الفعل ) لدى أنماط البشر التاريخيين.

حينما تتحول الثقافة إلى وعي الذات الإجتماعية لذاتها في مواقع التعدد والتباين، يشكل هذا الوعي اتجاه العيّنة في سياق التطور الطبيعي، نحو مصيرها التاريخي السياقي، بين التجدد والتلاشي.

نحن أولا مدونتنا الثقافية , وتاليا ما نفعله بأنفسنا عبر جدل العلاقة بين هذه المدونة الذاتية، وقوانين الوعي الوجودي العام ( المصلحة، حركة التناقضات، ظاهرة الآخر الإجتماعية ).

مدونتنا الثقافية ليست وعيا جاهزا أو معرفة. هي حالة وجود نحس بها أنفسنا. تقدم لنا ردة الفعل الذاتية على التطور ( مزاج الوعي )، في الطريق إلى الوعي الموضوعي (وعي جدل العلاقة والظروف الموضوعية).

المدونة هي النقيض الجدلي الدائم للظرف الموضوعي ( مكافأة ضرورات التجاوز التطورية في لحظة الحركة والفعل ).

باختصار، المدونة الثقافية هي موضع دائم للتجاوز من جانب الوعي التاريخي، وعدم توفر حركة التجاوز في زمنها الموضوعي هو التخلف.

الثقافة المحاصرة بالتخلف، تتحول إلى مدونة إشكالية لها وعيها المرضي الخاص، والمنفصل عن حركة التاريخ وجدلها التطوري، فتفقد مع الوقت ليس علاقتها الواعية بالوجود، بل آلياتها أيضا، فيتشكل عقلها في حدود الإنسجام مع حاجاتها البيولوجية الأنوية، والتزاماتها الفردية بالفئة اللصيقة للمصلحة الفردية، أو بمصادرها الخارجة على التشخيص الإجتماعي.

خارج التدارك، يصل هذا الإنحلال الإجتماعي التدريجي في جميع الأحيان منزلة التلاشي التاريخي المحتم.

الإجتماعية العربية، دخلت مرحلة التلاشي، ولكن الصمود الأستشهادى لفرادة المجتمع السوري، ومعجزة التدارك في اللحظة الأخيرة، التي تمثلت في نقلة الوعي النوعية الفريدة للشعب المصري، ليس خارج التوقع كما يزعم البعض، أعادت مواربة أبواب الصراع على الأمل.

هذا الكلام ليس علما يستعين بالفلسفة أو فلسفة تستعين بالعلم. ولكنه ليس مجرد اجتهاد معرفي نظري أيضا. إنه أقرب إلى وصف الحالة التي نحسها بالتجربة الحياتية التي تضعنا أمام أنفسنا ( ثقافتنا ) فجأة بدون أي توضيح مسبق، لماذا نحن هكذا؟ هذا هو سؤال المعرفة والوعي والوجود. سؤال الثقافة الحية، في النموذج الإجتماعي الحي!!!

أفدح كوارث التجربة العربية، التي كانت وما زالت قائمة، هي التعفن البنيوي النادر لجوهر الثقافة العربية وشخوصها، على كل المستويات الممتدة بين" المثقف!! " البائس وبؤس " الثقافة!!!" وحتى مستنقع التلقي الهجري الغارق في قدرية الإستجابة العفوية لكل ما يقال له. لا يوجد لدى الهجري ثقافة تاريخية. لديه مجموعة أفكار تلقينية معطلة الحركة حول نفسه وحول العالم الذي أصبح نقيضا خارج الجدل. ( عدوا مجانيا )
الإستثناءات في كوادر الثقافة العربية، قائمة على المستوى الوعيوي وجدية الثقافة. ولكنها لم تكن قائمة في تاريخها كله على مستوى الإلتزام الإجتماعي. القلة التي تمسكت بالإلتزام، كانت تتم تصفيتها أولا بأول بالتغييب الجسدي والمعنوي أو بالإسقاط، من جانب أدوات المرحلة الإستشراقية بالكامل. ( الغرب الإمبريالي ).

تعرضت الكيانية العربية المتميزة حضاريا لمشروع إسقاط على مدى قرون طويلة، بدأ بالهجرة الثقافية من الأصالة إلى الإتباع. من التاريخية إلى اللاعلمانية. من الإيمانية العاقلة، إلى مشروع الفقه الإجتماع - كهنوتي. ومن القراءة التاريخية، إلى إنكار التطور وأهمية التجربة.

أركان عملية الإسقاط: الغزو الإستشراقي الغربي، مشروع الدين السياسي (الفقه الشعوبي اللاعروبي المتحالف مع الإستشراق الغربي ). عوامل ذاتية.

ألأدوات الإستشراقية المعاصرة: شخصية المثقف العربي المعاصر ( توقيف حركة العقل الواعي وملاحقة مناعات التلقي ). حركة الإخوان المسلمين (تصفية الكيانية العربية ). تدنيء صورة الإنسان العربي عالميا (الإرهاب ).

المشهد التاريخي المعاصر:

الصهيومريكية تعيد إنتاج النظام:

الانتخاب السياقي الحر هو ذاته النظام ( الفوضى البناءة ).

التراتب السلمي هو جوهر الحركة، والمساواة عبث كارثي سيدمر السياق. ظهور النخبة حتم سياقي في حركة التطور الطبيعي.

البراغماتية هي عقل الحركة والوجود، والنخبة هي الأكثر مكافأة لها في الوعي والسلوك. هم البشر الأكثر تحررا من صنميات ورموز اللغة والثقافة وادعاءات الحضارة حول السمو في الطبيعة. لا يوجد في الطبيعة سمو فكري. يوجد سمو سياقي عملي. البشر هم نخبة السياق البيولوجي الطبيعي. الجدوى العملية هي التي تقرر " السمو " التراتبي النخبوي في السياق.

لتحقيق الفوضى البناءة كنظام بدل – اجتماعي، يجب إعادة النظر في التقييم السياقي المعرفي للبشر في التاريخ.

صناعة الإنسان ومركزية المجتمع في الوعي القديم، كانت ترميزا تحريفيا للحقائق والعلاقات الكونية، خلق عالما متفجرا وعلاقات عالية التوتر في خواء من الجدوى والقيم العملية، وخال من الأهداف المحددة، بسبب تعدد السياقات وسيطرة الأفكار وتناقضات المصالح الغيبية.

أدى هذا إلى تعويق عفوية اتجاه الحركة البشرية نحو العولمة، والعولمة هي تحقيق استقرار العلاقات البشرية بواسطة البشر أنفسهم، من خلال نظام عالمي موحد يقوم على حريات الأفراد.
الصناعة التاريخية السابقة أنتجت عصورا من الفوضى المدمرة على مستوى وعي البشر لأنفسهم ( الأفكار تحكم منتجيها ).

تخليص البشرية من ورطتها الذاتية ( وعيها الإجتماعي )، عمل غير ممكن إلا بوضع البشر في مواجهة أنفسهم داخل نظام الفوضى البناءة أي صراع البقاء الأنوي في الطبيعة بكل حياديته الإجتماعية ونخبويته الفردية، لتعطيل خاصيات الوعي القديمة بالسياق الفعلي لواقع الوجود التنافسي ( مدرسة الغريزة. إنتاج نظام التمدن الغريزي ).

سيؤدي ذلك إلى كثير من " العنف " البراغماتي الميداني الذي يجب أن تقوم الوقائع نفسها بتمريره على وعي العينة. يحتاج ذلك إلى قوة عالمية نخبوية مفردة قادرة على وضع القطار على بداية الخط الجديد ووضع البشر في مواجهة حتمهم البنيوي الحقيقي. هذه القوة قائمة وهي التي ستقود العالم إلى الخلاص. لدينا كل إمكانات الفعل لخلق ظروف التلقين اللازمة، ولدينا النخبة الإدارية المخططة ولدينا أيضا النخب المنفذة في جميع المجالات (لصهيومريكية ).

الحياة ليست للعبادة. وهي حتى الآن أسطورة وجود متجدد. فنحن نجهل كل نصوص البدايات. ما لدينا هو تحديات السياق المؤدى لحالة الوجود. النظام الوحيد الممكن هو الخضوع لإملاءات السياق. دور البشر هو تمدين السياق وليس تعطيله. نحن نحاول ذلك بوصفنا منتدبين بالإنتخاب السياقي. ( المحافظون الجدد. الصهيومريكية ).

تعليق:

فوائض القوة الإمبراطورية، أدت خلال التاريخ إلى ظواهر جنون التفوق. السلسلة التاريخية لمجانين التفوق طويلة جدا. كثيرون من هؤلاء المجانين أصبحوا الآن آلهة ميتين. بعضهم حاولوا تمدين الغريزة لأنهم أكلوا التفاحة من داخلها كالديدان ولم يبق سوى القشرة فماتوا داخلها بعد أن أصيبوا بالإكتئاب والجنون. مشروع العولمة أعلاه نسخة مريضة ومعتادة للتملك والهيمنة الإمبراطورية. شراسة المشروع النازي الأممي الصهيومريكي، نابعة من السيرة الذاتية لعنصرية الثقافة التجاوزية للطرفين. ومن فوائض الثروات المكدسة، والتفوق التكنولوجي والعلمي المعسكر. تهود الثقافة على جانبي التقابل الحضاري المركزي المتوسطي منذ روما والأسلام حوّل التوراتية إلى دين التاريخ الثقافي في معظم أرجاء المعمورة. وبعد تصهين أمريكا ( قيصر روما الجديد ) وسيطرتها على الفضاء الأوروبي القومي والإستعماري، أصبح التوازي بين أمريكا والصهيونية مستحيلا عمليا وموضوعيا، فاندمجا في بنية أمبراطورية واحدة. هذا الإندماج هو الآن يشكل العقل الإمبراطوري لقوتي التكامل العالمي الأعظم. ببساطة، الكمال النخبوي لطرفي القوة " الكاملة "، يقترح العالم المثالي للعبودية المثالية من خلال تناغم الحركة مع الجدوى الإقتصادية.

الجلوس على قمة العالم إلى الأبد، يتطلب صناعة الرعية المناسبة لعظمة عالم الوفرة الجديد. الوفرة ستوفر الإكتفاء الذي سيلغى التوترات والصراعات ويحولها إلى منافسة بنائية. سيتغير البشر، ولكن النخبة الأستعمارية ستتطور دون أن تتغير أفكارها ووعيها الأستحواذي الذي سيحقق هذه المرة عولمة نظام الإستعباد الشامل. سيشعر عبيد التراتب بالرضا علي مائدة العشاء لتوفر الخبز، وينامون وهم يحلمون باستعباد من تحتهم وبلوغ من فوقهم. إذا أردت أكثر إعمل أكثر، واستغل من هم دونك أكثر!
أين هو الجديد في هذا؟

لا جديد! رغم كل التراتيل النيتشوية، والحداثية، ومركزية الأنا المنتجة، وهراء االفلسفات التفكيكية الممهدة للجنون الأمبريالي، من حفر لغوي، ومحايثة سطوح، وتسطيح جدلي، وهراء لا رومانسي غارق في الرومانسية والميتافيزيقا رغما عن أنوفهم. كل شيء على حاله ما عدا توزيع المخدرات الإعلامية وحبوب التنشيط الغريزي ومحاولة الفصل بين الدم والثقافة، والجريمة العالمية والثقافة، والإنسان والثقافة.

لا جديد أبدا سوى في مجل لعبة التوترات! ناس في الدول الفقيرة ينتجون أكثر مما يستهلكون، ليستطيع مواطنو دول المركز الحواضري ( كما يسمي إدوارد سعيد دول الجريمة ) أن يستهلكوا أكثر مما ينتجون، أو يستهلكوا بدون أن ينتجوا شيئا.

الميتافيزيقا ليست اقتراحا أو صناعة عقلية، هي حالة بنيوية طبيعية للتناقض والجدل، إشكالها التطوري هو نشوء العقل ووعي المعرفة الممتنعة. العقل سجين حالة الواقع الميتافيزقي للوجود. وسوف تظل اسئلة المعرفة الممنوعة المتغيرة، هي المكون للثقافة وتطورها. ولن تتوقف هذه الأسئلة أبدا. إذا كان الوجود أزليا، فإشكال المعرفة أزلي أيضا.

الهجوم المعاصر على ميتافيزيقا الوجود، أصبح مشروعا إمبرياليا هدفه تسطيح الإنسان، ورده إلى براغماتيته البشرية الأولى. ملء مساحات الغريزة بالبيولوجيا المتمدنة، أي تخليص الحركة البيولوجية من توتراتها التي دفعت إلى صناعة الإنسان والمجتمع والطبقات المتحاربة. ولكن الدعوة المباشرة إلى إطلاق الغرائز، وإبطال مفهوم المجتمع وقيمه النظامية والأخلاقية لقمع الأنويات الفردية، لا يمكن أن يصنع الفوضى البناءة في غياب البشر المؤنسنين، وثقافة الحركة الإنسانية التي وضعت معادلة التوازن تحت اسم: الحرية البناءة. يمكن لذلك أن يصنع الفوضى فقط لانعدام وعي المصلحة لدى الفرد الفاقد الأهمية والهدف المعنوي. لو انتزعنا من التاريخ القديم وعي الإنسان لأهميته المركزية، ووعيه للحرية بصفتها شرطا مكافئا لمصالحة الوجودية بكل مظاهرها المعاشية وآفاقها المعنوية، لما كان لنا اليوم تاريخ جديد. ولكانت الفوضى البناءة قد حلت المشكلة من أساسها كما تفعل اليوم، بالقتل المتبادل والمجاني. وهذا لم يكن غائبا عن وعي وتوقعات أصحاب مشروع الفوضى البناءة، على العكس من ذلك، كان هذا المشروع هو آليتهم للشطب الديموغرافي اللازم لتحقيق التوازن البيئي لعالم التكنولوجيا الذي لم يعد يحتاج لفوائض الأيدي العاملة، التي لم يعد لها جدوى. لقد استعملت أمريكا في العقود الأخيرة كثيرا من وسائل الشطب الديموغرافي في مناطق العالم الفقيرة في إفريقيا وآسيا، من تفتيت اجتماعي، ونزاعات دموية، وأمراض مخبرية، وتعقيم تناسلي.

لا شيء جديد أبدا! حتى قرار الصهيومريكية البدء بتجريب الفوضى البناءة على دماء وأوطان العرب ليس جديدا، لأن بلاد العرب ومن فيها وما فيها بالنسبة للصهيو- غربية عموما هي نقيض متجوهر في ثقافتهم الوجودية منذ روما واليهوسيحية. وحتى لو كان هذا جديدا فإن العرب هم الطرف الموضوعي للتناول بمثل هذا القرار، لسهولة اقتحامهم، وأهمية أوطانهم، وخطرهم الديموغرافي المكون من أكثر من ثلثمائة مليون مستهلك لا ينتجون شيئا، لذلك لا يدركون ما يجري لهم، إلى درجة أنهم بعد كل ما ألحقت بهم الصهيومريكية من كوارث دموية مجانية، ما زالوا يبحثون في حقيقة نوايا أمريكا تجاههم. ويستبدلون مصادر الإطلاع الوافدة وعناوين التبعية للأخر.

الثقافة الملعونة:

المثقف العربي على الأغلب تتقمصه حالة دروشة لا هدف لها سوى تطبيق صورة المثقف على ذاته. وهي عندنا، أي صورة المثقف، رجل يقول أي كلام منمق لا أهمية له موضوعيا أو معرفيا، وبالتالي ليس له أية أهمية عملية أو تأثير تطوري على الحدس التنموي الإجتماعي، ما يعني في النهاية، أنه لا أهمية له على الإطلاق سوى إنتاج صورة المثقف. وبما أن هذه الصورة هي بورتريه لشخصية واحدة مكررة الملامح تشبه جميع المثقفين والمتلقين معلقة في كل محافل التداول الدوراني للثقافة العربية، فإن أي مدع للثقافة تخالف سحنته الثقافية سحنة الملصق الثقافي هو مطلوب للعدالة. الأهمية كلها للملصق لأنه صورة البطل الثقافي للأمة أو الشعب. إنه أيقونة الجميع،أي هو الجميع بحذافيرهم. صورة الثقافة هي صورة الأمة التي لا يمكن أن يغيرها الأفراد الخارجون على القانون. لذلك يمكن فهم المثقف العربي الذي لا يشغله التفكير في أهمية الكلام الذي يقوله، لأن هذا يشترط الخروج على الملصق، ويخالف قدسية الثقافة المتوفاة التي يتحلق حول جدثها معظم الناس. فالتفكير لا يغني عن النص، والمثقف صاحب مهنة جليلة مثل المقريء سواء بسواء، يؤدي دوره الإجتماعي بمنتهى الأمانة، لا يغير في نصوصه حرفا واحدا. يجب أن يقول فقط ما يعرفه الناس لا يزيد ولا ينقص. إنه بالطبع , كمثقف , يفكر فيما يقول، فيتأكد أولا أنه لم يخالف أو يتجاوز حد المعرفة المعتمد لدى المتلقين، ثم يبدأ في التحرك، جيئة وذهابا، داخل ذاك النص المعرفي باطمئنان، مزودا بكل مواصفات الملصق من ناحية الرزانة والسمو المظهري، فيزود بورتريه النص ببورتريه شخصي استهلالي , ليدعم انتسابه الثقافي بالأناقة، وأحيانا بحركة مدروسة اجتماعيا من يده أو حاجبيه دلالة عدم السطحية ومعاناة النص المعروف بالتعمق الإضافي ورقي الماركة الثقافية المسجلة.

هذ النوع من المثقفين الذين يمثلون معظم مثقفي المقبرة الثقافية العربية، متنوعو الإهتمامات، ولكنهم متشابهون بالحرافة المهنية. فهم يتناولون كل شيء معروض على الكلام. يتناولون الغيبية والعلمانية وحكاية أمريكا والعرب، والصهيونية والعرب، وأوروبا والعرب، وباقي العالم والعرب، ولكن بتهذيب واضح ورزانة علمية وموضوعية من عصور التنوير الأولى، ويطرحون كل وجهات النظر المختلفة بحيادية تامة، أو إدانة نسبية أحيانا، ولكنها تتناغم شكلا ومضمونا مع الملصق الرسمي لمضارب الثقافة. يقسمون العلمانية والغيبية إلى نوعين من الخضار الجيدة لكل منها ميزاتها المعروفة، وينصرفون مرفوعي الرؤوس لم يغضبوا الخيار أو البنادورة.

وفي التحليل السياسي المتعمق يتوصلون دائما، إلى أن أمريكا تكيل بمكيالين، وتعادي العرب بسبب مصالحها، وتنتهي المسأله هنا، ويبقى المتلقي وحيدا يداري عتبه على أمريكا ويناقش عقله حول قضية توحيد المكاييل في السياسة الدولية. والتساند بين العقل العربي ونصوص الملصق الثقافي تبلغ درجة الإنطباق الكلي، فكلاهما لا يتفق مع ادعاء البعض أن حركة توحيد المكاييل، تعني إلغاء التاريخ البشري وكل قوانين الطبيعة، وإشاعة العدمية إلى درجة عبثية التكوين بكل تفاصيله. وذلك لأنه ليس لديهم قناعات او اعتراضات مفكرة أو متغيرة بشأن محورية التكوين، وتعاقبات المشهد الدائري المتحرك الذي لا يتغير أو يتجدد.

لم يوجد حتى الأن من يستطيع أن يكيل بمكيال واحد في أي شأن من الشؤون، سوى الله جل شأنه، وتحالف المثقفين العرب مع الملصق. وثبت أن كل الدول والجماعات والأفراد في المجتمع الواحد، يتحيزون لمصالح موحدة السياق، حاشا العرب، الذين ليس لهم مصالح جمعية معروفة حتى الأن. هناك مصالح أنوية فقط، هي التي تتحكم في سلوكيات العلاقة العابرة بين أفراد يعانون من إشكاليات الجوار. الولاء الجمعي الوحيد هو للنفاق والرياء للمحافظة على أمن المصلحة الأنوية والعلاقة العابرة.

مثال:

أحد المذيعين العرب , يواظب في مرافعاته التحليلية على القول: " الآنسة رايس ", بتملح يثير الإشمئزاز. ورايس هي واضعة التسعيرة المشهورة بشأن أطفال العرب وأطفال اليهود. هذا المذيع، والنساء اللواتي يضعن المساحيق، والأطفال الذين يلعبون الغميضة، يتصرفون بذات العفوية. جميعهم يدركون مصالحهم الذاتية تلقائيا بأنوفهم وليس بعقولهم، ويتحيزون لها. وليس هذا مستنكرا ولا مستغربا، بل هو شرط من شروط البقاء للفرد الأنوي. أما أهم شروط البقاء الطبيعية للجماعات فهي تحيز الأفراد للذات – اجتماعي. وهو يشكل جوهر الكينونة الإجتماعية في الدول المتطورة، وله النصيب الأكبر من اهتمامات التنمية البشرية. وتحقيق معادلة تكافل البقاء المتبادل بين الفرد والمجتمع هو غاية الغايات كلها، ومبدأ إقامة الأمم. وهو ما تستنكره الثقافة العربية في معظم تجلياتها الإكليريكية.
هذا كلام مدرسي في النظرية، يعرفه المثقفون والناس العاديون غير العرب، ويعملون به أو لا يعملون. ولكن المثقف الإذاعي العربي المذكور يختلف عن نساء المساحيق والأطفال بانعدام البراءة. ففي حالته الإذاعية أثبت أنه غير مؤهل للسقوط في التحيز للطفولة العربية، حتى على أساس إنساني محض، وأنه يفضل التلبس الفاضح بالنفاق، على كسر اللياقة الدميمة والأخلاقية المنتنة مع امراة متنورة عنصريا، رغم أن وضعها وثقافتها لا تسمحان لها منطقيا بذلك التنور. وهذه شنشنة مألوفة لدى المثقفين ذوي الأسعار المتدنية، مثل دماء اطفال العرب لدى رايس. لا يكفيهم النفاق الثقافي لتسويق خدماتهم، بل عليهم أن يتجازوا النفاق إلى التطامن الذاتي المذل لتحقيق مصالحهم الذات – أنوية التي يعتبرها الملصق ساحة وحيدة للجدل الأخلاقي.

من هذه البوابة المعرفية الواسعة، يدخل المثقف العربي إلى جدلية الإستغلال المتبادل بينه وبين الملصق. الملصق الصنمي النظامي منذ تحالف القبلية مع الفقه، ظل يستغل المثقف الأنوي بوحدانية المكيال، والمثقف يستغل الملصق كمبدأ أساسي مثل العمامة أو خاتم الزواج، لتمرير أنويته في العلاقات الوجودية كلها، من خلال تمرير افتراض العصمة على سلوكه. عدمية الملصق المعرفية تتحالف مع عدمية المثقف الأنوية، ويحققان معا مجتمع الصمود والثبات على مبدأ الوجود النادر: " أنا وهو " أي " أنا والذي ليس أنا "، فيختصرمصطلح الوجود والحركة وجدل العلاقات والآخر داخل المشهد العابر والمكرر للزفة أو " الطوشة ". أي بين النفاق والعدائية. لذلك أين الخطأ في بلوغ التحيز الأنوي لدى من لا يستطيعون التحيز حتى إلى إنسانيتهم، درجة القرف وامتهان كرامة الذات. ففي حالة الأنسة رايس كمثال، كان يكفي القول "رايس " ليبلغ المذيع هدفه من النفاق بامتياز، بحكم كونها لا تستحق إسما غير موصوف بالخسة، من شخص يقول أنه عربي. كان يكفيه نفاقا أن يتخلي عن نعتها المستحق، ويداري مصلحته الأنوية، دون أن يصفع طفولة أطفال العرب الذين قتلتهم رايس بالمئات، ثم بكت أمام طفل يهودي أفزعه صوت القنبلة. ولكنه بالتأكيد لم يقصد ذلك. كل ما في الأمر أنه لم يول هذا الأمر أي انتباه، لأن نظرية " الذي ليس أنا " لديه، تنطبق حتى على أبنائه هو، فكيف لا تنطبق على أطفال كل من هم ليسوا هو؟ وفي حالة أمريكا، كمثال آخر، كان يمكن تكوين معادلة تكتيكية، لا يضطر من خلالها إلى وصف هذه الدولة وصفا حياديا هادفا، ينتهي به إلى الفظاظة الموضوعية، كأن يقول بمنتهى الأدب أن هذه الدولة أثبتت في كثير من الأحيان أنها ترى في العرب عنوانا لأشد أنواع القسوة , فهذا لا يخالف معرفيا ما يراه العرب بأنفسهم، منذ العراق وحتى سوريا. ولا يتعارض مع الملصق. وينسجم مع موضوعية النفاق الهاديء كما يظن. كان يمكن أن يلتزم بالحد الأنى لردة الفعل الموضوعية على كونه إنسانا ومثقفا وإعلاميا وعربيا بالتوافق، فيعطي بعض الإعتبار لأحط تقول عنصري في التاريخ ضد شعب من الشعوب، ويستغني عن تأدبه الفاقع مع وزيرة خارجية أمريكا. وحتى لوفعل، فهو يظل مدينا نظريا لإنسانيته وهويته، لأن القول " الآنسة رايس" يشبه الإغتسال بدماء الأطفال العرب، بينما القول "رايس " فقط فإنه يشبه الإتفاق مع ما قالته رايس بشأنهم.

لا شيء في صالح المثقف الإذاعي العربي المذكور، سوى شيء واحد، هو أن مثقفا عربيا أو لبنانيا واحدا، لم يول قولة رايس أي اهتمام. وأن أحدا من أصحاب الحيثية من المحامين العرب أو اللبنانيين لم يتقدم بشكوى ضد أمريكا ووزيرة خارجيتها بشكوى إلى إحدى الممؤسسات الدولة المخولة بالنظر في الجرائم العنصرية.

وقياسا على ما ألحقت أمريكا بالعرب، فإن الموضوعية بالمنطق النفسي والإنساني، تصبح غير موضوعية لأنها مخالفة لسيكيولوجيات البشر ووعيهم وعقولهم. ومخالفة لمنطق الطبيعة السوية أيضا. فالطبيعة لا تقبل في قوانينها الموجهة،الإفتراس المجاني للكائنات الحية، إلا على أنه خلل في السوية الغريزية. وأمريكا تنكل بالشعوب العربية بتجنين الغريزة والعقل معا. من ينكر ذلك أو يتجاهله يعرف أنه يكذب. والكذب يكون موضوعيا لصاحبه فقط. لذلك فهو يشكل خطرا موضوعيا على الجماعة المستهدفة، لأنه شذوذ خارج الموضوع، يجيز الخيانة والهمجية والسقوط الغريزي وانعدام القيمة البشرية. لقد صنعت أمريكا ما يمكن تسميته الوحش البشري، ليرتكب الجرائم في العالم العربي. أنفقت ملايين ملايين الدولارات على كل المنحرفين والمجرمين وفئات الجنوح السياسي والإجتماعي والخون العاديين ودجالى الإكليروس الإسلامي، ومثقفي المهنة، وعشاق الهلوسة الليبرالية المتشوقين للجنس الحر، لتقيم أكبر مؤسسة إسقاط في تاريخ الجريمة الهمجية القادرة، للتنكيل بالعرب وإبادتهم عنصرا وحضارة وتاريخا. مع ذلك يأتينا من مثقفي الهاوية، من بيننا، من يسوّقون لنا أمريكا بدم بارد. ولو كان لنا ثقافة جدية أو مثقفين ملتزمين أو مؤسسات حكومية أو مدنية وطنية، لكان ما تطالب به المثقفين العرب موضوعيا، على ضوء ما نتعرض له، هو الإستشهاد الثقافي.

نتائج مترتبة:

فشلت الثقافات التوراتية الثلاث، في التجربة التاريخية وأنتجت عالما مجنونا في النهاية معلقا في اقتراح التلاشي. ظلت ثقافة المنبع ممثلة بقوة في امتداداتها اللاحقة، بل وبلغت في اليهوسلامية قمة الهيمنة على عقول أتباعها. كانت اليهوسيحية الأولى تحمل اعتراضا نقديا داخل الولاء المطلق للأصل، ولكنها لم تحمل اعتراضا على النص المؤسس، وإنما على المؤسسة الإجتماعية والكهنوت المالي والديني. ولكن اليهوسيحية كانت، أو تحولت إلى ملحمة مغرقة في الغيبية وطوباوية النقد الإجتماعي المتمثلة في الخلاص الروحي مطلقا، ووصلت في تاريخها الكنسي قمة الشرية الإمبرطورية الدنيوية، التي دمرت ثقة أتباعها في الدين واتجهوا إلى الإلحاد والعلمانية، ولكن أيضا داخل ولائهم للقومية المسيحية كهوية استعمارية دموية. أما اليهوسلامية فقد كانت تهودا خالصا يعمل على تطهير النصوص التوراتية التي بلغ بها قمة التقديس ماديا وتاريخيا، وحول تلك النصوص الغيبية والمادية والتاريخية إلى ثقافة إيمانية ملزمة، لا يصح إسلام المسلم بدونها.كان الإسلام دينا اجتماعيا خالصا، وتعبيرا عن روحانية عقلية ودستورية، قوامها نصوص الوحي الواضحة، فشدد على السلوك الإجتماعي، ولكنه كمؤسسة اجتماعية ( نظام ) عرف كيف يحافظ على مصلحته النظامية من ظاهرة التأسيس الديني الموازي، فترك القضية الإيمانية للأفراد، علاقة مباشرة مع الخالق، لا يسالهم عنها سائل دون الله ولو كان النبي نفسه ما دام سلوكهم يلائم ظاهره دستور النظام المسلم. حرم الكهتوت في الإسلام وشجبه، ولم يعط قداسة دينية للإنسان حتى لو كان رسولا أو للمكان حتى لو سكنت فيه الملائكة. القدوس هو الله وحده وجودا وتجليا في الزمان والمكان، أما الزمان والمكان والخلق، فأقصى ما لهم البركة والحرمة والكرامة والتفضيل على التقوى. لكنه قسم الثروة إلى حلال وحرام، وتشدد في الملكية الخاصة تشددا فاق كل الأديان الأخرى. وقد التف عليه أصحاب الغايات من الشعوبيين والمرتزقة فاخترعوا نظاما كنسيا مكتملا مرتبطا بالنظام كل لغايته، واجتهدوا في تجاوز روح النصوص القرآنية، إلى درجة تفوقوا فيها على الكنيسة في سلطانها الديني. لقد قامت التوراتية على العرق، ولم تخرج عليها المسيحية الأولى، وتلاعبت الكنيسة بها لاحقا بعد أن تحولت إلى سياقها الإمبراطوري، وظهرت حركة الإستشراق الكنسية بين الرهبان ومثقفي الكنيسة لتصبح آلية لتدنيء الشعوب الشرقية المستعمرة وأديانها وتبرير تنصيرها واستباحة وجودها الهمجي الشامل بالعلم " اليهوسيحي ". ثم اتحد المستشرقون مع الفقهاء الشعوبيين في الكنيسة اليهوسلامية، وأوغل الطرفان في التـآمر السياسي وألديني والإجتماعي، بنجاح له أسبابه، حتى ظهرت ديانة توراتية رابعة هي ما يسمى الفقه الإسلامي. وهي ديانة يعود ظهورها لأسباب سياسية خاصة، بسعي من اليهودية واليهوسيحية والفقهاء اليهوسلاميين، جمع بينها جميعا كراهية العرق العربي وحضارته المؤسسة قبل التوراتية، كل لأسبابه وغائياته المحركة.
هذه الديانات التوراتية الثلاث، وهي ما يمكن تسميته ديانات ما بعد التأسيس الحضاري العربي، كونت خلال تاريخها تشابكا عدائيا دمويا متلونا، وكانت سببا محفزا للعنف التاريخي و دموية صراعاته الطبقية الإجتماعية والإقتصادية، كثقافات دينية في خدمة الطغيان بكل أشكاله. وقد استمرت هذه الثقافات، عدا الثقافة اليهوسلامية لغيابها التام عن ساحة الفعل والتأثير بعد إسكات الصهيوسلامية الفقهية لكل دينامياتها المحركة وعلى رأسها ثقافتها القومية، في تطوير أساليبها وغاياتها الدينسياسية عبر التاريخ السابق والمعاصر إلى أن أصبحت الأن تشارك في قيادة وإدارة أخطر مشاريع الطغيان العالمي، وتعرض البشرية كلها بدم بارد لمذبحة مريعة، بقيادة الغرب " المحافظ الجديد " المتسلح بثقافة الكهنوت الصهيوسيحي والصهيوسلامي إيجابا، وباليهوسلامية " الإرهابية " سلبا.

لا حاجة للقول أنه لا دين مع السياسة. وأن الثقافات التوراتية الثلاث قد أنتجت تفاعلا شريا متواصلا يوشك أن يعم البشرية بكاملها بالدمار. وإذا استطاعت البشرية أن تتجاوز العصر الحالي بسلام، فأول ما يجب أن تفعله نخبها هو إعادة النظر في الثقافة العالمية، والتحريم الأممي لأي شكل من أشكال تدخل الدين في حياة الجماعات. يجب أن توضع أسس معولمة لميثاق معولم لثقافة إنسانية شاملة، يشكل فيها الدين وجهة نظر فردية خالصة لا شأن لها بالأخر. للدين دور كبير حينما يكون دينا فقط في تربية الأفراد. ولكن تربية الجماعات من خلال التدخل في السياسة، أي الصراعات الإجتماعية لا تبقيه دينا، لأنه سيستغل تلقائيا الرفض الأيماني الغيبي للآخر، ويتحول من الأخلاق الدينية إلى نقيضها التام. إن الثقافة الدينية حينما تتعرض لغير القضية الأخلاقية الفردية تصبح ثقافة للجريمة المنظمة، وعلى الثقافة الإنسانية أن تحمي نفسها منها، بمواثيق أممية غاية في الصرامة والجدية بهذا الشأن. إن ما يسمى الأمم المتحدة أصبحت مؤسسة شرية خطيرة عديمة الأخلاق، وقد حان الوقت للعقل السياسي المهني والمنطقي، وللعقل التاريخي الإنساني، أن يتوقف عندها غاضبا ويبصق على مواثيقها الخائنة لحقوق 4\5 سكان الأرض , ويفرض لها مواثيق جديدة، تحقق إنسانية الناس خارج إرادة الطغيان الغربي وثقافة البؤس التي سيطرت على حركة التاريح. لقد ظلت أهم ثقافات آسيا، الهندية والصينية والعربية وهي كلها ثقافات لحضارات عالمية مؤسسة، هامشا استشراقيا بذيئا في نظر الثقافة العالمية السائدة، فإلى متى؟ أقل من الإستشهاد الثقافي. أو الإنصراف إلى جهنم.

استرسلت في الكلام عن هذا السيد الإذاعي، ليس بدون مبرر. إنه يصلح نموذجا للمثقف العربي بكل جلالة قدره. فالمثقف يعتقد أنه من خلال دفع الرسم الوطني ظاهريا، يستطيع أن يجلس على الحبلين مهما كان البعد بينهما بدون حرج.

لم يعد هناك شاهد عيان،عربي أو غير عربي، لا يدرك بالمشاهدة اليومية أن الصهيومريكية، ظلت تستبيح الإنسان العربي بالإعداد المعنوي والنفسي المنهجي ليصبح نوعا اجتماعيا مجنونا، إلى أن أحكمت أخيرا خطتها الربيعية مع الإخوان وألقت بهم وبالعرب جميعا في آتون التصفية الذاتية، المنتفعة بمجرميها ودسائسها. وهذا يثبت أن مقولة المثقفين العرب حول ثنائية التكييل الأمريكي خطأ سخيف لسوء حظهم، فأمريكا ثلاثية التكييل، لديها مكيالان ككل الدول الأخرى لأنها ملزمة تكوينيا بذلك، ولكن لديها مكيالا ثالثا خاصا بالعرب، هو الوحيد من نوعه في التجربة التاريخية في كل العصور. تكيل بالأولين قمح شعوب العالم جميعا، وتكيل بالثالث شعير وزوان العرب. ومع ذلك فمثقفو الملصق العرب يرفضون الإعتراف بمكيال الشعير، ويصرون على قضية المكيالين، ليثبتوا أن أمريكا تعامل العرب كغيرهم، وينفون قضية المكيال الثالث لأنهم يعلمون أنها تنسحب عليهم أيضا.

ليس لأمريكا علاقة مباشرة بقضية المكيالين العربية، ولعلها لم تفطن إليها إلا بعد أن استعملها المثقفون العرب كحجة عتاب ضدها. وتلقفها عقل الجريمة الأمريكي ليصنع منها مستحضرا قوميا هجريا يغني عن مستحضرات التنويم المحدودة الفعالية. أخذت الشعير الثقافي العربي، وصنعت منه مثقفين مجازين بالدياثة الأكاديمية للعولمة، وأخذت الزوان الكتاتيبي، وصنعت منه أكلات شعبية إذاعية رخيصة الثمن. وفي غضون سنوات قليلة شكلت من الطرفين جيشا من الناشطين الوطنيين والإجتماعيين، والناشطين في مجال الجريمة الفردية وسمتهم معارضة. ثم أخذت النخبة إلى الغرب، فصنعت منها أشياء أكاديمية كما سبق، وأشياء حقوقية في الأمم المتحدة، واختصت نخبة النخبة بتعيينهم رؤساء دول مقبلين، ثم وزعت الإدوار الميدانية للشعير والزوان ودخلت بالجميع حرب العرب ضد العرب، التي تدور رحاها الأن بين مختلف المعارضات السياسية العربية ومثقفيها من ناحية، والإنسان العربي من ناحية أخرى. إذن كيف يمكن للمثقف العربي أن يجهل أو يتجاهل رغم غبائه الفطري " التحليلي "، المشاهد التدنيئية العينية التي تعرضها أمريكا للعرب كالعروض المسرحية،لأنها تريدهم أن يروها، لولا ضلوعه الإستخدامي في عملية التخنيث العربي؟ وهل يتخنث الناس إلا على أيدي كبار المخنثين؟

مثقف المكيال الواحد، يتصور التناقض إشكالا سياسيا عابرا في العلاقة، يمكن إزالة أسبابه بثقافة العلاقة المتحضرة، ليحصل على علاقة نظيفة من التناقضات. هذا التصور " البطيخي " أي استبدال البطيخة ببطيخة أخرى، كان في نظرهم قادرا على تسهيل كل أنواع العلاقات، بقليل من الدماثة وحسن النية المتبادل. تصوف ثقافي مذهل، أغرى أمريكا بالإسترسال في الإعداد لجريمتها "الصغيرة " ضد الوجود العربي علنا. لم يجر أي شيء من هذا الإعداد في الخفاء، خاصة في العقد الأخيىر من الزمن. ليس لانعدام الأهمية أو المماحكة الفارغة، فالمجرمون الدوليون يترفعون عن هذا الهراء، ولكن بسبب أهمية العلن للسياق. إن قابليات الأستماع والمشاهدة والتلقي المتطورة لدى الجمهور العربي، مقابل انعدام قابليات استفزاز وظائف التحري العقلي في ثقافة الملصق العربية، جعلت من العلن ميزة في صف السياق المعادي وليس ضده. فما دام السياق لن ينتج نقيضه الحتمي، كما يفترض وجوديا، وما دام مثقفو المواخير السياسية ينشرون عليه مظلاتهم التسليمية، فلماذا لا يستغل هذا في تسريع إقتحام الوجودية والوجدانية العربية المخنثة، بالشراسة المعربدة، والمشهدية العلنية التي ستصدم الوعي المخنث وتسرّع الوصول إلى الهدف من ناحية، وتقدم نموذجها الإقتحامي العنيف للشعوب الأخرى، لتفكر جيدا في عواقب الممانعة حينما يحين دورها على أجندة السياق؟ إن نعومة السياق الإعلامية، ومرافعاته الديموقراطية، والدفاع عن الشعوب من ديكتاتورياتها،ليس اسهل واسرع الطرق لتحقيق الأهداف، إذا كانت المجزرة السيكيولوجية ممكنة. فالأقتناع بقوة الخصم وهمجيته ستضغط باتجاه التسليم وموضوعية الخضوع بشدة أكبر، وتوفر الوقت والجهد الناعمين. إن سلوك الجريمة المتقدمة الأمريكي تجاه العرب، يصنف ثقافيا، على أنه مجرد نهج براغماتي بريء مما هو أبعد من ذلك. إشكال عادي لعلاقات المصلحة المجردة، يتسم بالعنف الميداني، ولكنه خال من أية نوايا خارج السوية. لا مجزرة تاريخية غير مسبوقة، ولا ذبح مجاني، ولا تصفية اجتماعية وحضارية! كل هذه الألفاظ العصبية، التي ترددها جوقة مثقفي الملصق، ستخلق نوعا من التريث الضائع لا يريده أصحاب المشروع إلا لأن تبرئة السياق من انعدام السوية، هو الذي سيتيح لمقبلات الغريزة والمثيرات السيكيولوجية في إعلام السياق، التغلغل إلى ظلمات النفس العربية واستدعاء كل مساوئها الموروثة والمكتسبة، لاستخدامها في تصنيع تفجيرات الدمار البنيوي الشامل للإجتماعية العربية المتهاوية. وسيكون الإنتقال منه إلى تحقيق حل الفوضى البناءة، بسلاسة وبراءة خلع المريضة لملابسها أمام الطبيب ما دامت تعتقد أنه طبيب مجنون.أما المهمة الملقاة على عاتق التدييث الثقافي والوعيوي العربي فإن أمريكا تحتاجها إلى جانب القوة الدموية وليس بديلا عنها. فهي مهمة تخص تدعيم حالة التلاشي الوجداني الطوعي لكل ديناميات التواجد والتطور البنيوي الإجتماعي والقومي على الساحات العربية. إن تعطيل الدينامية الإجتماعية والقومية،التي لا يدعمها في العقل الثقافي التقويدي للمثقين العرب، إمكان ظرفي عملي واحد، ستؤسس ليأس وعدمية الفرد الإجتماعي العربي، وتشريد انتمائه وهويته في المشروع المعادي " الحسن النية ". وللأسف لم تبق اليوم ساحة هجرية واحدة لا يسيطر التيار التقويدي هذا على لغطها أو صخبها الغائب عن الوعي. وهكذا اندفع الهجريون العرب، يتخلصون من لوثة الشرف والوطن والكرامة، ويلحقون بركب الديموقراطية والحداثة! وقسم من الفضل يعود، مؤخرا، إلى كوادر الوعي التي خرجها إعلام الجزيرة، من الذين استاءوا من ثنائية التكييل في إدارة القناة، فزعموا أنهم مستنكفين، وأصبحوا يقودون الساحات والميادين الوطنية، كما فعلوا ذلك ذات مرة. لم يغيروا انتسابهم التحصيلي، ولا فحيحهم التحليلي، ولا منهجهم الليبرالي التحللي. أجروا التعديل على حساب الرواد، فأنقصوا من جمال العروض، ولكنهم حافظوا على الغاية. أمريكا واحدة والمذاهب متعددة، وفقهاء الحلبة الجديدة، جدعوا أنوفهم، ليتنافسوا في الولاء للمشروع، الذي حولهم مسبقا إلى طواشيين وجواري ومنحلين، لينقلوا إلى العرب النموذج الذي يجب أن يكونوا عليه. لقد قررت أمريكا إنشاء لوبي إذاعي جديد، فاستلتهم من بؤرة منتنة، ووضعتهم في بؤرة منتنة أخرى، ليعملوا مباشرة مع اللوبي العربي في أمريكا، الذى يسعى إلى توحيد التكييل مع اللوبي الصهيوني في أمريكا الجديدة.

حتى الأن عنيت بكلامي سواد المثقفين العرب. وهؤلاء في الواقع هم ضحايا وبائية الثقافة العربية العامة من ناحية، وضحايا حيثياتهم الثقافية والمعرفية التي تهاوت كملابس البغي أمام أنوياتهم من ناحية أخرى. لقد نجح معظمهم في تجنيد حالة التدني الذهني للتلقي على الساحة، لصالح تطاولهم الثقافي بالكعب العالي. وهذا متوقع وبائي لا يمكن تجنبه في حالتهم وحالة المتلقين السذج، ولكن ألم يكن بوسع النفاق وحده، أن يغنيهم عن السقوط المجاني في الخيانة العملية والصريحة، أو محاولة ذلك على الأقل؟ لماذا كان عليهم، على سبيل المثال، أن يتطوعوا للتصدي لأصحاب المناعة النسبية العالية من بين زملائهم في المواقع الهجرية، أو أن يستجيبوا للتحريض السلطوي المجاني عليهم، ويسهموا في تغييبهم أوتشريدهم أو إسقاطهم أو تسميم حياتهم،وجرهم إلى المصحات العقلية؟ الجواب فظ جدا!

ولدينا غير أولئك مثقفون كبار، من أكثر من بلد عربي. ومن لم تُغره نعمة السقوط من هؤلاء، أغرته سلامة الإعتزال والتجاهل ظانا أنه قد سلم بذلك من المن والأذى. لم يخطر بباله أن هذا سقوط مع سبق الإصرار. أي جريمة مضاعفة. لأن أمانة المعرفة ومنحة الموهبة الخلقية، موازية في التكليف والمصطلح لمهمة النبي. هذه تكليف إلهي مباشر، وتلك تكليف إلهي غير مباشر، عبر وعي الدور الوجودي المميز للتطور، والإلتزام الإنساني بالقيمة التطورية. وهذا، بالمناسبة، كلام علماني خالص، فالمثقف والثقافة هما استمرار لظاهرة التكليف في الأخلاق والطبيعة والحياة الإنسانية. ملخص الغاية في الدين هو التطور الإجتماعي للبشر. (أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ). وأهم صفات النبي، أي نبي، أنه مثقف ملتزم بدوره التطوري حتى الإستشهاد الفعلي. فكم من نبي قتلته المرحلة! وبهذا يصبح تملص المثقف من تبعات دوره الإجتماعي الخاص،خيانة وجودية في منطق التكليف الإلهي والطبيعي كليهما، لأنهما من منبع واحد. هؤلاء" المثقفون الكبار" هم " جبناء كبار " فقط، لأنهم هاربون من التكليف الذي يعطيهم الحق في الحضور الثقافي المبرر موضوعيا، وليس المبرر بعلب المساحيق الثقافية التي يحملونها. المثقف تكوينيا، بنية أداء اجتماعي تطوري للقيم الإنسانية ومضمون رسولي على طريق الحرية، التي هي كل الخير الإجتماعي لكل الناس، ولن يكون خير إنساني بدون خير اجتماعي. وكلاهما متعلق باستعداد المكلفين بمد حبل الرسالات بين المراحل التطورية، ولو بثمن الإستشهاد الثقافي إذا لزم الأمر. خارج هذا الإستعداد للإستشهاد الثقافي دفاعا عن الحرية، يكون المثقف مجرد ظاهرة انحطاط وجودي. جيفة بانتظار النتانة والتغييب.
أعرف أن هذا كلام كبير على أولئك على أولئك الكبار الصغار. ولكن لماذا نترك لهم راحة البال التي لا يستحقونها، ولا نذكرهم بأنهم أموات كبار فقط.

تصوروا أننا لسنا عربا أو هجريين. لنقل أننا " شعب دشماني " حي، لنا ثقافة حية، ومثقفون أحياء. في هذه الحالة، أي كوننا شعبا آخر، كان سيوجد بيننا أكثر من مثقف واحد يقفون ويصرخون بنا: معركتكم مع أمريكا معركة حياة أو موت. لا تفكروا بغير ذلك. حتى لو خضعتم لها، فلن تقبلكم عبيدا مع أية هوية غير العبودية، ولو اقتضى الأمر أن تلاحقكم إلى جهنم. هذه هي الحقيقة البسيطة التي عملت أمريكا على تأكيدها لكم بالفعل لتسلموا بها. هل كانت أمريكا بحاجة لقتل مليون ونصف مليون وتشريد ثمانية ملايين " دشماني " في بابل، لتحتل دولة دشمانية متوسطة الحجم؟ وانظروا ما يجري للشقيقة الدشمانية " آراميا الجميلة " وغيرها من دول الربيع الدشماني الحالية والقادمة. هل يوحي لكم ذلك بأن هناك حربا عالمية تدور ضد شعبنا الدشماني بقيادة الصهيومريكية؟ إذا كنتم لم تلاحظوا ذلك بعد، فلاحظوه من فضلكم. هذا ليس ثقافة، إنه دم حقيقي لا يجوز حمله على أي ملصق. هناك مجرم حقيقي في غاية التحضر الهمجي، يقول لكم بوضوح: لن تكونوا كما تريدون، بل كما أريدكم أن تكونوا. ستجوعون عندما أريد، وتموتون جوعا عندما أريد. ليس لكم خيار في هذا. إن رسالة وجودي، وحاجتي، وضرورتي، هي أن أسلبكم وجودكم أو أن يتلاشى وجودكم في وجودي. لا تسألوا عن السبب فلا يحق لكم ذلك، لآن السؤال دلالة وجود وانتم لا تملكون هذا الحق. إعرفوا فقط أن قضائي هو قدركم، وانني موجود لكي لا توجدوا......! فماذا ترون أن نفعل نحن "الدشمان " غير أن نختار موته كما اختار موتنا. فلعله يموت ونحيا نحن. المقاومة هي فرصتنا المنطقية الوحيدة لمحاولة البقاء في حلم الحرية الإنساني. ونحن إلى جانبكم في معركة الحياة أو الموت.

تصوروا أن تحدث تلك النكبات في الوطن العربي، لا سمح الله، فهل يمكن تصور مثقف عربي يقول لشعبه ما قاله المثقف الدشماني لشعبه؟ في رايي أن تصور ذلك غير ممكن حتى نظريا على الأقل. فالإشكال سيصبح بين ثقافة الملصق والمثقفين. الملصق يقول أن الثقافة للإتباع وليس للتفكير، والحديث الثقافي عن الدم يدور حول شيء له قوام مادي مميز باللون والرائحة نتائجه المباشرة تخص الموت والحياة ولا تخص الثقافة. وحسب الملصق فإن أي شيئ غير ثقافي لا يمكن أن يتحول إلى ثقافة. فالثقافة حكمة ثابتة لا تتغير تصلح لكل الدهور، لذلك ما الذي يحشر الثقافة في قضايا لا تخصها مثل الدم وهو مجرد لون عابر على صفحات الحروب؟ لا أحد يستطيع تحويل الدم إلى ثقافة أو الثقافة إلى دم. يقول مثقفو الملصق بارتياح شديد.

بالطبع لا أحد يستطيع ذلك. وأنتم على وجه الخصوص لا تستطيعون أية استطاعة معرفية، فكيف تستطيعون فعل ما لا يُفعل. الدم في البشر يتحول إلى ثقافة فقط، ولكنه يتحول بنفسه وبخاصيته الوظيفية، وليس بحاجة لتدخل من خارجه ليتحول عبرنا ورغما عنا إلى ثقافة كما يحصل بالفعل. والتاريخ منذ مبدئه إلى منتهاه وبكل تواشجاته التفصيلية، هو حركة الحياة المتطورة عبر سياق الدم في الثقافة والثقافة في الدم. لا تاريخ ولا حياة بشرية بدون الثقافة والدم. التاريخ سجل تطوري مكتوب بالدم والتطور أي الثقافة. وبين الدم والثقافة يقع الإنسان وحضارته وثقافته وخصائصه ووجوده في معناه التطوري الخاص. هو مجرد الورق المتشرب بدم الصراعات وثقافات التطور، تحول إلى مادة متعضية واعية سياقها التطوري هو جدل الدم والثقافة. الصراع بين الخير والشر، الصراع بين الجمال والقبح، بين محاولات السمو الإنساني وظواهر الهمجية العائدة في أمراض التحضر غير المتكافيء. ألم تلاحظوا بالصدفة هذا التواشج الأبدي والمعاصر بين ثقافات الشعوب وصراعاتها في الأسباب والأشكال والمضامين؟ ألم تسمعوا عن الفاشية والنازية ودور الثقافات في إثارتها وتشكيلها ومضامينها. ألا تلاحظون أن الصهيومريكية تدفعان بالدم إلى داخل المشهد السياسي والثقافي والإعلامي، وتستخدمان حركات الغرائز في التحويل الثقافي المنهجي والتهميج الحضاري لتبرير الثقافة بالدم والدم بالثقافة؟ لماذا لا تفكرون قبل أن تتقولوا؟ أليس لأن ثقافتكم الأنوية ووعي القيمة لديكم لا تسمحان لكم بذلك؟

وهكذا منذ قطرة الدم العربي الأولى في هذا العصر، تم الفصل بين الدم والثقافة، وبين الدم والسياسة. ولولا هذا الفصل التقحمي الإستثنائي، لما استطاع باعة " المعسّل الثقافي " المعوقون، أو العملاء، أن يصوروا لكم أن أمريكا التي تحاول استباق التطور بالغاية، مثل الحبشة خاضعة لتحليل النوايا، وأن علاقتها بكم علاقة عادية، وأنها سيئة، فقط لأن العرب لا يجيدون مخاطبة العقل الأمريكي، ولا يعرفون كيف يقنعون الشعب الأمريكي بأن العرب ليس كلهم أرهابيين. وأفهموا المتلقين ليبدوا مثقفين، وليس منافقين،أن أمريكا ما تزال في مرحلة دراسة النوايا بالنسبة للعرب، وأنها منفتحة على التطور والديموقراطية لدىهم لأن هذا هو ما يحمي مصالحها لديهم. ولكن العرب هم الذين يرفضون ذلك. والدليل واضح. كل الدول الديموقراطية في العالم حليفة لأمريكا، وكل الدول الحليفة لأمريكا في العالم ديموقراطية. ما عدا في العالم العربي حيث أن أقرب "أصدقائها" هم الخليجيون ولكنهم غير ديموقراطيين إلا في الإنحل
...
 

 

 

 

 

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 07-09-2013آخر تحديث