حول القرار الذي سيتخذه الكونغرس - د. فايز رشيد

إحالة أوباما القرار بضرب سوريا إلى الكونغرس الأمريكي بدا كنوع من التراجع للرئيس لكنه ليس التراجع الكامل.معروف أن الكونغرس المؤلف من مجلس النواب , الذي يسيطر عليه الجمهوريون ,ومجلس الشيوخ الذي يقوده الديموقراطيون. معروف أيضا : أن الكونغرس لم يستطيع اتخاذ القرارات الحاسمة حول المواضيع المهمة منذ عام 2010 حتى هذه اللحظة.معروف أيضاً أن ضرب سوريا يثير انقساماً بين أعضاء المجلسين, ففي الوقت الذي يؤيد فيه غالبية النواب والشيوخ الجمهوريين توجيه ضربة عسكرية إلى سوريا،فإن الديموقراطيين منقسمون وتقريباً بالتساوي حول هذا الأمر.في النقاشات الأولية للأمر فان لجنة الخارجية في مجلس الشيوخ اتخذت قرارا بتفويض أوباما بأغلبية 9 أصوات ضد 7.في كل الحالات لم يستغل أوباما الإمكانية الدستورية المعطاة إليه بالقيام بالضربة دون العودة إلى الكونغرس ,بل آثر تحويل القرار النهائي إليه وذلك لأسباب عديدة أبرزها:

أوباما أدرك تماماً أنه: يستطيع بدء الحرب لكنه لن يستطيع إنهائها،فالتداعيات كثيرة وكبيرة منها:إمكانية رد سوريا وتوجيه صواريخها إلى الحليف الإسرائيلي.أيضاً فإن حليفي سوريا القويين : إيران وحزب الله لن يقفا مكتوفا الأيدي , والاحتمال كبير أن يرد حزب الله وأن تقوم إيران بضرب القواعد الأمريكية في منطقة الخليج والقيام بإغلاق مضيق هرمز أمام إمدادات النفط وهذا ما لن تحتمله الدول الغربية ولا الولايات المتحدة , الأمر الذي سيوسع من رقعة الحرب ,فهي بالنسبة لسوريا معركة كسر عظم ومسألة حياة أو موت.أوباما والحالة هذه لايريد تحمل مسؤولية الحرب وحيداً بل يريد غطاءً من الكونغرس.

السبب الثاني:أن هذه الحرب إن وقعت , فهي تأتي دون غطاء من مجلس الأمن بسبب من الفيتو المحتمل من روسيا والصين حين مناقشة الموضوع في المجلس.السبب الثالث:هو أن مجلس العموم البريطاني منع رئيس الوزراء ديفيد كاميرون من المشاركة في العدوان العسكري على سوريا.بريطانيا هي الحليف الأوروبي الأول بالنسبة للولايات المتحدة وللرئيس أوباما.السبب الرابع:هو قيام حركات واحتجاجات شعبية أوروبية وعالمية وحتى أمريكية على الضربة والدخول في حرب جديدة.من الأسباب غير المباشرة أيضاً:ما عانته وتعانيه الولايات المتحدة نتيجة حربيها على العراق وأفغانستان،الأمر الذي أدى إلى أزمة اقتصادية-مالية أمريكية ما زال يعاني منها الاقتصاد حتى اليوم.هذا بالإضافة إلى الاقتطاعات المالية التي تقوم بها الإدارة الأمريكية من ميزانية كل من التعليم والطبابة والضمان الاجتماعي وغيرها من القضايا الداخلية كارتفاع نسبة البطالة والعجز في الميزانية العامة.كل هذه الأسباب وقفت عائقاً أمام أوباما وإمكانية اتخاذه قرار الحرب منفرداً.

من ناحية ثانية،فإن أوباما يتعرض خلال هذه الفترة إلى حملة إعلامية أمريكية واتهامات وأوصاف عديدة مثل:"العملاق الجريح " والوصف ب "الجبان"وغيرها من المواقف , التي تنتقد لجوءه إلى الكونغرس وعدم القيام بالضربة مباشرة بعد تهديداته.من ناحية أخرى فمع مرور الأيام فإن الحماس للضربة يتآكل يوماً بعد يوم وتخف حدته،فمثلاً فإن بعض النواب الديموقراطيين وبضمنهم أعضاء في كتلة السود بالكونغرس باتوا يتشككون في جدوى التدخل في سوريا , وقاموا بتوقيع وثيقة يعبرون فيها عن قلقهم من الإنزلاق إلى"حرب غير حكيمة".أيضاً فإن التشكيك في إمكانية قيام الكونغرس بإعطاء الضوء الأخضر للرئيس للقيام بضربته العسكرية إلى سوريا, قائم،وبدأ يتزايد يوماً بعد يوم،فالسناتور الأمريكي بوب كوركر من ولاية تينيسي يعتقد:"أن التصويت لصالح الضربة قد تكون معضلة".أما جون الترمان مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية فقد صرّح:"أن قرار إشراك الكونغرس في حين لم يتحقق قدر كبير من النجاح في العمل مع الكونغرس يبدو لي بمثابة مغامرة"،وأضاف:"حاول الرئيس ووزير الخارجية إظهار إصرارهم ولكن السؤال هو ماذا سيحدث إذا لم يحصلا على الدعم الذي أراده ,وما تأثير ذلك على قدرة الحكومة على قيادة البلاد فيما بعد".المقصود من هذا الاستعراض التوضيح:"بأن هناك انقساماً في المجتمع الأمريكي حول ضرب سوريا،هذا أولاً وثانياً: هناك احتمال كبيربأن الكونغرس قد يتخذ قراراً ضد الضربة.في كلا الحالتين فإن السببين سيحدان من اندفاع أوباما وحماسته وإدارته إلى القيام بعدوان على سوريا.

أيضاً من الأسباب التي تعمل لغير صالح الضربة:الموقفان المتخذان من قبل روسيا والصين سواء في تأكيد البلدين من عدم قيام النظام السوري باستعمال الأسلحة الكيماوية في صراعه مع من يسمّون بالمعارضيه،بل العكس من ذلك هناك اتهامات من قبل الدولتين للأخيرة بأنها من قامت باستعمال غاز السارين, وذلك في محاولة واضحة لجر الولايات المتحدة والدول الغربية إلى القيام بحرب على سوريا.هذه المواقف للبلدين لها تأثيراتها العالمية التي تقلل من"شرعية"الضربة التي يطمح أوباما توجيهها إلى البلد العربي السوري.من الجدير قوله أيضاً أن الصحافة الإسرائيلية قامت وتقوم بحملة شعواء على أوباما لتأجيله الضربة واتهمته بــ"الجبن"والتخاذل"وذلك لأن إسرائيل وفقاً لصحيفة:يديعوت أحرونوت"الأحد الثاني من سبتمبر الحالي اعتبرت "إن إسرائيل هي العقل المدبر والمحرك الرئيسي للحرب".

يبقى القول:إن حديث أوباما عن الإنسانية والأخلاق وحقوق السوريين هو محض هراء!وإسرائيل استعملت وما زالت تستعمل أسلحة الدمار الشامل ضد الفلسطينيين والعرب في حروبها ضدهم, كما حدث مراراً من استعمال أسلحة فسفورية(أخطر من الأسلحة الكيماوية)وقنابل فراغية وقذائف منضبة باليورانيوم وغيرها،والولايات المتحدة تؤيد إسرائيل في كل خطواتها!الهدف الأساسي من ضرب سوريا هو خدمة الأمن الإسرائيلي وإزاحة أطراف المقاومة في المنطقة وإنشاء الشرق الأوسط الجديد الذي تكون إسرائيل: ركناً أساسياً فيه.

 

 

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 08-09-2013آخر تحديث