بالمفاوضات لن تقام الدولة الفلسطينية! - د. فايز رشيد

كل بضعة أيام , يخرج علينا مسئول إسرائيلي يقول بمنتهى الصراحة : أنه لا يؤيد قيام دولة فلسطينية .يضيف آخر : عرض هذا الأمر على الحكومة الأسرائيلية فهناك أغلبية رافضة لقيام هذه الدولة . ويمضي آخر قائلا : بأن الحل للفلسطينيين هو في الأردن ..وهكذا دواليك ! من بين هؤلاء المسؤولين الأسرائيليين ( وليس كلهم ) أوري أريئيل وزير الإسكان . زئيف الكن نائب وزير الخارجية . نفتالي بينيت رئيس حزب " البيت اليهودي " عضو الائتلاف الحكومي القادم . يسرائيل كاتس وزير المواصلات وآخرهم وليس أخيرهم موشيه يعلون وزير الدفاع . من ناحية أخرى : فالأستيطان على أشده . صادروا أراضي النقب وها هم يصادرون أراضي غور الأردن ,ومساحة أراضي الفلسطينيين تضيق يوما بعد آخر! رغم كل ذلك , تقوم السلطة الفلسطينية بالتفاوض مع اسرائيل !

كل ذلك يجري( كما قلنا ) في ظل تزايد وتائر السياسة الاستيطانية في القدس، وما تسميه إسرائيل(النمو الطبيعي للمستوطنات) في الضفة الغربية. وأيضا يجري وسط لاءات إسرائيلية مسبقة للحقوق الوطنية الفلسطينية، إن بالنسبة لحق العودة، أو للانسحاب من كافة مناطق 67، أو للانسحاب من القدس، أو لسحب التجمعات الاستيطانية الكبيرة، أو بالنسبة لسيادة الدولة العتيدة , وذلك بدواعي العقيدة الأمنية الإسرائيلية, التي تُصِّر على التحكم في معابر هذه الدولة، وحركة الداخلين إليها والخارجين منها، وعلى حق دخول القوات الإسرائيلية أراضي هذه الدولة كلما شعرت إسرائيل بالحاجة إلى ذلك. وتصر أيضاً على إبقاء قوات إسرائيلية في منطقة غور الأردن(المنطقة الحدودية بين الدولة العتيدة والأردن) , وبالطبع لدواعي أمنية إسرائيلية.إسرائيل وكما يعتقد قادتها لها نصيب في مياه الدولة الفلسطينية.أما بالنسبة للأجواء في هذه الدولة وكذلك مياهها الإقليمية البحرية، فهي أيضاً تحت إشراف إسرائيلي . هذا ما لا نقوله نحن، ولكن كما ورد في تصورات وبرامج الأحزاب الإسرائيلية الأكبر: الليكود ,البيت اليهودي , وغيرهما .أما الأحزاب الأخرى الدينية، واليمينية الفاشية:شاس،إسرائيل بيتنا، أجودات هاتوراة وغيرها، فهذه لا تؤمن بوجود الشعب الفلسطيني من الأساس، فكيف ستعمل على انجاز تسوية معه؟ . الملاحظ أن هذه الأحزاب تتمدد أفقياً في الشارع الإسرائيلي، ويزداد ثقلها ووزنها السياسي، تماماً مثلما يشارك حزب إسرائيل بيتنا بزعامة ليبرمان وغيره في الائتلاف الحكومي الحالي. هذه الأحزاب ما تزال تطمح في إنشاء دولة إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل. ونحن لا نبالغ في هذه المسألة، فأرض إسرائيل في برامجها ليست مقتصرة ومحصورة في أرض فلسطين التاريخية.

ما قلناه يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك ما نستنتجه وسنقوله في التالي وهو يتلخص في: أن الصهيونية وتمثيلها السياسي اسرائيل, باعتبارهما كلاًّ واحداً لا يتجزأ , هي عدو استثنائي في التاريخ، لا يماثل الحركات الاستعمارية التي جرت خلاله، قديمه وحديثه. هذا العدو يشكل نمطاً جديداً في حركة الصراع بين الشعوب المحتلة وبين محتلي ارادتها واستقلالها.

هذا العدو اقتلاعي(يقوم على اقتلاع أصحاب وسكان البلد الأصليين من وطنهم, ليحل محلهم)، عقيدي توراتي(تحكمه الأساطير التوراتية)، تبريري في استعمال كل وسائل العنف، المعهود وغير المعهود، بما في ذلك ارتكاب المجازر وتنفيذ عقائد القتل للآخر, بالاتكاء على التعاليم الدينية. ترى اسرائيل هذا الآخر في صورة دونية من منظار استعلائي, شوفيني,عنصري, باعتباره مُسَخّراً لتنفيذ رغبات اليهود(الذين أكرمهم الله وأعادهم إلى أرضهم التاريخية).

كل هذه الاعتقادات تشكّل الخلفية الأيديولوجية العقيدية لغالبية الأسرائيليين, والتي هي مزج بين تعاليم توارتية, ووسائل عصرية حديثة, تجيز استعمال كل الأساليب في تحقيق هذه الأهداف، إضافة إلى نزعة استعمارية اضطهادية للآخر... هذه الخلفية تشكل الأساس النظري للقادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين(وبالضرورة لمعظم الإسرائيليين)، إن فيما يتعلق بمعتقداتهم الاستراتيجية في كافة المجالات: السياسية، الاقتصادية، العسكرية- الأمنية، الاجتماعية، أو في ما يخوضونه من تكتيكات سياسية، تتبلور في مختلف السياسات التي تنتهجها إسرائيل عامة منذ قيامها وحتى اللحظة،من خلال رؤى وممارسات عملية, ومنها ما يتعلق بالتسوية مع الفلسطينيين ومع العرب بشكل عام.

هذا الوضع الإسرائيلي الشائك، المتشابك والمعقّد ليس مرشحاً لإحداث تغيير نوعي فيه على المدى القريب والمنظور، فما يزيد على 60 عاماً من عمر هذه الدولة، لم يكن قادراً على إنتاج سوى المزيد من التطرف في الطرح السياسي، والمزيد من الانغماس في الرؤى الايدلوجية، ومزيد من اختراع وسائل القمع والتنكيل واقتراف المجازر ضد الآخر(العدو) , والذي هو بالطبع يتمثل في الفلسطينيين والعرب، الذين يتدرب أطفال المدارس الدينية والإسرائيلية على صورهم بالتصويب عليها في التعلم على وسائل القتال، وهم يرددون أيضاً نشيداً معروفاً ما يزال ساري المفعول ويتضمن ما يلي: هذه الضفة لنا(فلسطين) والأخرى أيضاً(بالإشارة إلى الأردن) ويقسمون على قطع أياديهم إن هم نسوا القدس.هذا الوضع الإسرائيلي(الذي نصوّر في هذه المقالة جزءاً يسيراً من تعاليمه وشوفينيته) لا يمكنه إنتاج سلام حقيقي مع الفلسطينيين والعرب.

أما لماذا يتساوق الإسرائيليون مع الأطروحات الدولية الداعية للسلام؟ ذلك يعود إلى النضال الوطني الفلسطيني وعلى رأسه الثورة المسلحة والأنتفاضتان العظيمتان اللتين شهدتهما الأراضي الفلسطينية المحتلة ، وما شهدناه من انجلاء تدريجي دولي للأساطير والأكاذيب الصهيو-إسرائيلية، ومن وعي متدرج لما عاناه ويعانيه الشعب الفلسطيني وبعض الشعوب العربية من ويلات ومذابح بدأت تتكشف تدريجياً على الصعيد العالمي، إضافة إلى نجاح التركيز فلسطينياً على الحقوق الوطنية الفلسطينية، وبداية تعاطف شعبي دولي مع هذه الحقوق، إضافة إلى إدراك عالمي لحقيقة إسرائيل.

كل ذلك بدأ يتماهى مع ما أخذت تشعر به إسرائيل من وجود قنبلة ديموغرافية عربية في أراضيها، الأمر الذي سيعمل على تعطيل الهدف الصهيوني بإنشاء الدولة اليهودية الخالصة، الخالية من العرب، الذين قد يشكلون بنسبة التوالد الكبيرة بينهم, أغلبية نسبية في (أرض إسرائيل التاريخية) . لذلك بدأ الهاجس الأساسي(الخطر) , إضافة إلى أخطار سياسية وعسكرية أخرى على الأصعدة: الفلسطينية والعربية، الإقليمية، الدولية، يأخذ طريقه إلى عقول القادة الإسرائيليين.

انطلاقاً مما تم ذكره، إسرائيل بمفاهيمها الآنفة الذكر, قادرة فقط على إنتاج صيغة واحدة في التسوية مع الفلسطينيين على المدى المنظور, وهي الحكم الذاتي على القضايا الحياتية، حتى لو تم تسمية منطقة هذا الحكم ,بدولة أو امبرطوارية لا فرق، المهم أنها حكم ذاتي ليس ألا, فإسرائيل غير قادرة على حل الدولتين . هذا ما أثبتته أوسلو و20 سنة من المفاوضات بعدها .. المفاوضات لا تؤدي الى قيام دولة فلسطينية. فقط تقوم هذه الدو من خلال المقاومة وأهمها الكفاح المسلح , وفرض اقامتها على اسرائيل فرضا .

 

 

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 13-09-2013آخر تحديث