تقييم للمبادرة الروسية - د. فايز رشيد

بعد موافقة سوريا على وضع أسلحتها الكيماوية تحت الإشراف الدولي, سارع الكثيرون من المحللين السياسيين الشامتين فيها،وكذلك وسائل الإعلام المعرضة...سارعوا جميعاً إلى اتهام سوريا"بالهزيمة"وبأن موافقتها هي"استسلام"للولايات المتحدة وللعرب عموماً!واقع الأمر:أن المبادرة الروسية كان قد أطلقها بوتين بعد مباحثات بشأنها مع الرئيس الأمريكي أوباما أثناء اجتماع قمة العشرين في مدينة سانت بطرسبرغ والذي عُقد مؤحراً في المدينة الروسية الثانية.كيري التقط مبادرة بوتين, وكان تصريحه الشهير عن طرحها!من ثم زار وزير الخارجية السوري موسكو وأعلن في المؤتمر الصحفي المشترك مع نظيره لافروف عن : موافقة سوريا على المبادرة الروسية بعد أن طرحها وزير الخارجية الأمريكي.هذه التفاصيل مهمة لمعرفة خلفيات المبادرة والظروف التي جرى طرحها فيها.

بدايةً , فإن رويسا طرحت المبادرة بعد الاتصال مع الأمريكيين(أي أن المبادرة هي روسية بموافقة الولايات المتحدة)بما يعني:أن المبادرة هي تعبير عن رغبة أمريكية بالحل السياسي, وبخاصة وكما تبين من مناقشات الكونغرس ,بأنه قد لا يُعطي تفويضاً لأوباما لضرب سوريا،فالرئيس الأمريكي أحال القضية إلى الكونغرس هرباً من التداعيات الممكنة لمثل هذه الضربة،واحتمال قيام حرب إقليمية واسعة, وذلك وسط رفض شعبي أمريكي لدخول حرب جديدة , وفي ظل أزمات أمريكية:اقتصادية , اجتماعية(أوضاع المهمشين والفقراء)بالدرجة الأولى نتيجة الحروب الأمريكية الفاشلة في العراق وأفغانستان.لذلك فإن موافقة سوريا على المبادرة وعدا كونها:تسحب البساط الذرائعي من تحت قدمي أمريكا والغرب لضرب سوريا ,فإنها في نفس الوقت تُعتبر: إنقاذاً لماء وجه الرئيس أوباما في التراجع عن هذه الضربة العسكرية هذا أولاً.

ثانياً:فإن المبادرة الروسية تعني(وفقاً لتصريحات لافروف):منعاً للولايات المتحدة وحلفائها بالقيام بعدوان عسكري على سوريا.كذلك فإنه وفقاً للموقف الروسي،فإن روسيا ليست على استعداد لجعل المبادرة ابتزازاً لسوريا.لذلك وقفت موسكو بالمرصاد للمشروع الفرنسي , ذي النقاط الخمس الابتزازية , المقدم إلى مجلس الأمن(بعد طلب روسيا عقد المجلس)وسحبت روسيا طلبها المجلس بالانعقاد أمام هذا الابتزاز ،وأعلنت بوضوح وبصوتٍ عالٍ:إنها ضد المشروع الفرنسي , وبذلك تمنع إعادة تكرار الشكل الابتزازي للولايات المتحدة والغرب عموماً في العراق.

صحيح أن الولايات المتحدة والغرب قد يفتحوا شهياتهم(وبخاصة وأن أنباءاً تتحدث عن أن الإدارة الأمريكية ستستعمل القبول السوري كوسيلة ضغط إضافية على الكونغرس من أجل تفويض أوباما بضرب سوريا،من خلال القول بأن مجرد التهديد كان كافياً لإرغام سوريا على قبول المبادرة , فكيف يكون الحال إذا ما تم توجيه ضربه إليها؟)لكن من الصحيح أيضاً:أن الضمانات الروسية لسوريا في منتهى الوضوح والصرامة.فقط إشراف دولي على أسلحة سوريا الكيماوية وليس أكثر من ذلك. ثم إن سوريا لن ترضح في أي حال للمزيد من الطلبات الأمريكية-الغربية , بمعنى أنها لن توافق على استباحة أراضيها.

من زاوية أخرى:فإن عديدين من المراقبين ينطلقون من وجهة نظر مفادها:أن رضوح سوريا للتهديد يمكن تطبيق نموذجه على المشروع النووي الإيراني!بمعنى تهديد إيران هي وسيلة لرضوحها(صحيفة معاريف الإسرائيلية الثلاثاء 10 سبتمبر الحالي)ذكرت:أن تطبيق المبادرة الروسية بشأن كيميائي سوريا سيكون له تداعيات إيجابية على الملف النووي الإيراني من خلال التهديد بالخيار العسكري ضد إيران).إيران من جهتها قطعت الشك باليقين بعدم جدوى التهديد . جرى ذلك من خلال تصريح للرئيس روحاني قال فيه:"بأن إيران لن تتخلى قد أُنملة على حقوقها النووية".

على صعيد ثان , فإن العديد من المحللين السياسيين يقارن بين الموقف الروسي الحالي وبين الموقف السوفياتي في عام 1962 فيما اصطلح على تسميته بــ"بأزمة خليج الخنازير"حين بادر خروتشوف إلى حل الأزمة مع إدارة الرئيس كينيدي.سحبت موسكو أيامها صواريخها من كوبا , مقابل ضمانات من الولايات المتحدة بعدم غزو كوبا.حينها كادت تندلع حرب عالمية ثالثة ,ولكن بالذكاء السوفياتي تم احتواء الأزمة.اليوم التاريخ يكرر نفسه , فقد خطفت موسكو الأضواء على المستوى الدولي , ووقفت بذكاء أمام احتواء حرب في المنطقة قد تجر وراءها تداعيات كثيرة وكبيرة.المرونة التي أبدتها سوريا تأتي في نفس السياق, فهي بقبولها للمبادرة الروسية:جنبّت سوريا والجيش السوري المزيد من الدمار والخسائر وشل قدرات الجيش،الذي هو في أمس الحاجة للاحتفاظ بقدراته في التصدي: لمجموعات الإرهابيين, الذين يخوضون حرباً بالنيابة عن: المعسكر الغربي وإسرائيل وأوساط عديدة في المنطقة ,في وجه سوريا, خدمةً للأمن الإسرائيلي.

انزعاج ما يسمى بــ"الجيش السوري الحر"والمنظمات التكفيرية, وتركيا وإسرائيل وبعض الأوساط في العالم العربي من قبول سوريا للمبادرة دليل على صحة وذكاء الموقف السوري،فهذه الأطراف مجتمعة وعندما علمت بالموافقة السورية،حطّ في أيديها وكأن الطير وقع على رؤوس أصحابها،فهؤلاء يحضون على ضرب سوريا البلد العربي ذي الدور الإقليمي الكبير وأيضاً على صعيد المنطقة.

يبقى القول: أن روسيا وسوريا فوتتا الفرصة على الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما العرب لضرب سوريا وتطبيق النموذج العراقي فيها.

 

 

 

 

*

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 15-09-2013آخر تحديث