الحالة المصرية بعد سقوط حكم الإخوان المثقفون والساسة أدوار محددة - د. عادل عامر


إن المصريين تعلموا من خبرة إطاحتهم بنظامهم السابق ما جعلهم قادرين على إحياء الأمل في نهاية جديدة، فيما تعلم العراقيون عجزا من خبرة فشلهم في تظاهرات 2011 أوصلهم إلى يقين اليأس من إصلاح الحال. إن عقل الحاكم المنتمي لحزب إسلامي سياسي مصاب بحول إدراكي، يرى الصواب في حزبه فقط. دليل ذلك أن مرسي بوصفه رجل دين سياسي، لم يفهم معنى المعارضة ووصف المتظاهرين بأنهم «فلول النظام السابق»، كذلك وصف «المالكي» المتظاهرين بأنهم «فقاعات»، وهو وصف أكثر استهزاءا وحطا للكرامة. وهذا الحول الإدراكي ينطبق على كل حاكم منتم لحزب إسلامي سياسي، وأنه سينكشف حتى لو كان ديمقراطيا كما حصل مؤخرا لأردوغان في تركيا، ما يوصلنا إلى استنتاج أهم هو فشل الحكم الديني.. إن مصر وضعت أقدامها على الطريق الصحيح المؤدي إلى الديمقراطية بأن بدأتها بتشكيل حكومة تكنوقراط وكفاءات لا تمثل حزبا أو جهة سياسية محددة، وإنها ستحقق ما عجز عنه العراقيون ما دامت حكومتهم قائمة على المحاصصة الطائفية والإثنية. وأول ملامح هذا المجتمع الثوري المصري الوليد، أن دور المثقف التقليدي والذي ساد طوال القرن العشرين وكان يقوم على أساس تبني رؤية نقدية لأحوال المجتمع والاهتمام بالشأن العام من خلال تبني أيديولوجيات متعددة، قد سقط لحساب دور جديد ناشئ لمن يطلق عليه «الناشط السياسي». وهذا الناشط السياسي نجده ممثلاً في الأعمار كافة، وليس من الضروري أن يصدر عن أيديولوجية محددة. ولكن ما يميزه حقاً قدرته الفائقة على تحريك الشارع في اتجاه معارضة السلطة، سواء في ذلك السلطة السلطوية السابقة أو السلطة الحالية في مرحلة الانتقال. ومما يميزه أن تحريك الشارع يتخذ –بحكم الثورة الاتصالية الكبرى- أشكالاً مستحدثة غير مسبوقة، مثل الاستخدام الفعال لشبكة الإنترنت بما فيها من أدوات «الفايسبوك» و «تويتر»، بالإضافة إلى الأشكال التقليدية مثل رفع وعي الجماهير من خلال رفع شعارات ثورية صارخة، تدفعهم دفعاً إلى الخروج إلى الشوارع في تظاهرات كبرى، أو اعتصامات مفتوحة، أو وقفات احتجاجية. من هنا نرى ان الاسباب الداخلية لسقوط الاخوان كانت واضحة جدا . لكن السؤال لم كان السقوط بهذه السرعة؟ لم يكن مجيء الاخوان الى الحكم محض صدفة ، فالاسلام السياسي كان موضع عداوة اميركا والغرب حتى سنوات عدة ، لكن ظروفا معينة أملت تشكيل حلف اميركي غربي خليجي للمجيء بالاسلاميين ( المعتدلين ) كبديل للتيارات القومية والعلمانية والاسلامية المتشددة ، التي برهنت اما على مناوئتها للغرب ، او ان تكون قد استهلكت اميركيا او شعبيا ، مقابل ان يتنازل الاسلاميون من كل ادعاءاتهم بعداوة اسرائيل والمحافظة على على السلام معها والتعاون مع الغرب ( وهذا هو ماتريده اميركا من اي حكم في المنطقة فمعيارها عدم معاداة اسرائل والغرب لا معيار تمثيل شعبه وخدمته ) ، وذلك ضمن خطة بناء الشرق الاوسط الجديد الذي فشلت فيه ادارة بوش ... وهي الخطة التي تستند الى بناء هلال اخواني سني"معتدل " يمتد من تركيا اردوغان الى مصر وسوريا لمحاصرة الهلال الشيعي او الفارسي ... ومن ثم بناء محور متناسق فكريا يكون حليفا للغرب في هذه المنطقة الحيوية تمهيدا لدمجها مع اسرائيل بنظام شرق اوسطي –اوربي – اميركي .. اذن مالذي تغير في الموضوع للانقلاب على هذه الخطة ؟ المنحى الخطير للاحداث في ليبيا وسيطرة المتشددين على الامور فيها ومقتل السفير الاميركي في بنغازي واحداث مالي والجزائر التي ثبت علاقة تنظيم الاخوان العالمي فيها ، اعطى اشارات الى خطورة الوضع وان مايسمى " المعتدلون " في التيارات الاسلامية اما انهم لا يعول عليهم او هم غير مؤثرون او مضطرون لمسايرة التيارات المتشددة ( كما ساير الاخوان متشددي السلفيين وسيناء ) . فشعرت اميركا انها اخطات في حساباتها او انها وقعت خديعة وعود القطريين بالسيطرة على جماح الاسلاميين . هذا من جهة ، ومن ناحية اخرى كان الاداء الهزيل للاخوان في مصر والشخصية البائسة لمرسي ، عاملا في تعزيز المعارضة الداخلية لحكمه والتي فاقمتها الازمات الخطيرة اقتصاديا وفلتان الامن وتهيد اثيوبيا للامن المائي المصري واحتمالات الفتنة الداخلية بين السنة والشيعة والاقباط والمسلمين ومحاولة الاخوان ركوب موجة السلفية بقطع العلاقة مع سوريا والتضييق على الاعلام والحريات العامة وتكفير المعارضين . -تركيا والمعارضة السورية هما الخاسران الاكبران في سقوط الاخوان في مصر ... فمصر تشكل حجر الاساس في السياسة الاخوانية التركية الساعية الى لعب دور القائد في العثمانية الجديدة في المنطقة بالارتكاز الى مصر وموقعها وثقلها الفاعل ..ونرى في ردود الفعل التركية سواء من اردوغان او اوغلو مدى الغصة التي يشعران بها . اما المعارضة السورية التي يهيمن عليها الاخوان سياسيا وعسكريا فقد خسرت داعما سياسيا ومعنويا مهما لها لابد ان يستتبعه فقدان الحظوة لدى الراعين الاقليميين والدوليين لصالخ جماعات معارضة اخرى . -قطر التي استثمرت في مصر وفي المعارضة السورية مليارات الدولارات ولطالما كانت اللاعب الرئيس في الواجهة ، ترى ان جهود اكثر من 3 سنوات بدأت تنهار .. ويظهر ذلك في هيستيريا قناة الجزيرة في تغطية الاحداث ودعم مرسي ... وذلك سيزيد الشرخ القطري السعودي ، حيث يسعى البلدان في اتجاهين معاكسين في الرؤية والاهداف لكل مايحدث في المنطقة ، مما يجعلنا نتوقع جولة جديدة من المنافسة بين البلدين او ان تستسلم قطر بعد ان فرض على اميرها التخلي عن الحكم لنجله وبذلك نرى افولا تدريجيا للدور القطري في حركة الاخوان العالمية واضعاف الحلف التركي القطري الاخواني. -ايران ، وللغرابة ، قد تكون احد الخاسرين من سقوط مرسي ... فالنظام السابق ( مبارك) كان يعادي ايران على طول الخط ... وفكر الاخوان مهما حاول ركب موجة السلفيين هو قريب من حيث الخطوط العامة من الاسلام السياسي الايراني ... وسعى الاخوان الى اقامة علاقات مع ايران نمثلت بزيارة مرسي وتوقيع اتفاقيات تمويل وسياحة وطاقة ( وهي خطوة اراد منها الاخوان اظهار استقلالهم عن الغرب لكنها تسببت في امتعاض اميركي وسعودي).. في حين ان بديل حكم الاخوان سيكون اكثر قربا من الاميركيين والسعوديين في ابتعادهم عن ايران..( وحتى العسكريين ... بحكم تركيبتهم القومية لهم مأخذ على ايران ولدورها في العالم العربي )؟ إن الإخوان هنا دخلاء على هذا الصراع، فالقضايا المطروحة أعلاه ليست قضاياهم أو معاركهم. إن طبيعة تكوين وفكر وانحيازات الإخوان السياسية والاقتصادية والثقافية، تجعلهم رافضين تماماً لأي شكل من أشكال التحذير السياسي الثوري. بل إن هدفهم هو وراثة الدولة القديمة كما هي. لكن الإخوان يريدون مع هذه ”الوراثة“ إحتلال موقع القيادة والسيطرة، الذي يرونه ضرورياً من أجل تحقيق مشاريعهم الأيديولوجية. شارك الإخوان، منذ اللحظة الأولى، سوياً مع المؤسسة العسكرية - وبدعم أمريكي واضح من أجل بناء ديمقراطية إجرائية محافظة. تتحول مع مرور الوقت إلى سلطوية انتخابية تقوم على مجال سياسي جديد مفتوح ولكن ضيق. مجال قائم بالأساس على الانتخابات كمفهوم وحيد للممارسة السياسية ويعطي شرعية للنظام الجديد/القديم. كما يرتكز هذا المجال على وضع سقف دستوري وسياسي يحد بصورة فعلية من قدرة القوى الحزبية على تغيير السياسات العامة عبر الصندوق. إضافة إلى عدم وجود أي ضمانات حقيقية لحقوق الإنسان كما الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. أضف إلى كل ذلك التضييق الدستوري والسياسي والقانوني على كل حركات الاحتجاج النقابية والعمالية والحقوقية والاجتماعية. هذه الحركات التي من المفترض أن تؤذن بتغييرات أكثر جذرية في بنية السياسة والاقتصاد في مصر. بل و على المدى المتوسط والأطول يمكن أن تعمد القوى المهيمنة على الدولة وحلفائها في المجال الانتخابي إلى استخدام أدوات هيمنتها للتأثير على مجريات العملية الانتخابية ونتائجها وقد ظهرت بوادر هذا في الانتهاكات التي شابت عملية التصويت على الدستور الإخواني العسكري في ديسمبر 2012. تلاقت هنا مصالح الأطراف الثلاث الدولة القديمة بمؤسساتها المدنية والعسكرية، والأخوان والإدارة الأمريكية.

 



كاتب المقال
دكتور في الحقوق و خبيرفي القانون العام

ورئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية

عضو والخبير بالمعهد العربي الاوروبي للدراسات الاستراتيجية والسياسية بجامعة الدول العربية

 

 

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 13-09-2013آخر تحديث