أبو علي مصطفى...كم نفتقدك! - د. فايز رشيد

اثنا عشر عاماً مضت على غياب جسدك القسري, لكن فكرك ومبادءك وكلماتك استوطنت قلوبنا , ومضت طيفاً وأفقاً سابحين في سماء فلسطين الطاهرة،تسقسق مع العصافير لحن المقاومة الخالد،ترتل النشيد الفلسطيني السابح في نسغ الحروف تملأها أملاً بربيع قادم لا محالة،تروي ظمأ سنديانة ظلّت صامدة عبر مراحل التاريخ وكأنها أدركت شكل الحنين الأزلي إلى الوطن!تجسدت في جذعٍ, خط عليه أبناء شعبنا حقيقة الارتباط بين الكنعاني تاريخاً والفلسطيني حاضراً ومستقبلاً وبين الانتماء للأرض،هذا النابض عشقاً لثراها!ندرك أن حبات ثرى فلسطيننا التحمت مع أجساد شهداء شعبنا عبر التاريخ ومع احورار مآقيهم لتكون مصدراً للصلابة الساكنة في أفئدة مناضلينا.

أبو علي..اعتقدوا أنهم دمرّوك بصواريخهم.لا يدركون حقيقة عطاء الفلسطيني حيّاً،أو شهيداً فهو يظل حياً يسكن صميم القلب. يظل منبعاً أصيلاً للعطاء الأزلي،يغيب شكلاً ويظل مضموناً مثل قوس قزح ما أن يغب , حتى يظهر مرةً أخرى،وهكذا دواليك.قلتها بعد أن عبرت نهر الأحزان والشوق. نطق بها قلبك قبل فكرك ولسانك"جئنا لنقاوم لا لنساوم."شهدت الأراضي المحتلة مقدار عطائك, وأحس أبناء شعبنا بأهمية وجودك بينهم،ورفاقنا بالتصاقك بهم وبجهودك من أجل ثراء جبهتنا.

اجتمعت فيك صلابة الماس ورقة النسيم في معادلة رائعة،صلابة, حين يستلزم الموقف ذلك,ورقّة, في مواضعها . لا تتطلع ألاّ إلى السماء ,عمادك العزة والوفاء والكرامة ومصالح شعبنا.في حياتك كنت بسيطاً مثل الماء .في عطائك مثل سهل قمح،تعطي بلا حدود لا تكّل...حانياً مثل أمٍّ رؤوم , يتسع قلبك كل الناس. تحزن لدمعة طفل, وتدمع عيناك لكل موقف عاطفي وإنساني.يتعلم الآخرون من خصالك كيف يكون الإنسان :إنساناً ,والمناضل: مناضلاً ,والقائد :قائداً.باختصار كنت يعقوبياً طاهرا. لم تتلوث سمتعك يوماً... قضية يشهد بها منتقدوك سياسياً قبل رفاقك وأصدقائك وأهلك.

في زمن الردة , يبحث الشعب عن نفرٍ من القادة , لم يساوموا يوماً في حق. لم ينطقوا مرّة بغير الصدق. ولاؤهم الوحيد لفلسطين وتحريرها . وقبلتهم مصالح شعبهم.فلسطين في أذهانهم لا تحتمل التجزئة , ولا القسمة على اثنين.فلسطين كل فلسطين .... من النهر إلى البحر ,فلسطيننا. كنت أيها الرفيق والصديق فارس أولئك القادة.امتشقت فلسطين في فؤادك النابض بتاريخها الكنعاني العربي،وبحاضرها المؤلم حتى النخاع, انتظاراً لفرسان قادمين, يمحون دنس ورجس أولئك المغتصبين لثراها الطاهر،وبمستقبلها المشرق ,وأريج زهرها الجوري ,وصفاء مياه بحرها.

أسوارها الحصينة ما انكسرت يوماً أمام عواصف التاريخ،ظلّت عصيّة على الغزاة. مثّلت لغة الخاطب الوحيدة بين الفلسطيني والغزاة.انطبعت صفحة نقية على وجه التاريخ ,وظلّت حقيقة أبدية فلسطينية خالدة.تجسّدت املاً قادماً عنوانه : الانتصار, ليعود الثوب الفلسطيني المطرّز إلى جذوره الأصيلة في مناطقه،مدنه وقراه وعَبَقِهِ برائحة الأرض ,التي تعيش في تلافيف دماغ الفلسطيني في منفاه.يحملها أهزوجة النصر القادم ,والعودة المظّفرة لأرضنا المشتاقة دوماً لأبنائها.

يحاولون تزوير التاريخ, واختراع أساطير وأضاليل جديدة لوجه وطننا, الفلسطيني العربي ,مثلما حاول غزاة آخرون مراراً قبلهم.لا يدرك أولئك القتلة: أن أرض فلسطين تضئ وجه القمر, تظلل السماء بعبق زيتها العتيق, وحبات زيتونها , وأريج أزهار برتقالها وليمونها،تنزرع خلوداً قبل التاريخ ,الذي أخذ صفحات وجهه من أزليتها وأبديتها الخالدة.

ها أنت أيها الوطن تنادي أبا علي! يوم ترّجل عن فرسه :بكت الشمس, أظلمت السماء, حزناً على جسد مخبأ في بطن حلم ,عنوانه : العودة إلى الأرض حيّاً أو شهيداً, حيث يتنادى الشهداء مرحبين بالقادم الجديد, عنواناً للتضحية, وتجسيداً للوفاء, وتعبيراً حياً عن التزام الفاسطيني بثرى ترابه الوطني, في علاقة يحتار الغازون في طبيعتها , بل في وجودها من الأصل . تتمثل حُلماً في عقل طفل , وتراثاً حاضراً يؤسس لمستقبل ,أكثر حضوراً في رأس شيخ... حمل مفتاح بيته, عبر فيه كل المنافى, ظل ملتصقاً بكوشان الأرض ليكون معلماً أساسياً من معالم الفلسطيني حيثما يتواجد.

لن نرثيك أبا علي ...فأنت أكبر من الرثاء في كينونته. لقد احتضنت أرضنا مثلما احتضنتك،جعلت من الرثاء : وقفةً تزرع الأمل والصلابة في رفاقك.أقسموا أن ينتقموا من الأعداء... فجاء الرّد سريعاً مثل : أول المطر, وليس آخره،فالطريق طويل ... ما زال مزورعاً بالشوك والشوق.يؤصّل الثاني لإزاحة الأول ,وقلبه عكسا :يحوله إلى أزهار ورياحين مفروشة في الشوارع والأزقة لأولئك القادمين من المنافي.أسسّت مرحلة جديدة في سلسلة مراحل : العبور إلى الوطن والأرض.البعض لم يكن يفهم عودتك إلى فلسطين... رددت عليهم بدمك الزكي ,علّمتهم أي عودة عنيْت!لم يبق ذلك الدرس في إطاره النظري, بل جسّدته عملياً حتى لو كان الثمن استشهادك!.

نم قرير العين أيها الرفيق .... فأنت في حضن فلسطيننا . نعم علمتنا كيف نسترجعها ,وكيف تعود إلينا, وسنمضي على دربك النضالي.

* * *

 

 

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 15-09-2013آخر تحديث