واحد وثلاثون سنة بعد حصار بيروت

محاولة تذكر واستحضار لرفاق شهداء - نضال حمد

الحلقة الأولى

في حصار بيروت كانت الأيام تمر ببطء .. وكان الشهداء يتساقطون فرادى وجماعات وهم يدافعون عن مستقبل الأمة وعن مصيرها.  وكانت العاصمة المحاصرة تحاصر الصمت العربي والخذلان الرسمي وظلم ذوي القربى.

في شارع ضيق بحي السبيل في بيروت الغربية قضيت معظم أيام الحصار مع بعض رفاقي، متأبطا عنوان صراعنا مع الأعداء.

 كانت الحارة في الحي المذكور شبه خالية من السكان، إلا عائلة الرفيق أبو احمد النبعة. كان هو وابنه طلال من رفاقنا الذين صمدوا كل أيام الحصار. ولا أدري الآن وأنا اكتب هذه الكلمات بعد 31 عاما على الملحمة إن كان الرجل لازال حيا أم توفاه الله. 

في الحارة نفسها كان يأتي لزيارتنا والمكوث معنا بعض الأيام صديقنا ورفيقنا وائل الخطيب، وكنا نقضي بالرغم من الحرب والقصف والموت ساعات جميلة واو قاتا نستعيد فيها ذكرى الحارات في المخيم، مخيمنا عين الحلوة، الذي سقط قبل أيام بادي الغزاة الصهاينة. وقبل أن يسقط المخيم بعد حصار شديد وطويل وقصف دمره كله تقريبا واستبسال من المدافعين عنه، في وقت هرب فيه قائد القوات المشتركة وحركة فتح في الجنوب اللبناني، الجنرال الوهمي الحاج جبر إسماعيل. تاركا أبطال معركة التصدي للإنزال الصهيوني في منطقة علمان والتلال المطلة على نهر الأولي وصيدا يقاتلون وحدهم بدون إسناد مدفعي وصاروخي كما تم الاتفاق مسبقا بحضوره قبل أن يفر الى البقاع. 

هناك وفي ملحمة سيذكرها التاريخ اشتبك أبطال القوات المشتركة الفلسطينية اللبنانية مع دبابات وكوماندوس الصهاينة المدعومة من الجو والبر والبحر بقصف عنيف ومخيف. اشتبكوا مع الصهاينة وكبدوهم خسائر فادحة, لكن خسائر القوات المشتركة كانت أيضا كبيرة. واذكر ابن مخيمنا عين الحلوة الشهيد قاسم حجير ( من مقاتلي الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين) استشهد في تلك الموقعة. وكذلك اذكر رفاقنا الذين جرحوا هناك ومنهم ( ط. ح) و (خ. ز) وشقيقي (جمال) الذي حوصر في المكان لأكثر من عشر ساعات ولم يتمكن من النجاة إلا بمعجزة بعدما وجد مكانا تحت سلسلة تعلوها الأعشاب، اختبئ هناك لساعات طويلة، وكان الجنود الصهاينة يمرون فوق السلسلة دون أن يكتشفوه. وقد رأى بأم عينه كيف قصفت الدبابة الصهيونية ابن عمه الذي أصيب بجراح وهو يحاول الانسحاب من المكان. واعتقد أخي أن ابن عمه قد استشهد لكن الأخير تمكن من الانسحاب الى مدينة صيدا  ليتوارى بعدها عن الأنظار خاصة أن المدينة سقطت سريعا بأيدي الغزاة.

في ذلك الوقت أيضا كان مخيم عين الحلوة يشهد محاولات مستمرة من دبابات الصهاينة الغزاة لدخوله من كل المحاور. وكان أبطال المخيم الذين صمدوا يصدون الهجمات ويكبدون الغزاة خسائر كبيرة باعترافهم. وفي تلك الموقعة بعين الحلوة استشهد خيرة شباب جبهة التحرير الفلسطينية في المخيم ومنهم الرفيقان عبد حمد وحاتم حجير.

اذكر الآن أيضا كيف استقبل فيما بعد وأثناء حصارنا في بيروت في مكان قريب من المبنى بحي السبيل، الرفيق الشهيد القائد طلعت يعقوب أمين عام جبهة التحرير الفلسطينية  العمة أم غازي حمد والدة الشهيد عبد حمد وكانت برفقتها والدتي التي جاءت بدورها لتقنعني بالرحيل عن بيروت مع الفدائيين الراحلين ولكني رفضت ذلك رفضا قاطعا. مما احزن والدتي كثيرا.

اذكر أيضا أول شهداء جبهة التحرير الفلسطينية في معارك الجنوب وهما عبد الستار، فلسطيني من الكويت، ربطتني به علاقة صداقة حميمة لم تستمر طويلا بسبب استشهاده السريع. والشهيد الثاني أبو علي الحمصي. الذي استشهد مع عبد الستار بعدما استهدفتهما الطائرات الحربية في منطقة الوادي الأخضر بالجنوب اللبناني. وكان مدفعهما آخر المدافع الفلسطينية التي بقيت تقصف مستعمرات الجليل انطلاقا من تلك المنطقة. وجرح معهما في نفس الغارة الرفيق والصديق (ح. ت) الذي حدثني فيما بعد عن الغارة والاستشهاد.

ولا بد أن اذكر أيضا ابن مخيمنا عين الحلوة الشهيد القائد سعيد اليوسف عضو اللجنة المركزية لجبهة التحرير الفلسطينية الذي قمنا وإياه برفقة قائدنا أبو يعقوب بالتوجه من بيروت الى النبطية وصيدا وصور ثاني أيام الغزو. بعد عودتنا الى بيروت من صيدا والنبطية وعودة سعيد من صور، توجه الأخير الى الجبل، ليُفقد أو يستشهد هناك في موقعة بحمدون الشهيرة. منذ ذلك الوقت اختفت آثار الرفيق سعيد ولا نعرف لغاية اليوم إن كان شهيدا أو مفقودا.

فيما بعد استشهد في البقاع ونتيجة غارة صهيونية على مكتب جبهة التحرير الفلسطينية الرفيقان الصديقان ابنا مخيم عين الحلوة والجبهة، القائد العصامي غسان كايد والفدائي الميداني فهد البني ( شربل).  كان غسان كايد وبالرغم من إصابته في وقت سابق بساقه وإعاقته المزمنة من أشجع الرفاق الذين رأيتهم في حياتي. تماما كما الخال ضرار بدر الجبهاوي، القومي السوري، ابن مخيم عين الحلوة، الذي توفي فيما بعد.

يوم أصبت في السابع عشر من أيلول - سبتمبر 1982 وهو ثاني أيام مجزرة صبرا وشاتيلا، استشهد معي بنفس الصاروخ الذي أطلقته علينا دبابة ميركفاه صهيونية على مدخل مخيم شاتيلا من جهة المدينة الرياضية والفاكهاني، الرفيق اللبناني العروبي التقدمي، محمد علي ( أبو الفداء) الذي كان من مرافقي القائد الراحل طلعت يعقوب. وهو ابن مدينة بعلبك التاريخية اللبنانية. وبقي صامدا وقاتل وقاوم طيلة أيام حصار بيروت وما بعده الى أن استشهد في تلك المواجهة في ذلك اليوم حيث اختلط دمه بدمي وأنينه بأنيني.

في وقت لاحق وبعد الرحيل عن بيروت وتفجر المعارك في الجبل ومحاولة العودة الى بيروت استشهد الرفيق عزالدين شاتيلا وكان أول مقاتل فلسطيني يعود ويصل الى مشارف بيروت في الشويفات حيث استشهد في المعركة مع الفاشيين والبوارج الأمريكية بقيادة نيوجرسي. ليصبح أول شهيد للثورة الفلسطينية ولجبهة التحرير الفلسطينية يستشهد على مشارف العاصمة بعد الرحيل عنها بحرا سنة 1982 .

استشهد أيضا في معارك الجبل البطلان البطل العراقي أبو الفهود، وهو الكادر المجرب والمعروف في صفوف جبهة التحرير الفلسطينية، والذي كان مع رفيقه الشهيد الأخر الكادر الميداني اللبناني سمير الكردي يقودان المواجهة على محور سوق الغرب. وكذلك التصدي لقصف البوارج الأمريكية وللفاشيين الذين تمركزا هناك. وفي نفس تلك المواجهات عاد ابن مخيمنا ورفيقنا (ط. ح) وأصيب بجراح مرة ثانية وشاءت الصدفة ان تكون اصابته الثانية بنفس المكان في جسده بفعل شظايا قصف الفاشيين اللبنانيين وحلفاءهم  من الأمريكان والصهاينة.

وفي العمل الفدائي تحت الاحتلال بمخيم عين الحلوة في السنتين 1984 و1985، استشهد الرفاق أبو الروس، سهيل خريبي ومحمود الشامي في المواجهات مع عملاء الاحتلال الصهيوني في المخيم. حيث كانوا ضمن تشكيل "حتما سنلتقي - قوات شهداء عين الحلوة-" التابع لجبهة التحرير الفلسطينية وهو أقوى التشكيلات الفلسطينية التي عملت تحت الاحتلال في مخيم عين الحلوة في تلك  الفترة من الزمن. 

فيما بعد رحل صديقنا وابن مخيمنا ورفيق طفولتنا وكفاحنا وائل الخطيب شهيدا للحياة والحب والكفاح، ولم يتسنى لي وداعه بسبب البعد والحواجز والظروف القاهرة التي كنا نعيشها في ذلك الوقت.

يتبع

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 12-09-2013آخر تحديث