مذبحة لامثيل لفظاعتها - المستشار رشيد موعد

صبيحة السادس عشر من أيلول عام 1982 لم يستيقظ أهالي مخيمي صبرا وشاتيلا كباقي بني البشر... لأنهم كانوا نياماً بالإكراه إلى الأبد..

حدثت كبرى جرائم العصر في تلك الليلة... مجزرة استمرت ثلاثة أيام بلياليها...ارتكبها الصهاينة وأعوانهم بحق الأهالي المقيمين في المخيمين من فلسطينيين ولبنانيين.

صبرا وشاتيلا... مخيمان من اثني عشر مخيماً في لبنان... يقعان جنوب العاصمة بيروت...

بعد اجتياح الكيان الصهيوني يوم 6/6/ 1982 لبنان، ووصل بقواته مشارف العاصمة بيروت معللاً ذلك الاجتياح بقيام أحد الفلسطينيين بإطلاق النار على الدبلوماسي الصهيوني في لندن...«شلومو أرغوف».. دخلت جيوشه الأراضي اللبنانية لهذا السبب، فارتكب أفظع الجرائم بحق الشعبين العربيين الفلسطيني واللبناني ، ورغم أن منفذي هذه المجزرة المباشرين كانوا من قوات الكتائب اللبنانية، إلا أن مخططيها والمشرفين عليها والمشاركين في بعض مراحلها كانوا قادة جيش الاحتلال الصهيوني آنذاك، وعلى رأسهم أرئيل شارون وزير الدفاع ورفائيل إيتان الذي شغل منصب رئيس الأركان.

ففي أوج الحرب الإسرائيلية- الكتائبية ضد الشعب العربي الفلسطيني والحركة الوطنية اللبنانية، قامت قوات من الكتائب قدر تعدادها باثني عشر ألف مسلح باقتحام المخيمين الوادعين، حيث قاموا بذبح عدد كبير من سكانها من نساء وأطفال وشيوخ... وكذلك بيوت بكاملها هدمتها البلدوزرات فوق ساكنيها، وأصبحوا جثثاً مكدسة فوق بعضها أشبه بدمى لاحياة فيها.. وبدؤوا يطلقون النار على الأهالي عشوائياً.. لقد جرت في المخيمين مذبحة حقيقية... هذا ما قاله الصحفي الروسي سيرغي سيدوف كونه كان شاهد عيان وقت الحادث وتابع يقول: «بعد أن خيمت نشوة القتل على المجرمين.. بدؤوا يوفرون الرصاص والذخيرة الحية واستبدلوها بالسكاكين والحربات والفؤوس لذبح النساء والشيوخ والأطفال العزل الآمنين في بيوتهم، وقاموا بخنق البعض بالحبال ، كما أحرقوا البعض الآخر... وسحقوا ما تبقى بالجرافات وهم أحياء»... حتى أن الصحافة الأمريكية المتعاطفة مع الكيان الصهيوني أجبرت أمام فظاعة الهولوكوست الجديد إلى الاعتراف بأن مسؤولية تلك المجازر والجرائم تقع على عاتق القادة الصهاينة الثلاثة مناحيم بيغن رئيس الوزراء ووزير الدفاع أرئيل شارون ورفائيل إيتان رئيس الأركان.

فقد كتبت صحيفة «تشيكاغو تربيون عام 1982 تقول: علينا أن لا نصدق «إسرائيل» بعد الآن ...فالقادة الإسرائيليون ادعوا بحاجتهم لضمان أمن جنوب لبنان وحاصروا العاصمة بيروت... وزعموا أنهم لن يدخلوها.. لكنهم فعلوا ودخلوها».

بعد المجزرة قال الإرهابي شارون لجنوده:« أهنئكم ...فقد قمتم بعمل جيد ورائع».

أما عدد الشهداء الذين ذبحوا ذبحاً وقتلاً بالرصاص ودفنوا تحت الانقاض، فقد تفاوت مع اختلاف المصادر ، فبينما تحدثت بعض المصادر عن استشهاد 3500 قالت مصادر أخرى إن عدد الشهداء بلغ 12 ألفاً من أصل 20 ألفاً هم سكان المخيمين، وتبين من الإحصاءات أن ربع الضحايا لبنانيون والباقي فلسطينيون، علماً أن بعثة الصليب الأحمر التي كانت تنتشل الجثث وأفادت بأنهم سجلوا فقط المزودين في جيوبهم بأوراق ثبوتية، ولم يتم تسجيل من كانوا مجهولي الهوية، وكان جيش الكيان الصهيوني قد ضرب طوقاً مساء الخميس 16/9/1982 أحكم بموجبه الخناق بشدة على المخيمين وأطلق القنابل المضيئة ليلاً، وقامت وحدة المدفعية الإسرائيلية في بيروت بإطلاق قنبلة إنارة واحدة كل دقيقتين لتسهيل دخول أفراد ميليشيات الكتائب إلى المخيمين، وشاركت في حصار المخيمين أكثر من 150 دبابة وآلية صهيونية.

لقد أدخل الكيان الصهيوني نفسه في معضلة مزدوجة.. وهكذا أصبح مسؤولاً بصورة غير مباشرة عن هذا العمل الإجرامي الخطير..

واعتبر دخول المخيمات مخاطرة جسيمة وتم إلقاء هذه المهمة على الكتائب، لم تهدأ العاصفة إلا بعد أن رضخ بيغن في النهاية إلى طلب إقامة لجنة تحقيق مستقلة...حيث قامت هذه اللجنة بمهمتها وتفحصت المسؤولية الشخصية للمعنيين بالأمر في ثلاثة مجالات:

أولاً: دخول أفراد الكتائب إلى المخيمات مع الأخذ بالاعتبار خطر وقوع مذبحة.
ثانياً- إن الذين كان من واجبهم التحذير من الخطر لم يفعلوا ذلك .
ثالثاً- الذين تلقوا الأخبار الأولى عن المذبحة لم يهبوا لمنع استمرارها.

وبذلك أوجدت لجنة كاهان الصهيونية المشكلة للتحقيق في مجازر صبرا وشاتيلا وضعاً سياسياً جديداً في الكيان الصهيوني، وقد أدانت اللجنة كلاً من شارون وإيتان، حيث تنحى الأول كوزير للدفاع عن منصبه وإنهاء عمل الثاني كرئيس للأركان.

في اليوم الذي اعتزل فيه شارون... قال إن خروجي من وزارة الدفاع سيؤثر على قوة إسرائيل الرادعة وبذلك أقر بالمخاوف حين ربط مستقبل الكيان الصهيوني بمستقبله الشخصي، ولم يدرك أنه وعد شعبه بحرب واحدة على لبنان.. فتطورت هذه الحرب إلى حرب ثانية أضرت به وبمستقبله ودفعته إلى الاستقالة، لإدانته بمجازر صبرا وشاتيلا.

(*) قاضي محكمة الجنايات السورية سابقاً

 

 

 

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 18-09-2013آخر تحديث