safsaf.org
 

قمة القُمامات - د. راضي الشعيبي
 

لم يشهد تاريخ الأمة العربية والإسلامية مرحلة الدَّرَك والتمزق الذي تعيشانه اليوم من زعامات وشعوب: إفلاس فكري وإفلاس سلوكي وانحدار خلقي، إفلاس اقتصادي رغم كل الثروات الهائلة العملاقة في باطن الأرض وعلى سطحها نتيجة الفساد المتوحش والإفساد، حيث أصبح الفساد هو أكبر وأعتى حزب في الوطن العربي من محيطه إلى خليجه، غياب الشعور القومي والإحساس الوطني. مجتمع أفلس في ثوابته وقيمه وإنسانيته كأولياء أمره، كما قال رسول الله صلعم "كما تكونوا يُولّى عليكم". وجوه تعلوها غبرة الذل والفقر وعيون جمدت فيها الدموع، وأفواه لم تعد تجرؤ على الهمس حتى بالشكوى إلى الله، والأخطر من كل هذا بروز وانتشار إسلام سياسي إرهابي تكفيري نحري وانتحاري، وشيوع الفتاوى من علماء السفاهة المرتزقة الذين باعوا دينهم بدنياهم وضلوا السبيل وفقدوا القيم الرحمانية.
أفكار مظلمة منغلقة ومفعمة بالتسلط والشطط والهوج والحقد والتحامل والاحتقار تترعرع في مستنقعات الفقر والجهل لتنتج صراعات وتزف الدماء يمولها ويروجها ويعممها شيوخ وملوك ورؤساء وأمراء أسقطوا كل المبادىء والحسابات، ذوو ثقافة الموروث العدواني القبائلي القديم بالإغارة بعضها على مرابع البعض.
لقد تم تشكيل وتوقيع ميثاق الجامعة العربية بتاريخ 22 آذار 1945 من أجل أن تكون أول منظمة عربية إقليمية وبيتاً للعرب ومظلة كالقبة الحديدية للدفاع عن أرضها وثرواتها ومصالحها المشتركة وحماية وضمان أمنها بصورة حضارية عصرية متزنة والحفاظ على ثقافتها وتراثها وعقائدها الدينية السماوية، وأن تكون إطاراً للعمل العربي المشترك وصياغة مفهوم واضح وقاطع للأمن القومي العربي وتحرير البلاد العربية أرضاً وشعوباً من الاحتلال الأجنبي وتحقيق استقلالها.
إن البانوراما العربية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمشهد الذي نراه اليوم يدل دلالة واضحة على أن الجامعة العربية فشلت وعجزت عن تحقيق مهماتها من الوحدة الاقتصادية والدفاعية وإقامة السوق العربية المشتركة هدفاً وأملاً في تحقيق الحلم القومي العربي وهو الوحدة العربية الشاملة. هذا الحلم الذي جره أمراء الخليج العربانيون، لا العروبيون، إلى صحرائهم ليصبح سراباً، ونصّبوا أميناً عاماً ليكون أجيراً لخدمة مصالحهم وتمرير مخططاتهم التي هي بالأصل صهيوأمريكية إسرائيلية. كما عجزت عن حل الأزمات والخلافات العربية – العربية المتأججة وتراجعت عن دورها الهام الذي كان منتظراً منها في تنفيذ اتفاقيات الدفاع المشترك ووضع قضية الأمن القومي العربي على رأس مهماتها. وهُمِّشت في حرب الخليج ومفاوضات مدريد وعجزت عن مواجهة التحولات الكونية الجارية وغدت اليوم كياناً انهار أساسه. لم تتدارى خطر العولمة وأيديولوجيتها التي تهدف إلى نسف مفهوم الأمة وإنقاص السيادة للدول الوطنية والقومية وإخضاعها لقوانين دولية تحد من سيادتها وتلغيها، والتسلط باسم الشرعية الدولية أو القانون الدولي وعودة خطر التطور الرأسمالي من جديد والهيمنة العسكرية عبر أحلاف وتحالفات تسمح بالتدخل العسكري واستعمال شراسة القوة في أي رقعة من هذا الكون بحجة حماية الأمن والسلم العالمي. ولم تتخذ هذه الجامعة الإجراءات للتحديات الكونية العالمية وثورة المعلومات بسلبياتها وإيجابياتها التي هزت الوجدان الوطني والقومي لدى كل شعب وأمة لاجتياح ثقافة كونية واحدة وخاصة التحدي الكبير الذي تقوده الولايات المتحدة التي حطمت الحدود والحواجز بين بني البشر وتعمل على سيطرة رأس المال الأمريكي واللوبي اليهودي على الاقتصاد، سيطرة الأقوياء على الضعفاء ولتحوِّل العالم إلى قرية كونية.
جامعة رصيدها البشري الهائل 350 مليون نسمة، ورقعتها الجغرافية الشاسعة والواسعة تمتد من شواطىء المحيط الأطلسي غرباً إلى سواحل المحيط الهندي، وتخترق العمق الشرقي لآسيا. لغتها واحدة وثقافتها واحدة، وأغلبية أبنائها يدينون بدين واحد، وماضٍ مجيد ومصالح وأهداف مشتركة، عجزت عن مواجهة وإيقاف الخطر الذي تتعرض الدول الأعضاء فيها جراء إنشاء نظام إقليمي وتكتل جديد أطلقوا عليه اسم الشرق الأوسط الجديد يتلاشى فيه كيان الأمة العربية وتقوده إسرائيل بحجة أنها الدولة الأقوى عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وحضارياً ليخدم مصالحها والمصالح الأمريكية. لم تتخذ من الاتحاد الأوروبي نموذجاً للتنسيق الذي نجح في إزالة الحدود الجغرافية والحواجز الاقتصادية والمالية بين دول مختلفة اللغات والثقافات والأعراق والديانات.
جامعة وقعت في أسر الخلافات العربي التي أضعفتها واختراقات الاستخبارات الأجنبية التي عملت على تمزيقها لأنها كانت تعلم كل ما يدور في كواليس الجامعة ودهاليزها فتسارع سباقة إلى إفشالها.
جامعة ابتعدت كل البعد عن العروبة والإسلام تجهل تاريخها القيادي والإنساني والحضاري، تقودها العائلة الحاكمة المستبدة في قطر والتي يبدو أنها تنحدر من جذور يهيودية ما زالت متأصلة فيها، بل تصهينت، ومعها النظم الوظيفية الديكتاتورية الاستبدادية الفاسدة، التابعة لمحور الدول الاستعمارية الحاقدة على كل ما هو عربي ومسلم ووطني وقومي. وحوَّلوها معاً من جامعة عربية إلى جامعة عبرية ووكر للتآمر والإرهاب ضد الدول العربية السيادية والمقاومة العربية والإسلامية للاحتلال.
إن ما يقومون به اليوم وبإشراف الجامعة العبرية ممثلة بخادمها الأجير العميل من تدمير تام للبنية التحتية وارتكاب المجازر البربرية الوحشية الفاشية والاعتداء على المقدسات الإسلامية والمسيحية على حد سواء واغتصاب المحصنات واتباع سياسة التروبع والتهجير في سوريا الكبرى، دولة الصمود والشموخ والإباء العربي، موطن الأحرار والأبرار، أم الحضارات والثقافات والديانات، وبالتنسيق مع تركيا العثمانية الظلامية التي ما زالت تحتل أراضٍ عربية سورية يدل دلالة واضحة على أنهم بدأوا ينفذون أوامر زعامات العصابات الصهيونية الذي يشبه تماماً المخطط الإرهابي والإجرامي الذي نفذته في فلسطين المحتلة. كل هذا هدفه الأول والأخير هو تركيع سوريا لتوقع مع دولة الكيان الصهيوني المحتل صك الاستسلام والتطبيع. ألست هذه الجامعة عبرية صهيونية عندما يدعو أمينها العام حلف الناتو للتدخل العسكري وضرب سوريا جواً وبحراً وبراً؟ أرادوا أن يكرروا مرة ثانية المشهد المأساوي العراقي والليبي وصمتهم الرهيب عما يقوم به اليوم نفس الإرهابيين في اليمن السعيد ومصر أم العروبة. وهل بهذه السهولة نسيت هذه المجموعة المختطِفة للجامعة العربية والهادرة للشهامة والكرامة أن الجيش العربي السوري حامي الديار وقف معهم عندما احتُلت الكويت - جزاء سِنِمّار -!!!.
إن قمة القُمامات في الكويت بدأت وكأنها قمة للعجزة الأغنياء لكبار السن من زعماء القبائل الذين شاخوا وشاخت عقولهم وترهلت أجسادهم وشل تفكيرهم. وللأسف والألم والحزن أن الجامعة العربية أصبحت ذكرى، حيث شاخت مثلهم وأصبحت ذليلة تعيش على الصدقات وبعيدة كل البعد عن الأهداف والأسس التي شُكلت من أجلها. قمة فاقدة للمعنى والمغزى والهدف، تمثل صورة طبق الأصل للقمم السابقة حيث لم تختلف قراراتها عن باقي القمم السابقة وأصبحت روتينية محضة.
لقد سقطت كل الأقنعة عن وجوه هذه الحفنة الظلامية الظالمة الإنهزامية والمستسلمة التي تستخدم الثروات من أجل النزوات. ليس هناك مجال ولا موضع لليأس، رغم كثرة الذكور، هناك مخزون هائل وطني وقومي عروبي من الرجال.

إن غداً لناظره قريب

د. راضي الشعيبي


 

 

 

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 16-04-2014آخر تحديث