شطحة كيري! - عبداللطيف مهنا

من سمات محاولات الحركة التصفوية الراهنة للقضية الفلسطينية اتصافها بالدئب والاستعجال والاستماتة في انتهازها لما تراه فرصة تاريخية لاتعوض لانهاء الصراع ودفن القضية، اتاحها لها الراهن الفلسطيني الأبئس، والواقع العربي الأردء، والحالة الكونية المتواطئة، وأقله غير المبالية. يأتي كيري إلى للمنطقة ولايغادرها إلا ليعود اليها، وهو إذ يرحل عنها مثيراً من خلفه لزوابع من الأوهام والتحليلات والتوقعات بانتظار غيث حلوله القادم فيها، يستخلف فيها من بعده مساعده الصهيوني مارتن انديك لإدارة حلقات المفاوضات الدائرة بين الصهاينة والأوسلويين الفلسطينيين، هذه التي، لمن نسى، لم تتوقف وسوف تستمر، كما هو متوافق عليه، حتى نهاية هذا الشهر، سواء اافرج عن الدفعة الأخيرة من أسرى ما قبل اوسلو أم لم يفرج، وجُمِّد التهويد اعلامياً أو تباطئت حركته أم ارتفعت وتيرتها، أما بعد نهاية شهرنا فمامن عاقل يدرك مدى حاجة اطرافها، اوسلويين وصهاينة وامريكان، لاستمرارها قد يتخيل امكانيةً لتوقفها...لماذا؟

نبدأ بالتسوويين الأوسلويين، الذين هم في حكم المنتج والصنيعة لمسيرتهم التفريطية التي الغت منظمة التحرير بعد أن عبثت بميثاقها لصالح سلطة بلاسلطة وتحت احتلال. لقد أوغل هؤلاء في متاهتهم التسووية، بعد أن واصلوا منذ البدء نهجاً تفاوضياً تنازلياً مدمراً للقضية استمر لاكثر من عقدين. وإذ ذهبوا بعيداً في منزلق باتوا اسراه. وحيث مامن خيار ومامن رؤية، ولامن قدرة ولامن رغبة، لديهم في تخليهم عن نهج عبثي جربوه طيلة تلكم الحقبة الكارثية، كان من شأنه فحسب أن الحق ما الحق من اذى بالقضية والشعب الفلسطيني ووحدته ونضاله الوطني المعاصر، فإن المفاوضات والمفاوضات لاغيرباتت بالنسبة لهم كما يصفونها "حياة"، أو هم لايتصورون لهم استمرارية بدونها... لذا، والشىء بالشىء يذكر، لعل اسوأ خطيئة أوقع اصحاب العريضة المائة من الاكاديميين الفلسطينيين انفسهم فيها هو توجيههم لعريضتهم العتيدة تلك، مثقلة بما حفلت به من النصائح والمناشدات والإلتماسات، لاصحاب مثل هذا النهج الكارثي بالذات، مندرجين بذلك مع عريضتهم هذه موضوعياً تحت سقفهم الأوسلوي التسووي التصفوي عينه.
أما الصهاينة، وبعيداً عن تكتيكاتهم وهوبراتهم الاعلامية، فهم لا يقلون حرصاً عن الأوسلويين على مسألة تمديد المفاوضات، بل هم مع تأبيدها إن امكنهم ذلك، لأنها كانت وخلال العقدين المنصرمين، إلى جانب فعاليتها التصفوية عبر استدرار التنازلات من الأوسلويين، ولما الحقته بالوحدة الوطنية الفلسطينية والنضال الوطني الفلسطيني المعاصر، قد شكَّلت بالنسبة لهم أفضل وانسب غطاء منشود لتنفيذهم سياساتهم التهويدية الكاسحة، بحيث تحوَّلت السلطة الأوسلوية عبرها إلى مجرد شاهد زور تصفوي مجاني على مايجري على مدار الساعة من ابتلاع تهويدي للأرض من حولهم وتحت اقدامهم وما يرافقها من عملية خلق لوقائع احتلالية زاحفة.

وبالنسبة للأميركان، ورغم أنه بدى وكأنما هم قد نجحوا مؤخراً في الظهور بمظهر من هو يفاوض الصهاينة نيابة عن الأوسلويين، إلا انهم في واقع الأمر كانوا ينسقون كافة خطواتهم مع حلفائهم الصهاينة، ولم ينفكوا يعملون، عبر تكثيف ضغوطاتهم على الجانب الأوسلوي الضعيف لحساب صنائعهم التاريخيين، وهم لا يختلفون معهم لافي الأساسيات ولا في الأولويات. وإذا كان جل همهم وجهدهم هو منصب على تبرير الخطايا الصهيونية وتغطيتها والتستر عليها وحمايتها، فإن كل هدفهم الراهن هو تمديد المفاوضات باعتبار ذلك مصلحة مشتركة للحليفين...وهنا نأتي إلى الحكاية التي جعلت من كيري يحصد شهادات التقدير والثناء من التسوويين الفلسطينيين وعرب الجامعة مؤخراً، حين ادلى بشهادته، أو ابان استجوابه من قبل لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأميركي. كان كل ما كان من كيري هو توجيهه لقليل من لوم رقيق وحنون للتعنت الصهيوني، حينما اشار إلى أنه كان في عدم الإفراج عن دفعة الأسرى المتفق عليها ، والاعلان عن العطاءات التهويدية في منطقة القدس، ما قد عطل اجراءات الوصول إلى الاتفاق على تمديد المفاوضات. وما أن كان هذا منه حتى كاد أن يتحول إلى بطل سلام في أعين كل من الواهمين والتسوويين الفلسطينيين والعرب، أوأن يخلع عليه بجدارة لقب "الوسيط النزيه"! لقد نسي هؤلاء، مثلاً، أن كيري الجاهد لانتزاع الإعتراف الأوسلوي بما يدعى "يهودية" الكيان الصهيوني، إنما كان يدلي بشهادته أمام لجنة برلمانية اميركية مختصة، بمعنى أنه هنا في موقع الرائد الذي علية أن لايكذب قومه، ثم أن الخارجية الأميركية كانت حريصةً على المسارعة لتوضيح المأثرة أو الزلة الكيروية، حين اكدت أن صاحبها "لم يتهم اسرائيل، ولم يحمِّلها مسؤولية توقف المفاوضات"، والمفارقة أن لاأحد في المستويات السياسية في الكيان الصهيوني نفسه كان المنكر لما قاله كيري، بل لعلها واحدة من النقاط التي يعدونها لصالح نتنياهو، هذا إذا استثنينا بعض من تبرم صدر عن ليفني فحسب.

...بقي أن نقول إن مأثرة كيري هذه ماهي إلا شطحة محسوبة جوهرها الضحك على ذقون الأوسلويين وعرب التسوية، ورشوة منه هدفها تشجيعهم على اقتراف خطيئة تمرير حكاية تواصل المفاوضات من اجل المفاوضات، هذه التي من المطلوب، صهيونياً واميركياً، تواصلها حتى التصفية...الآن كل الجهود منصبة على انضاج طبخة تمديد المفاوضات قبل نهاية شهرنا هذا، وما نحن إلا على موعد مع تمديدها.
 

 

* كاتب فلسطيني مقيم في دمشق




 

 

 

 

 

 

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 20-04-2014آخر تحديث