الأسرى الفلسطينيون… سجناء الحرية - د. فايز رشيد


منذ عام 1974 أقر المجلس الوطني الفلسطيني بأن يكون 17 ابريل/ نيسان من كل عام يوما للأسير الفلسطيني. هذا العام أحيا الفلسطينيون في كل مواقعهم في الوطن والشتات يوم الأسير الفلسطيني. الإحياء في هذه المناسبة يتجاوز اليوم الواحد ويمتد أياماً لإعلان التضامن مع الأسرى الفلسطينيين في سجون العدو الصهيوني. يوجد في سجون الاحتلال الغاشم ما يقارب الخمسة آلاف معتقل فلسطيني، من بينهم 20 أسيرة و230 طفلا، ومن بينهم أيضا الشيوخ. كلهم يقاسون أمرّ العذابات في المعتقلات الإسرائيلية، ووفقا لنادي الأسير الفلسطيني في رام الله فان 95′ من الأسرى الفلسطينيين يتعرضون لصنوف التعذيب، منذ لحظة اعتقالهم حتى نقلهم الى مراكز التوقيف والتحقيق الاسرائيلية. الكثير منهم محكومون بالسجن المؤبد (مدى الحياة) وبعضهم مسجونون منذ ما يزيد على الثلاثين عاماً. الكثير من الأسرى يعانون المرض (يزيد عددهم عن 1000 أسير) من بينهم 160 أسيرا يعانون أمراضا مزمنة، من بينها السرطان، ومنهم 168 أسيرا يمارس عليهم الاعتقال الاداري التعسفي، من بقايا قوانين عهد الانتداب البريطاني على فلسطين. اسرائيل ما تزال تحتجز 30 أسيرا من الأسرى القدامى، ما قبل اتفاقية أوسلو، وبعد أن تم اطلاق سراح ثلاث دفعات منهم، وفقا لاتفاق مع السلطة الفلسطينية، ترفض اسرائيل اطلاق سراح أسرى الدفعة الرابعة.

معركة الأسرى الفلسطينيين تنصّب أساساً على تحسين ظروف اعتقالهم القاسية، التي تهدف إلى قتل الأسرى بطريقة الموت البطيء، يعيشون الاكتظاظ والظروف الحياتية الصعبة في مجالات الحريات والتغذية وقلة العلاج ورداءته، ومنع إدخال الكتب ومنع سماع البرامج في الإذاعات، ورؤيتها في الفضائيات، وتجريب الأدوية عليهم، وإصابة بعضهم بالأمراض المزمنة الخطيرة والعاهات الدائمة، وصعوبة زياراتهم من قبل ذويهم، فسلطات السجون الصهيونية تضع حاجزين من الأسلاك المشبكـــة، بينهما مسافة متر وما يزيد، الأمر الذي لا يسمح للطرفين بالتحقق السليم من وجه الآخر/الآخرين.

ولعل أخطر الطرق التي تتبعها إسرائيل مع المعتقلين الفلسطينيين، هي محاربتهم نفسياً من خلال الاعتقال الاداري الذي يمتد لسنوات طويلة، اذ ان اسرائيل تنكرت لتعهدها بوقف هذا الاعتقال، في الاتفاقية التي عقدتها مع السجناء بوساطة مصرية، واستمرت فيه، ومنعت الزيارات عنهم، واستعملت وسائل التعذيب النفسي بحقهم، الأمر الذي ادى ويؤدي إلى اصابتهم بأمراض نفسية مزمنة.

لقد أظهرت الإحصائيات المتعلقة بشؤون الأسرى مؤخراً أن ما يزيد على 850 ألفاً من الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، تم اعتقالهم في السجون الإسرائيلية، الأمر الذي يعني أن كل عائلة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، فيها فرد، تم سجنه، ومرّ بتجربة الاعتقال.

منذ عام 1967 فإن ما يزيد عن الـ 207 من المعتقلين استشهدوا في أقبية المخابرات والمعتقلات الصهيونية، التي تذكّر بمعسكرات الاعتقال النازية والفاشية. من السجينات أيضاً من جرى اعتقالهن في فترات الحمل، وتمت ولاداتهن في ظروف قاسية، في غرفة يطلق عليها زوراً اسم مستشفى، في السجن، يشرف عليها ممرض، والمولود يبقى مع أمه في السجن. هذه هي ظروف حياة أسرانا في المعتقلات الإسرائيلية. إسرائيل تقترف وسائل العقاب الجماعي بحق المعتقلين، فكم من مرّة أحضرت سلطات السجون، قوات حرس الحدود، التي يهجم أفرادها على المعتقلين بالأسلحة الرشاشة والقنابل المسيلة للدموع، وغيرها من الوسائل، لا لشيء فقط لأن المسجونين يطالبون بتحسين ظروف اعتقالهم. لا يمر أسبوع واحد من دون أن يشهد اقتحامات صهيونية لغرف المعتقلين في هذا السجن الصهيوني أو ذاك.

الغريب أن إسرائيل تروّج بأنها دولة ديمقراطية، والأغرب أن العالم يصدّقها! ويعمي عينيه عن قضية الأسرى الفلسطينيين في المعتقلات الصهيونية، وركّز ـ كما شهدنا ـ على أسر جندي إسرائيلي واحد جاء غازياً وهو شاليط، أسره الفلسطينيون. مسؤولون كثيرون على الصعيد العالمي طالبوا بإطلاق سراحه ليعيش مع عائلته المشتاقة إليه، وعرف كل العالم قضيته وتم اطلاق سراحه في اتفاقية تبادل الأسرى الأخيرة ، بينما لا يتفوه هذا العالم بكلمة واحدة عن الأسرى الفلسطينيين، وكأنهم ليسوا أبناء عائلات، وليس لهم أمهات يشتقن إلى أبنائهن!.

رغماً عن العدو وقمعه ومخططاته وأساليبه الفاشية وهجوماته المتعددة عليهم، استطاع أسرانا تحويل معتقلاتهم إلى مدارس نضالية تساهم في رفع وتيرة انتمائهم وإخلاصهم لشعبهم وقضيته الوطنية، فيزداد المعتقل إيماناً بعدالتها، وإصراراً على تحقيق أهداف شعبنا في الحرية والكرامة والعودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة كاملة السيادة.
رغم الانقسام الفلسطيني، الا ان المعتقلين الفلسطينيين موحدون، إن في حرصهم على تحقيق الوحدة الوطنية بين المنتمين لكافة التنظيمات الفلسطينية، أو في مجابهتهم لمخططات العدو الصهيوني، الذي يستهدف كسر إرادتهم أولاً وأخيراً. لقد تمكن المعتقلون من تحقيق ورقة أُطلق عليها اسم (ورقة الأسرى) لتحقيق المصالحة الفلسطينية، ورغم اتفاق كافة التنظيمات على الورقة في مباحثات القاهرة قبلا، لم تتم المصالحة، وفي هذه القضية فإن خيانة من نوع ما تجري بحق معتقلينا المستائين من بقاء الانقسام! بين الفينة والاخرى يلجأ أسرانا الى السلاح الوحيد بايديهم وهو سلاح الاضراب عن الطعام من أجل تحقيق مطالبهم، تصوروا لو أن يهوديا واحدا في سجن في أي دولة، يضرب عن الطعام لفترة طويلة.. لكانت قضيته أصبحت شأنا دوليا ولاتخذ مجلس الأمن الدولي قرارا باطلاق سراحه! انها سياسة الكيل بمكيالين!
الأسرى الفلسطينيون هم أسرى الحرية والضمير الانساني، لم يقترفوا ذنبا سوى الدفاع عن شعبهم وقضيتهم الوطنية العادلة. انهم يجابهون الاحتلال وهو حق مشروع وفقا للدساتير والمواثيق والاتفاقيات والمعاهدات الدولية. يتوجب أن تصبح قضية الأسرى الفلسطينيين قضية الشعب الفلسطيني والأمة العربية بأسرها، وأن تقوم المنظمات المعنية الفلسطينية والعربية، بطرح قضيتهم عالياً على الساحة الدولية، وهذه أبسط حقوقهم علينا، وواجبنا جميعا أن نعطي قضيتهم ما تستحقه من الاهتمام.


‘ كاتب فلسطيني

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 24-04-2014آخر تحديث