ترشيح السيسي بين موسكو وواشنطن - د. فايز رشيد
 

رد الفعل الأمريكي الغاضب على تأييد بوتين لترشيح السيسي للرئاسة لا يتناسب وطبيعة التصريح الذي يدخل في باب المجاملة ليس إلا،ولا يتناسب مع سياسة واشنطن حول ترشيح رؤساء الدول, فهي تتدخل في عملية الترشيحات بشكل مباشر إذا كان المسؤولون في دولهم يخدمون مصالحها.أما من يعارضونها فتحاول اعاقة ترشيحهم .الناطقة الأمريكية أعلنت أنه"ليس من شأن الولايات المتحدة أو من شأن بوتين،أن يتدخل فيما ينبغي أن يحكم مصر،الأمر يعود إلى الشعب المصري"!هكذا ردت واشنطن التي , أعلنت إدارتها بعد حراكات 30 يونيو الماضي حين قام ما يقارب الخمس وثلاثين مليوناً من المصريين بمظاهرات عارمة تأييداً للبيان الصادر عن الجيش , والتي جرى استكمالها في الثالث من يوليو بوضع خريطة الطريق لمستقبل مصر, بتجميد المساعدات الأمريكية للقاهرة بعد خلع حكم الإخوان المسلمين من جذوره،هؤلاء الذين عقدوا صفقات عديدة مشبوهة مع ممثلي الإدارة ووزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن , على ضوئها ساندت أمريكا وصول الإخوان إلى الحكم , وسهّلت هذا الوصول وبقائهم في السلطة لمدة عام كامل،واستقبلت إزاحتهم عن السلطة بامتعاض بالغ ظهر في تصريحات العديدين من المسؤولين الأمريكيين.

لعقود طويلة إبّان حكمي السادات وحسني مبارك اعتبرت واشنطن مصر جزءاً أساسياً من استراتيجتها للمنطقة وللعالم نظراً للعلاقات التي أرساها السادات مع واشنطن والعزيز هنري(كيسنجر) ,والتي تمثلت بزيارة السادات إلى الكيان الصهيوني ومن ثم توقيع اتفاقيات كمب ديفيد المشؤومة،الذي تم بموجبها إخراج مصر القوة العربية الأساسية من الصراع العربي-الصهيوني,والتي استبيحت من خلالها الأراضي المصرية في سيناء بتكبيل تواجد القوات المصرية فيها إلى الأبد .الذريعة التي رددها السادات :"أن 99% من أوراق الحل هي بيد الولايات المتحدة " . الأتفاقية أدت إلى إزاحة مصر عن القضية المركزية التي تبنتها طيلة عهد الرئيس الخالد جمال عبد الناصر وهي القضية الفلسطينية , بل العكس أصبحت أداة ضغط على الفلسطينيين من أجل توقيع اتفاقيات أوسلو المشؤومة.

بكل قلة الوفاء والتنكر المطلق قام السادات بطرد الخبراء السوفيات من مصر, وعمل على تخريب العلاقات مع الاتحاد السوفياتي ودول المنظومة الاشتراكية, بغض النظر عن أن موسكو هي التي قامت بتعويض الأسلحة المصرية بعد حرب عام 1967 والتي حارب بها السادات حرب أوكتوبر عام 1973 والتي أرادها حرباً تحريكية لسياسات الاستسلام لكل من واشنطن وتل أبيب،وبالرغم من أن الولايات المتحدة حاربت مباشرة إلى جانب إسرائيل،فالطيارون الأمريكيون بطائراتهم الأمريكية المطلية بنمط سلاح الجو الإسرائيلي(إضافة إلى أنواع أخرى من الأسلحة والصواريخ الأمريكية التي أمدت بها واشنطن تل أبيب)هم الذين شاركوا مباشرة في الحرب بعد أن كان ديان على وشك إعلان استسلام الكيان الصهيوني, والأمريكيون هم الذين لعبوا الدور الأساسي في تحديد نتيجة الحرب بمحاصرة الجيشيين المصريين الثاني والثالث لتبدأ بعدها المسيرة الاستسلامية ولتبدو مصر وكأنها مهزومة .

روسيا هي وريثة الاتحاد السوفياتي بعد الانهيار, هذا الذي وقف مع مصر في أحلك لحظاتها عندما حاصرت واشنطن تصدير الأسلحة إليها في الخمسينيات بعد اتضاح االخط الوطني القومي العربي الذي اختطته ثورة يوليو عام 1952 بقيادة عبد الناصر , فقامت موسكو بالضغط على حليفتها في براغ لتصدير الأسلحة التشيكوسلوفاكية إلى مصر.الاتحاد السوفياتي هو الذي وقف مع ردها للعدوان الثلاثي الصهيوني-الفرنسي-البريطاني في عام 1956 وبمساندته السياسية انكفأ هذا العدوان واضطرت أطرافه إلى الانسحاب من منطقة القناة ومدنها.موسكو هي التي ساعدت مصر في كل المجالات: في خططها الخمسينية التصنيعية والتي ورّدت إليها القمح عندما منعته عنها واشنطن ,إضافة إلى سلع حياتية عديدة أخرى . بمساعدة الاتحاد السوفياتي بنت مصر السد العالي بعد رفض البنك الدولي تمويل بنائه.هذا غيض من فيض المساندة الروسية(السوفياتية)للبلد العربي الأكبر.كل هذا نساه السادات وفضّل على علاقات موسكو،واشنطن والتحالف معها وهي التي ساهمت مباشرة في إحلال هزيمة عام 1967 بالعرب.

زيارة السيسي بصحبة وزيرة الخارجية المصري هي بداية لتصحيح علاقة مع روسيا.صحيح أنها جاءت بشكلها البروتوكولي رداً على زيارة قام بها وزيرا الخارجية والدفاع الروسيين من قبل إلى القاهرة.الزيارة هي أكثر من زيارة عادية يقوم بها وزيران في دولة إلى دولة أخرى صديقة.وفقاً للأنباء المتواترة من زيارة المسؤولين المصريين إلى موسكو يمكن القول:وفقاً لصحيفة فيدوموستي فإن الزيارة شهدت التوقيع بالأحرف الأولى على عقود بقيمة تتجاوز 3 مليارات دولارات وبموجبها تقدم موسكو للقاهرة طيارات ميغ حديثة(أحدث ما أنتجته روسيا)إضافة إلى أسلحة أخرى.مثلما قالت وكالة الأنباء الروسية فإن الرئيس بوتين يطمح إلى رفع التبادل التجاري مع مصر إلى 5 مليارات دولار.لقد دعا الطرفان الروسي والمصري إلى تجنيب سوريا مخاطر التدخل العسكري الخارجي المباشر في الصراع الدائر فيها.نائب وزير الدفاع الروسي سيرغي شويفو ونظيره المصري أكدا مسألة إجراء تدريبات مشتركة وتعزيز التعاون العسكري بين البلدين . كما أن اجتماعات لجنة التعاون الاقتصادي التجاري الروسية-المصرية ستستأنف اجتماعاتها نهاية الشهر المقبل(مارس).في هذا ما يجعل المراقب يؤكد وجود النوايا الجدية لدى الطرفين لاستئناف التعاون بينهما وتطوير العلاقات إلى مجال أرحب وأوسع.

العلاقات بين مصر والاتحاد السوفياتي(ووريثته روسيا)قديمة ولقد تم تدشين العلاقات الدبلوماسية بين مصر والاتحاد السوفياتي في عام 1943 عندما جرى تعيين أول سفير لمصر في موسكو.إن مصر هي دولة في قلب منطقة الشرق الأوسط،وهي دولة كبيرة تلعب دوراً رئيسياً في العالم العربي.وهي بوابة لتعزيز التعاون الروسي مع دول القارة الإفريقية, وهي دولة تلعب دوراً رئيسياً في المنطقة وعلى الصعيد العالمي،وهي دولة تقع في منطقة على مسافة ليست بعيدة من حدود روسيا والجمهوريات الآسيوية التي كانت في النطاق السوفياتي،بالتالي ليس جريمة(مثلما حاولت واشنطن أن تصور)أن يؤيد الرئيس الروسي بوتين،السيسي للانتخابات الرئاسية المصرية.

 

 

 

 

 

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 22-02-2014آخر تحديث