فلسطيني انتحاري..لماذا؟! - حبيب فياض

نضال المغير..لاجئ فلسطيني مقيم في لبنان ويعيش في بلدة البيسارية الجنوبية، يفجر نفسه أمام مؤسسة ثقافية ايرانية الى جانب دار اسلامية لرعاية الأيتام ، ما أودى بحياة أبرياء لبنانيين من مختلف الطوائف الاسلامية، سنة وشيعة ودروزا . مشهد يقارب السوريالية في خياليته رغم واقعيته. خلطة عجيبة من الدوافع والذرائع والأوهام . فلسطيني يستهدف ايران في لبنان من أجل سوريا بعملية انتحارية عبر ضرب بيئة حزب الله رافع لواء المقاومة ضد اسرائيل.

"المغير" هذا ليس أول فلسطيني انتحاري في لبنان ولن يكون الأخير. كما ان بعض المخيمات الفلسطينية باتت ملاذا يتوارى فيها الارهابيون بمنأى عن المطاردة والاعتقال. ومع أن الأمر أقل بكثير من كونه ظاهرة قابلة للتعميم، فإن المشهد، بتراكماته ومتفرقاته التي يمكن استجماعها، لا يخلو من مخاطر انقلاب المعايير واضطراب في الأولويات لدى شريحة، رغم كونها محدودة، من المقيمين الفلسطينيين في لبنان.

في الأساس، لا يجوز لأي فلسطيني أن يضع الى جانب تحرير فلسطين أولوية أخرى حتى لو كانت محقة ، فكيف إذا كانت "أولوية" تغيّب فلسطين بالكامل وتقوم على الفتنة والارهاب والتكفير والقتل. تعدد الأولويات لدى الآخرين جائز لكنه في مثل الحالة الفلسطينية انحراف أحيانا و خيانة أحيانا اخرى. واذا كان تراجع الهم الفلسطيني لدى العرب والمسلمين بمنزلة الخيانة، ففي اي خانة اذاً يمكن ادراج انقلاب بعض الفلسطينيين على رأس حربة المقاومة؟ أليس التاريخ يشهد أن كل انخراط فلسطيني خارج القضية المركزية ارتد وبالاً على فلسطين وشعبها؟

في العام 1982 سافر الفلسطيني عبدالله عزام الى أفغانستان تحت أولوية "الجهاد" لتحريرها من الإلحاد السوفياتي على حساب اولوية تحرير فلسطين. وها هي كتائبه اليوم ما زالت تواصل مسيرتها التكفيرية ضد مقاومين من أجل فلسطين فيما فلسطين خارج الأولوية بالمطلق. وفي لبنان، سابقاً، انشغلت الثورة الفلسطينية بزواريب الحرب الأهلية ورفعت شعار العودة الى فلسطين عن طريق جونية، فانتهى بها الأمر في العام 1982 الى الهزيمة أمام الاجتياح الاسرائيلي والنزوح مجددا الى المنافي. وفي العام 1990 اصطفت منظمة التحرير بقيادة عرفات الى جانب صدام حسين في احتلال الكويت، فكانت النتيجة خسارة النظام العراقي ومعه الحليف الفلسطيني واخضاع هذا الاخير لسلسلة من التنازلات بدءا من مدريد وأوسلو، مرورا بالتخلي عن خيار "الكفاح المسلح" ،وصولا الى استعداد السلطة الفلسطينية اليوم للاعتراف بيهودية اسرائيل على حد ما قال المسؤول الفلسطيني نبيل عمرو.

الى ذلك، ما زالت حركة حماس تعيش واقعاً مأزوماً نتيجة تخبطها في الجمع بين لواء المقاومة ولواء "نصرة" الشعوب العربية مقابل الأنظمة المستبدة. وهي الآن في وضع لا تحسد عليه بسبب منبوذيتها في مصر وخيبتها من قطر وتورطها في سوريا وتشوه صورة عرابها التركي، وبالتالي خفوت وهجها كحركة مقاومة، وعدم قدرتها على الحصاد في الربيع العربي كجزء من التنظيم العالمي للاخوان. وليس مستبعداً أن تكون الحركة بقتالها ضد النظام السوري قد أحدثت فجوة "شرعية" تسللَ منها بعض الفلسطينيين للانخراط في الجماعات التكفيرية. وفي حين توقفت الحركة في منتصف الطريق لمراجعة حساباتها،استكمل هؤلاء مشوارهم حتى النهاية على طريق القتل والتكفير بعيدا عن فلسطين وشجونها.

خطورة الأمر ان ثمة فلسطينيين، مع انهم قلة، قد استبدلوا الانتماء الوطني والقومي والديني الداعي الى تحرير الأرض الفلسطينية بانتماء "مذهبي" يقوم على تكفير أتباع المذاهب الأخرى وقتلهم . والأخطر أن هؤلاء تراجعوا عن حق العودة الى فلسطين واختاروا بدلا منه وهْمَ الصعود الى السماء ليحلوا ضيوفا على مائدة «النبي»!.


 د. حبيب فياض

 

 

 

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 25-02-2014آخر تحديث