مسيحيو وادي النصارى لا يـنتظـرون البواخر - فراس الشوفي

 

أصداء المعارك الطاحنة بين الجيش السوري والمسلّحين التكفيريين في بلدة الزارة المحيطة بقلعة الحصن تتردّد في وادي النصارى، فتشيع القرى كل يوم شهداء جدداً. من بقي في الوادي حتى الآن حسم أمر الرحيل. سوريا وحدها الأم الحنون

فراس الشوفي

يختلط صوت السائق بضجة الهواء المثلج الآتي من شباك السيارة المسرعة على طريق الحواش من مفرق الزارة، في وادي النصارى غرب مدينة حمص. «هيدي الطريق وسخة بالليل»، يقول الرجل. الشابان في الخلف، يخرجان فوهات بندقيتيهما، كلٌ من شباكه المفتوح. تشعر برعشة الخوف، مع محاولة التماسك. الظلام دامس، ولمسلحي المعارضة السورية و«جند الشام»، المتحصنين في قلعة الحصن ومحيطها، صولات وجولات على هذا الطريق. سرعان ما يعاجلك السائق بأن الوضع بات مؤمناً، بعد نقاط الجيش السوري الجديدة ومراقبته. تمر الدقائق ثقيلة، وأخبار القتل المجاني وقطع الرؤوس في وادي النصارى تعيد تكرار نفسها في الرأس.

المقاتلون إلى جانب الجيش السوري اعتادوا إلى حد كبير قسوة الموت. يتحدثون عن رفاق شهداء لهم، بشيء من الاعتيادية الحزينة. ربما تنخفض احتمالات الموت المؤكد بالنسبة إلى السوريين القابعين في بيوتهم في الوادي، لكنها تبقى مرتفعة مع القذائف العشوائية وأعمال القنص شبه اليومية التي يمارسها المسلحون بحقهم.

وعلى الرغم من أن السيطرة على الطريق، وعلى أوتوستراد حمص ـــ طرطوس، عززتها حشود الجيش الجديدة التي حضرت قبل أسبوعين لبدء الجولة الأولى من معركة تحرير قلعة الحصن، إلّا أن التنقل ليلاً لا يزال خطراً، مع تضييق الخناق على بلدة الزارة وبدء قضمها.

تبقى الحياة على الطريق الدولية بين حمص وطرطوس أشبه بالعادية، والحرب على بعد أمتار.

البرد آخر الهموم خلف الساتر الترابي. يُصلح نزار، أحد المقاتلين، قبّعته الصوفية وينفث في كفيّه هواء رئتيه الساخن، موزعاً عينيه بينك وبين شاشة المنظار الليلي، «ما فيك لا تبرد ولا تغمض عينك، المسلحين عم يجربوا كل ساعة يتسللوا، انشالله يتسللوا لخليك تشوفهم على المنظار». المرابضون هنا، جنود في الجيش السوري وعناصر من الدفاع الوطني ومقاتلون من الحزب السوري القومي الاجتماعي، معظمهم من أبناء القرى المجاورة. وإذا كان دليلك قومياً، فهذا يعني أنه سيردد على مسامعك تاريخ حزبه في منطقة الحصن على نحو عام، امتداداً إلى طرطوس، إذ تتخذ المنطقة «صبغة قومية» على غرار الصيت الذي اكتسبته قرى الكورة في شمال لبنان، ويكاد جمهور حزب أنطون سعاده يبدو أوسع من التنظيم نفسه في قرى وادي النصارى ومرمريتا ومشتى حلو.

قطع الأعناق

أغلب المسيحيين الباقين في هذه المنطقة لا ينتظرون البواخر الأوروبية والأميركية لتحملهم إلى شتات العالم. من رحل فقد رحل، ومن بقي فإنه يفضّل الموت هنا على رحمة «الرجل الأبيض». طوني، موظف مطعم الشاورما في قرية الحواش لا يريد الرحيل. وأم الشهيد حسام مسوح في حبنمرة تريد أن تبقى قرب تراب ابنها لتطمئن إليه كل يوم، ومزارعو الملفوف على ضفاف بحيرة شلوح يريدون البقاء أيضاً. وغيرهم الكثير. كل هؤلاء، سوريا وحدها أمهم الحنون.

خلال هجوم على حاجز لقوات الدفاع الوطني الأربعاء الماضي في بلدة عمار الحصن، تفنّن التكفيريون في ترتيب جثث عناصر الحاجز. اقتلعوا عيني أحدهم، وقطعوا رأس آخر وأخذوه معهم! وبالمناسبة، ليس هذا الرأس الوحيد، انتزع المسلحون أكثر من رأس في الأسابيع الماضية، بعضها لمقاتلين من الدفاع الوطني، ورأس للشهيد القومي حنا كرم الملقب بـ «غابي»، ابن بلدة بحزينا، وبعضها لمدنيين، آخرها كان رأس الشاب فادي مخائيل متى، ابن مرمريتا، الموظف في أحد المطاعم.

يؤكّد دليلك، أثناء جولة على النقاط العسكرية في ضوء الشمس، أن الهدف المرتجى من قطع الرؤوس يرتدّ على أهالي وشباب قرى الوادي بصورة عكسية. يزداد هؤلاء إصراراً على حمل السلاح. ومع اشتداد طغيان المسلحين على الأهالي، تستقبل المتاريس كل يوم دفعة جديدة من أبناء القرى المحيطة، من بحزينا وحبنمرة وشلوح والحواش والمزرعة وعين العجوز والمشتاية وعناز وعين الراهب وحور والقرى الأخرى. بعضهم يأتي من الجامعة إلى الخندق، وبعضهم من المطعم والحقل والوظيفة، وبعضهم لا يترك الخندق أصلاً. يقول أحد المقاتلين إن «حياة الميدان تسرق منك كلّ شيء، ولا تفكّر في غير قتل المسلحين وفي تخيّل اليوم التالي لاستشهادك». وفي لحظات الوحدة الداخلية، «تأتي أمك، وحبيبتك، إن وُجدت» ، يقول طارق، صاحب البذلة الجديدة المرقطة، واليدين المشحمتين دائماً.

من يقنص أولاً؟

في الميدان، مهما تكن «حرّيفاً»، فهناك من يتفوّق عليك، وفجأة، قد يتحول الصياد، أي صياد، إلى طريدة. لا يُنكر المقاتلون في جبهة الجيش السوري أن المسلحين يملكون مهارات عالية في القتال، وفي القنص تحديداً. على أرض الزارة، تدور لعبة من الموت اسمها «من يقنص أولاً؟». وحين يستعصي قناص «جند الشام» على قناصي الجيش، المحترفين أيضاً، يستعمل الجنود الصواريخ الموجهة، لأن قناصاً واحداً قد يعيق تقدم عشرات الجنود لأيام عدة.
وهؤلاء القابعون في الحفر الرملية، وعلى الخطوط الأمامية، ليسوا بنادق فحسب، تسمع من بعضهم كلاماً في السياسة، على شاكلة ما يقوله جوزف، ابن مرمريتا، عن ان «الحرب ليست بين السنة والشيعة، أو بين العلويين والسنة، بل بين التخلّف والسوريين جميعاً، من ضمنهم نحن المسيحيين».

الحزن الغاضب

تشييع الشهيد حنا كرم في بحزينا يوم الجمعة الماضي، كان حزيناً للغاية، كاسم القرية ربما، وغاضباً أيضاً. استشهد «غابي» في الهجوم الأول على مزارع الزارة من جهة الاوتوستراد، وحين تمكّن رفاقه من سحب جثته كان التكفيريون قد اقتلعوا رأسه. بقي الصندوق الخشبي مغلقاً، وحُمل الجثمان على وقع النشيد السوري تعزفه فرقة البلدة الكشفية، وربما يكون وقت عزف النشيد هو الوقت الوحيد الذي توقف فيه إطلاق الرصاص الغاضب في الهواء. الأم الثكلى رقصت رقصة الدمع، وسارت خلف الجثمان تنادي على حنا، كأنه لم يمت، كأنه هناك في بيت العائلة، يشرب القهوة مع أشقائه على بعد مئة متر من الكنيسة، والمقبرة.

لم يجربوا الدبابة بعد

بالنسبة إلى أهالي وادي النصارى، قلعة الحصن هي وحشٌ حجرّي، يقبع فوق صدورهم في الجبل العالي، يقضّ ليلهم ونهارهم، ويصدّر لهم مهووسي التمثيل بالجثث. تختلط الإشاعات بالمعلومات الصحيحة التي يتداولها الأهالي عن القلعة والمسلحين بداخلها، وفي أحيان تنسج روايات قد تكون صحيحة ولا يصدقها عاقل. تدور على ألسن الأهالي أرقام كـ 7000 و5000 في تقدير عدد المسلحين في القلعة ومحيطها، بينما تؤكّد المصادر العسكرية أن عدد المسلحين لا يتجاوز 1000 متشدد مع أسلحة كثيرة وكمية كبيرة من الذخيرة. أما أحدث الأخبار، فهو سيطرة المسلحين على دبابة للجيش قبل أسبوع، ومعها مدفع «37» ، ومدفع هاون. فجأة، تحول معظم الأهالي إلى خبراء عسكريين، يندبون حظّهم. مرّت أيام، ولم تسقط قذيفة دبابة على أي قرية، «لم يجربوا الدبابة بعد!»، يسخر أحد الزبائن في الدكان الصغير قرب مفرق الدغلة، ويتابع «جربوا الـ 37، من يومين ضربوا قذيفة على مرمريتا، بس الحمد الله ما حدا صرلو شي، لنشوف امتين الدبابة، ومبارح جربوا الهاون». بينما يقول العسكريون إن المسلحين يخبّئون الدبابة لـ «المعركة الكبرى»، ويخفونها الآن خوفاً من أن تدمرها الطائرات السورية.

مرمريتا: حضن المهجّرين

مرمريتا أكبر بلدة مسيحية في وادي النصارى، إلى جانب بلدة الحواش، وغالبية أهلها من الروم الأرثوذكس. تعدادهم كان قبل الأزمة السورية سبعة آلاف نسمة. أما اليوم، فيسكنها أكثر من ثلاثين ألفاً، بعدما لجأ إليها عدد كبير من المسيحيين المهجرين من حي بستان الديوان في حمص والحميدية ومدينة القصير. الطريق إلى مرمريتا من الحواش، تأخذ وقتاً أطول من الوقت الأصلي، فقد كانت الطريق عبر الحصن لا «تأكل» أكثر من عشر دقائق، بينما تحتاج الطريق عبر بلدة الدغلة إلى نصف ساعة تقريباً . لا بأس بنصف ساعة، إذ يقول المثل الشعبي «لا تنام بين القبور ولا تشوف منامات وحشة»، وخصوصاً إذا كان المنام حقيقة، على شاكلة رصاصة قناص، أو سكين بيد متشدّد يحزّ عنقك.

يمكن أن تجد بعض الزبائن في المطاعم ليلاً، وهذا البعض يعد على الأصابع، بعدما كانت مرمريتا أحد أهم مراكز الاصطياف في سوريا. في النهار، تظهر قلعة الحصن على جبل أقل انخفاضاً إلى الجنوب الغربي من مرمريتا، ويمكن للناظر في أيام الصفاء أن يرى جبال الأرز اللبنانية وجزءاً لا بأس به من سلسلة جبال لبنان الغربية.

هنا، في ساحة الدلبة، تنتصب الشجرة العتيقة كنقطة المحور. يجلس طوني الخوري، أحد كهول البلدة، على كرسيه الخشبي، في المساحة المشمسة من الساحة، وحالما يعرف أن زائر البلدة من لبنان، ينهال عليه بالأسئلة عن رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع: «كيفو فليحكم الإخوان؟»، يقول طوني. تأخذك الطريق من الساحة يساراً إلى حارة السهلة، وهي وسط البلدة التاريخية القديمة، وجنوباً، نحو الحارة التحتانية ودوار الباسل. تتوزّع حارات الدقارة والحارة الغربية والفوقانية حول الدلبة، ويتوزع الأهالي على عائلات اليازجي، سلامة، عين الشايبة، سلوم، الخوري، هزيم، كرم، شوك.

عملياً، انخرط أبناء مرمريتا قبل فترة من الزمن في حمل السلاح والدفاع عن منطقتهم، والتحق هؤلاء، بقيادة ابن البلدة بشر اليازجي، في اللجان الشعبية ثم قوات الدفاع الوطني، إضافة إلى القوميين. المرافق «أبو سومر»، أحد مسؤولي القوميين في مرمريتا، لن يتوقّف عن ردّ «تحيا سوريا» لرفقائه الموزّعين على السوق الرئيسي، ولا يكفّ عن التعريف بأسمائهم حالما ينزلون أيديهم. عند العصر، ما أن تبدأ بعض المحال التجارية بإغلاق أبوابها، حتى يكون «أبو سومر» مسروراً لو التقطت صوراً للأبواب الحديدية الجديدة في السوق، بعدما قرر الأهالي توحيد طلاء أبواب محالّهم بألوان العلم السوري. في مرمريتا، أيضاً، ثمانية شهداء من المقاتلين واثنان من المدنيين، وعدد آخر من جنود الجيش السوري، وتقريباً، أغلب الأهالي يحملون دمهم على أكفهم.

 

 

 

 

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 06-02-2014آخر تحديث