المصارحة قبل المصالحة:

الشعب الفلسطيني يريد أن يعرف الحقائق يا سيادة الرئيس - عبد الحميد صيام


abdelhamid.siyam@gmail.com


29/1/2014


لم يبق بيننا وبين الموعد الذي حدده وزير الخارجية الأمريكي جون كيري للتوصل لتسوية سياسية بين الإسرائيليين والفلسطينيين إلا أقل من ثلاثة أشهر. فقد وعد السيد كيري عندما أعاد قطار المفاوضات الذي إنزلق عن السكة منذ أيلول/سبتمبر 2010 إلى مساره القديم أن تأتي المفاوضات ثمارها في نهاية نيسان/أبريل القادم والتي ستؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة بعد تقديم الطرفين لتنازلات مؤلمة. ومع أن الطرفين اتفقا على سرية ما يدور في كواليس المفاوضات إلى أن يتم التوصل إلى اتفاق نهائي إلا أن كل ما يرشح عن المفاوضات أو يتم تسريبه عن قصد أو غير قصد، يشير إلى أن التنازلات مطلوبة من طرف واحد فقط وأن هذه التنازلات تشمل القدس وحق العودة والاعتراف بيهودية الدولة وبقاء منطقة الأغوار تحت السيطرة الإسرائيلية لمدة قد تصل إلى عشر سنوات. فأين هي الدولة المستقلة يا سيادة الرئيس محمود عباس التي وعدتنا بها منذ نيف وعشرين سنة ؟


فمن خلال متابعة دقيقة لكل ما تم تسريبه عن سير المفاوضات وما صرح به مسؤولون فلسطينيون قدموا استقالاتهم ومن تصريحات بعض المهرولين الذين تراجعوا قليلا مع أنهم كانوا من أكثر المتحمسين للمفاوضات وتقديم التنازلات ومن تصريحات عديدة تناقلتها الصحافة الإسرائيلية وما رشح عن اللقاءات المتواصلة بين وفود الطرفين إلى واشنطن وما تناقله بعض رجال الأعمال الإسرائيليين ونظرائهم الفلسطينيين الذي التقوا مع وزير الخارجية الأمريكي على هامش مؤتمر دافوس نستطيع أن نصل إلى مجموعة من الإستنتاجات شبه المؤكدة تشير في مجموعها إلى أن القضية الفلسطينية برمتها على أبواب مرحلة في منتهى الخطورة تؤدي فيما لو نفذت تلك النقاط، كما هو متداول، إلى إنهاء القضية الفلسطينية مرة وإلى الأبد. أليس هذا نتيجة مباشرة لاستبدال النضال بالمفاوضات ووضع الثقة في الوسيط الأمريكي بدل الاعتماد على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية وتحويل المناضلين إلى موظفين وإعفاء إسرائيل من تبعات الاحتلال وإعطاء الفرصة الكاملة لإسرائيل أن تنجز برنامجها على الأرض والشعب وتخلق حقائق راسخة من الصعب تغييرها أو إلغاؤها؟ أليس ذلك كله نتائج مباشرة لإتفاقية أوسلو المشؤومة؟ لقد كانت تلك الإتفاقية، كما هو معرف، تتعلق بجزء من الحقوق على جزء من الأرض لجزء من الشعب. أما الآن فيبدو أن ما يتم طبخه سيفرط بكل الحقوق ولا يبقي أية سيادة على كل الأرض ويلحق الأذى والهوان والضياع بكل الشعب.


نريد توضيحا للحقائق يا سيادة الرئيس فهذه قضية مقدسة للملايين عبر العالم كله. فالقضية الفلسطينية ليست حكرا على القيادة الفلسطينية وفريقها المفاوض بل هي ملك للشعب الفلسطيني بكافة تشكيلاته وتجمعاته ومنافيه وهي ملك للشعب العربي الذي وقف مع الشعب الفلسطيني في السراء والضراء وأرسل المتطوعين والمساعدات ونظم المسيرات وقدم الغالي والرخيص من أجل قضيته الأولى التي لا تتقدمها قضية أخرى رغم محاولات بعض الأنظمة العربية تشويه الحقائق وتبديل الأولويات. وهي كذلك قضية الشرفاء في هذا العالم الذين يدافعون عن الحق ضد الباطل وينتصرون للمظلوم ضد الظالم ويقفون مع قوة الحق لا حق القوة ويرفضون الأبرثايد بطبعته الإسرائيلية كما رفضوه بطبعته الأفريقية ويرفضون غطرسة القوى العظمى وإزدواجية المعايير لديها ويتمسكون بالموقف المبدئي حتى لو كانوا أقلية.


التأكيد على مجموعة من الحقائق منذ إتفاقية أوسلو


ونحن نراجع عشرين سنة من المفاوضات العبثية ونقف على أعتاب مرحلة قد تكون الأخطر في تاريخ القضية الفلسطينية منذ نشأتها نود أن نذكـّر ببعض الحقائق والتي قد لا يختلف عليها إثنان وإن إختلفا فعلى التبرير أو التفسير أو التحليل:


أولا: إن إتفاقية أوسلو كانت كارثة حقيقية على الشعب الفلسطيني أدت إلى إعطاء شرعية لاحتلال فلسطين التاريخية مقابل وعود غامضة مرهون تنفيذها بتغييرات جذرية في الأيديولوجيا والمسلك والممارسة والوظيفة التي كانت تمثلها منظمة التحرير الفلسطينية. ألم يحن الوقت للإعتراف بهذه الخطيئة؟

ثانيا: إن إتفاقية أوسلو شكلت الغطاء الأمثل لإسرائيل لتثبيت الاحتلال وقمع القوى الوطنية الفلسطينية وابتلاع الأرض وتهويد القدس وتحويل المناضلين إما إلى موظفين ينتظرون رواتبهم آخر الشهر أو حراسا على أمن الإسرائليين ومستوطنيهم.


ثالثا: إن عدد الذين إستشهدوا على أيدي قوات الاحتلال بعد أوسلو وعدد البيوت التي هدمت وعدد الذين دخلوا السجون يعادل عشرات بل مئات الأضعاف قبل أوسلو دون أن يكون هناك مردود لهذه التضحيات تتناسب طرديا مع حجمها. ويكفي أن نذكر بإعادة إحتلال المدن الفلسطينية عام 2002 وما جرى لمخيم جنين والحرب على غزة 2008/2009 وحرب الأيام الثمانية على غزة 2012. وعلى سبيل المثال إستشهد خلال فترة المفاوضات الأخيرة التي بدأت في آب/أغسطس الماضي وحتى الآن 21 فلسطينيا وهدم 276 منزلا أدت إلى تشريد أكثر من خمسمائة إنسان وتم إقرار بناء آلاف الوحدات الاستيطانية.


رابعا: لقد وصل الانقسام الفلسطيني الفلسطيني لدرجة من العمق والاتساع لم يصل إليه أي خلاف داخلي في تاريح الحركة الوطنية الفلسطينية. لقد جاء هذا الخلاف على أرضية أوسلو والخلاف بين توجهين : المفاوضات أو المقاومة. لقد إنتخبت الجماهير الفلسطينية حركة حماس ليس تأييدا لأيدولوجيتها بل لأنها كانت (وأشدد هنا على كانت) تمثل حركة مقاومة قادتها يستشهدون قبل عناصرها وإعتبرها الناس بديلا لأصحاب نظريات المفاوضات العبثية الغارقين في الفساد.


خامسا: لقد تغلغل الفساد في مؤسسة السلطة بشكل غير مسبوق وأستطيع أن أسهب كثيرا في هذا الموضوع لكثرة ما لدي من معلومات. لقد إستشرى الفساد وأصبح مؤسسيا بل ومتحالفا مع الاحتلال مما ألحق أكبر الضرر بالقضية الفلسطينية وقدسيتها وأفقدها كثيرا من الأنصار والمؤيدين حتى من بين أبناء الشعب الفلسطيني.

سادسا: لقد أصبح الشعب الفلسطيني بعد أوسلو "ملطشة" لكل الأنظمة العربية. فمهما لحق به من أذى لا أحد يغضب ولا أحد يهدد ولا أحد يحتج. أنظر ما يجري الآن في مخيم اليرموك وما يجري من شيطنة للشعب الفلسطيني وخاصة في غزة وما جرى للفلسطينيين في مخيم نهر البارد عام 2007 وفي العراق بعد الاحتلال الأمريكي وليبيا أيام العقيد المهووس.


سابعا: لقد فتحت أوسلو الطريق أمام الأنظمة للشروع في تطبيع مجاني رخيص مع إسرائيل بل ويتباهون بذلك. لقد إتسع التطبيع والتعامل مع إسرائيل وتبادل الزيارات والتجارة بشكل غير مسبوق وعلني بحيث أصبحت دولة شمال أفريقية العميل التجاري رقم 7 لإسرائيل في كل القارة الإفريقية بزيادة في الصادرات بلغت 150% عام 2012 وزيادة في الواردات بلغت 216% كما أن هناك علاقات بشكل أو بآخر مع أكثر من 11 دولة عربية عدا عن الدول الإسلامية التي إعترفت بإسرائيل بعد أوسلو أو أقامت علاقات تجارية معها.


هذه عينة من الحقائق ولا أريد أن أكرر ما يعرفه الجميع حول الاستيطان وتهويد القدس وسرقة المياه وغير ذلك من البديهيات حتى لا أطيل على سيادتكم.


الأسئلة الصعبة


وبما أن القضية الآن تقف أمام منعطف خطير وخطير جدا وكل ما يكتب أو ينشر أو يسرب من معلومات حول المفاوضات يشير إلى تلك الحقيقة نود من سيادتكم أن تخاطبوا الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات وتجيبوا عن الأسئلة المهمة التالية بكل صراحة لعلها تضع حدا للكثير من الشائعات إن كانت كذلك وتطمئن الكثير من الذين يساورهم قلق عميق أمثالي:


1. ما هو الموقف من قضية حق العودة ؟ هل هناك حقيقة تفريط بهذا الحق الذي لا تملكونه وليس هناك تفويض من أصحاب هذا الحق لأحد بالتنازل عنه؟ هل مسألة التوطين أصبحت محسومة إلا من بعض الأعداد الرمزية؟


2. ما هو الموقف من قضية يهودية الدولة؟ نريد إجابة دقيقة وصادقة وشاملة على هذا السؤال الخطير؟ ما حكاية الضغوط التي تمارسها بعض الدول العربية عليكم لانتزاع هذا الاعتراف بتكليف من وزير الخارجية الأمريكي كيري؟


3. من هي الجهات التي ستكون مسؤولة عن أمن الأغوار ؟ وما هي حقيقة الأفكار المطروحة حول إستخدام قوات أجنبية في منطقة الأغوار لمدة تصل إلى عشر سنوات؟


4. ما حقيقة ما يطرح حول الانسحاب التدريجي من الضفة الغربية يستغرق عشر سنوات حسب الاقتراح الإسرائيلي وثلاث سنوات حسب إقتراحكم؟

5. ما حقيقة ما يقال عن قضية تبادل الأراضي والتي قد تشمل منطقة الجليل ذات الغالبية العربية مقابل التنازل عن الأراضي التي تحتلها المستوطنات الكبرى؟ وما حقيقة بقاء مستوطنين ضمن أراضي "الدولة الفلسطينية"؟


6. ما حقيقة ما يقال إن مسألة القدس غير مطروحة للنقاش أصلا؟ وكل ما هو معروض عليكم ممرات للمنطقة القديمة في القدس وتحت الحماية الإسرائيلية؟ وهل صحيح أن المعروض عليكم إعلان العاصمة في شعفاط ثم تسمونها القدس؟


نأمل أن نسمع منكم قريبا في بث حيّ خطابا شاملا يشبه خطاب الرئيس الأمريكي السنوي المسمى "حالة الاتحاد" والذي يراجع فيه وضع الدولة الداخلي والخارجي بشيء من الإسهاب. ألا يستحق شعب الجبارين ورائد النضال ومفجر الانتفاضات أن يستمع إلى إجابات صريحة حول أسئلة تتعلق بمصير كل فرد فيه بل ومصير الأجيال القادمة الذين "سيولدون من الهزائم، يولدون من البراعم، وسيولدون من البداية ويولدون من الحكاية، ويولدون بلا نهاية ويولدون ويولدون". والسلام عليكم.


* أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

 

 

 

أرشيف سنة 2013 وما قبلها

-

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 06-02-2014آخر تحديث